«الدكان» تعيد نبض الفريج الكويتي... بين التراث والإنسانية
جريدة الراي -

وسط أجواء استثنائية أعادت الجمهور إلى قلب الكويت القديمة وتفاصيل الفرجان الشعبية، جاءت مسرحية «الدكان» من فوق خشبة مسرح نادي السالمية لتقدم تجربة مسرحية متكاملة لا تبدأ مع رفع الستار، بل منذ اللحظة الأولى لدخول الجمهور إلى المسرح، حيث تحوّل اللوبي إلى مساحة نابضة بالحياة التراثية، ضمت أركاناً متنوعة، في تجربة تفاعلية رصدتها «الراي» صنعت حالة وجدانية مبكرة وضعت الحضور داخل روح العمل قبل انطلاق الأحداث.

ومع دخول الجمهور إلى الصالة، بدا واضحاً أن الرؤية الإخراجية للفنان محمد راشد الحملي، صاحب الفكرة، لم تعتمد فقط على تقديم عرض مسرحي تقليدي، بل أيضاً صناعة عالم كامل يعيش فيه المشاهد تفاصيل الفريج الكويتي القديم بكل عناصره البصرية والسمعية والإنسانية، فجاء الديكور قريباً من الجمهور بشكل جعله جزءاً من العرض بصورة غير مباشرة، في معالجة مسرحية ذكية عززت الإحساس بالحياة داخل الحي الشعبي، أما بقية العناصر المسرحية، فنجحت في إيصال روح الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.

الحنين والرمزية

منذ 36 دقيقة

منذ 36 دقيقة

استهلت المسرحية التي قدمتها بإبداعها الكاتبة هيا أحمد، بصورة بصرية لافتة، تمثلت بظهور سفينة «البوم» وسط البحر تحمل البحارة القدامى على وقع «النهمة» البحرية، في افتتاحية حملت الكثير من الحنين والرمزية، واستحضرت تاريخ الكويت البحري بأسلوب بصري وموسيقي مميز، مهّد لدخول الجمهور إلى عالم «الدكان» الذي دارت أحداثه أواخر خمسينيات القرن الماضي، خلال فترة التحول العمراني في الكويت، لتقدم للجمهور عملاً مسرحياً متكاملاً جمع بين الكوميديا والدراما والتراث، نجح في إعادة إحياء روح الكويت القديمة بصورة معاصرة، عندما جعلت من الفريج شخصية حقيقية نابضة بالحياة داخل العرض.

المكان والذاكرة

وتناول العرض الصراع بين التمسك بالمكان والذاكرة، وبين إغراء التطور والتغيير، حيث دارت الأحداث داخل فريج قديم مهدد بالإزالة يضم عدداً من المحلات، منها «الدكان» الذي يمثل محور الحكاية والرمز الأهم فيها، حيث يرفض مالكه «بوحمد» التخلي عنه لأنه يمثل له عمره وذكرياته، بينما يوافق بقية أهل الفريج ومنهم شقيقه «سهيل» على البيع والانتقال طمعاً بحياة أفضل. ومع دخول مندوبة الشركة الهندية «شاندرا» المسؤولة عن الهدم، تبدأ الضغوط والخلافات والانقسامات بين الأخوين وبين أهل الفريج، إلى أن تتحول القضية من مجرد «دكان» إلى معركة حول الهوية والانتماء وما الذي يستحق أن نحافظ عليه فعلاً.

3 شخصيات

على صعيد الأداء التمثيلي، قدم الفنان عبدالله الخضر، واحداً من أبرز عروضه المسرحية من خلال تجسيده أكثر من شخصية داخل العمل، حيث تألق في دوري «سهيل» و«بوحمد»، مقدماً أداء احترافياً نجح من خلاله في الفصل الكامل بين الشخصيتين، سواء على مستوى الأداء أو الانفعال أو الحضور المسرحي.

ولم يتوقف تميزه عند هذا الحد، بل عاد في الفصل الثاني ليقدم شخصية ثالثة هي «لميعة» شقيقة «سهيل» و«بوحمد»، في واحد من أكثر المشاهد الكوميدية التي لاقت تفاعلاً جماهيرياً كبيراً، حيث تنقل بسلاسة واحترافية بين الشخصيات الثلاث من دون أن يفقد أي منها خصوصيتها.

في حين قدمت الفنانة حصة النبهان، شخصية «شاندرا» باتقان لافت، سواء من ناحية اللهجة أو الأداء، كما خطفت الأنظار في الفصل الثاني خلال تقديمها فن «السامري» ورقصها على إيقاعات أغنية «طرى ما جرى لي» بصوت الفنان سلطان المفتاح، في مشهد أعاد إحياء أحد أبرز الفنون التراثية الخليجية بصورة جميلة لاقت تفاعلاً واسعاً من الجمهور.

كما قدّم الفنان ناصر البلوشي، الشخصية النسائية «نجلاء»، صاحبة محل الباجلة، بأسلوب كوميدي عفوي استطاع من خلاله خلق حالة من المرح وخفة الظل داخل الأحداث، خصوصاً في مشاهده المشتركة مع «شاندرا»، حيث شكّل الثنائي حضوراً محبباً أضاف جرعة كوميدية جميلة للمسرحية.

وفيما تألق الفنان حسين المهنا، بشخصية «بوشكري» صاحب المقهى، قدم الفنان عبدالمحسن العمر، شخصية «أبوتر» حارس الفريج وناطوره، الذي يسعى للضغط على «بوحمد» لإجباره على بيع الدكان، فنجح في تقديمها بمزيج من الجدية والكوميديا التي انسجمت مع أجواء العمل.

أما الفنانان مشعل الفرحان وعبدالعزيز السعدون، فقدما شخصيتي «عنبر» و«بلال»، الأخوين من العراق اللذين يعملان في محل الآلات الموسيقية داخل الفريج، فنجحا في تقديم حضور كوميدي خفيف ومحبب، خصوصاً مع محاولاتهما المستمرة لإقناع أهالي الفريج ببيع دكاكينهم والاستفادة من مشروع الهدم، إلى جانب الاتفاق مع «موضي» ابنة «سهيل»، التي قدمتها شهد خسروه، لإخراج عمها. أما شخصية «بوعلي» الرجل الأعمى، الذي أداها الفنان علي العلي، فكانت ملح العمل بقفشاتها، خصوصاً مع المفاجأة في نهاية العرض.

وظهر الحملي، أيضاً كممثل عبر شخصية «بوفواز» تاجر الأقمشة، الذي يحاول استعطاف أهل الفريج بادعاء غرق مركبه وهو يردد جملته الشهيرة «محملي طبع»، في محاولة لجمع التبرعات منهم، قبل أن تنكشف أكاذيبه أمام الجميع، في شخصية حملت طابعاً كوميدياً ساخراً، خصوصاً مع سعيه المستمر للاستحواذ على دكان بوحمد بسبب موقعه الإستراتيجي.

الفن والتراث

في خضم الأحداث، لم تخل المسرحية من حضور الفن والتراث الكويتي، حيث حضرت الأغاني الشعبية والرقصات التراثية بصورة طبيعية وغير مقحمة، مستفيدة من وجود محل الآلات الموسيقية داخل الفريج، لتقديم لوحات غنائية جميلة، من بينها أغنية «سلمولي»، إلى جانب تقديم فن «الطنبورة» خلال الاستراحة بين الفصلين، حيث تحوّل اللوبي إلى مساحة احتفالية شعبية بحضور جميع فريق العمل، وبصوت جميل للفنان سلطان المفتاح، في مشهد تفاعلي عزز من فكرة أن «الدكان» ليست مجرد عرض مسرحي، بل تجربة فنية متكاملة يعيشها الجمهور منذ دخوله وحتى نهاية العرض.



إقرأ المزيد