جريدة الرياض - 6/26/2026 3:37:18 AM - GMT (+3 )
أكد متخصصون في الشأن الاقتصادي أهمية تفعيل العمل الاستثماري في مختلف الأندية الرياضية السعودية وفق أسس حديثة تضمن لها الإيرادات المستدامة، والعمل المنظم لتحقيق نتائج اقتصادية ومجتمعية تعود على تحقيق أثر ملموس لأهداف وتوجهات هذه الأندية وفق لمستهدفات رؤية 2030، منوهين على أهمية النشاط والفعاليات الرياضية المتعددة في نمو الناتج المحلي ورفع حضور المشاريع الريادية الصغيرة والمتوسطة المرتبطة، فضلاً عن أهمية الرياضة كقطاع يرتبط بالسياحة ويسهم نموها وتصاعد إيرادتها، ويبرهن على ذلك الحضور التسويقي والسياحي لأكثر من 16 مدينة في أمريكا وكندا والمكسيك، تشهد استضافة مباريات 48 منتخباً من كل قارات العالم، ويساند هذه المنتخبات جماهير بملايين الملايين بالحضور المباشر والمتابعة عبر القنوات ووسائل التواصل المختلفة.
خارطة طريق مستلهمة
وفي هذا الشأن، أوضحت في البداية، المتخصصة في الحوكمة والتحكيم التجاري الدولي، ليان قدسي، أن حماية رأس المال في القطاع الرياضي تحتاج إلى خارطة طريق مستلهمة من التجارب الدولية، وأول ركائز هذه الخارطة هو الفحص النافي للجهالة المشدد، فهو إجراء مالي وقانوني مسبق لمعاينة الالتزامات السابقة، وهو المعيار الحاكم في الدوري الإنجليزي الممتاز EPL لضمان عدم اصطدام المستثمر بديون موروثة، وتضيف قدسي أن الركيزة الثانية تتمثل في الفصل التنظيمي الصارم، أي عزل إدارة شركة كرة القدم تماماً عن التدخلات الشرفية، وتفعيل مجالس إدارة مستقلة بمصفوفة صلاحيات واضحة، وتمضي قدسي لتؤكد، أن الركيزة الثالثة تكمن في رقابة هيئة السوق المالية على الشركات المندرجة، من خلال إخضاع الشركات الرياضية لالتزامات الشفافية الصارمة المعمول بها في الشركات المساهمة، وربط تقارير لجان التدقيق بالهيئة مباشرة؛ أسوة بالمعايير الحاكمة للأندية العالمية المدرجة في الأسواق المالية كالشركات الرياضية المطروحة في بورصتي لندن ونيويورك، مما يغلق الباب أمام التجاوزات ويوفر بيئة جاذبة للأموال الأجنبية، وتختم حديثها بالركيزة الرابعة، وهي الامتثال لضوابط الاستدامة والكفاءة المالية، من خلال إلزام الأندية بوضع حد أقصى لنفقات الأجور لا يتجاوز 70 % من الإيرادات الفعّلية، وهو ذات الحل التنظيمي الذي تبناه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA كبديل متطور للعب المالي النظيف، بالتوازي مع صياغة عقود أداء مرنة للأصول البشرية، وتوطين النزاعات عبر آليات التحكيم المحلية لتقليص الكلفة القضائية الدولية، وتخلص قدسي إلى أن المملكة تقدم اليوم بيئة تشريعية صلبة تحمي الملكية الفكرية وتدفق رؤوس الأموال، شريطة أن تُقاد دفة الأندية بعقلية الشركات المدرجة..لا بعاطفة المدرجات.
وفي الوقت الذي تشهد الأندية الرياضية التي كانت تُعد مؤسسات تنافسية تهدف إلى تحقيق البطولات، تحولاً جذرياً في الاقتصاد الحديث لتصبح أصولاً اقتصادية وتنموية قادرة على إعادة تشكيل النشاط الاقتصادي للمدن، ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الاستثمار في الأندية السعودية يجب أن يُقاس بقدرتها على توليد قيمة اقتصادية مضافة للمنطقة المحيطة بها، إلى جانب عوائدها التشغيلية المباشرة، فعندما يتحول النادي إلى علامة مكانية Place Brand مرتبطة بالمدينة، فإنه يصبح مركز جذب للاستثمارات والفعاليات والسياحة الرياضية والإنفاق الاستهلاكي. وينتج عن ذلك ما يُعرف في الاقتصاد الإقليمي بـ"الأثر المضاعف"؛ حيث يمتد الإنفاق من تذاكر المباريات إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والترفيه والخدمات المساندة. كما أن وجود نادٍ قوي اقتصادياً يرفع جاذبية المدينة للاستثمار والسكن والعمل، ويعز قدرتها على استقطاب المواهب والكفاءات. وعليه، فإن مستقبل الأندية المطروحة للاستثمار يجب أن يرتبط برؤية تنموية أوسع تجعلها جزءاً من الاقتصاد المحلي، ومحفزاً للنمو الحضري، ومساهماً في تنويع القاعدة الاقتصادية للمدن، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية الاقتصاد الرياضي ورفع مساهمته في الناتج المحلي.
تسعير الأصول التجارية
وفي قراءته للتأثيرات المتوقعة من قبل المستثمرين المحليين والدوليين على القيمة السوقية لحقوق رعاية الدوري السعودي بجميع درجاته، يرى خبير التنمية المستدامة ورئيس مركز متخصص للبحوث والدراسات المهندس الدكتور سطام آل سعد أن دخول المستثمرين المحليين والدوليين سيؤدي إلى إعادة تسعير الأصول التجارية المرتبطة بالكرة السعودية، وفي مقدمتها حقوق الرعاية والإعلان والبث التجاري. ويوضح آل سعد أن القيمة السوقية لحقوق الرعاية تُبنى على توقعات النمو المستقبلية، ومستوى الانتشار الإعلامي، وقوة العلامة التجارية للمسابقة، وحجم الجمهور ومدى تفاعله وولائه، ومع تزايد الحضور الدولي للدوري السعودي، وارتفاع جودة المنافسة، وتحسن البنية التنظيمية والتشريعية، ستنتقل حقوق الرعاية تدريجياً من مرحلة التسعير المحلي إلى مرحلة التسعير الإقليمي والدولي، كما أن المستثمرين العالميين ينظرون إلى الرياضة باعتبارها أصلاً إعلامياً واستثمارياً طويل الأجل، الأمر الذي يرفع من تقييمات عقود الرعاية والشراكات التجارية. ومن الناحية الاقتصادية، تؤدي زيادة عدد المستثمرين إلى رفع الطلب على الحقوق التجارية، بما يدفع قيمتها السوقية إلى الصعود وفقاً لقواعد السوق، ويشير آل سعد إلى أن هذا الأثر قد يتجاوز دوري روشن ليشمل دوري الدرجة الأولى والثانية والمسابقات السنية، متى ما تم تطوير هويتها التجارية، وتعزيز جاذبيتها الجماهيرية، ورفع قدرتها على استقطاب الرعاة والمستثمرين.
وعن القنوات الاستثمارية البديلة غير التقليدية التي يجب على المستثمر تفعيلها لتحقيق العوائد المرجوة، يؤكد آل سعد أن التحدي الحقي أمام المستثمر الرياضي اليوم يتمثل في اكتشاف مصادر دخل جديدة، قائمة على الاقتصاد المعرفي، والاقتصاد التجريبي، والأصول غير الملموسة، فالتجارب العالمية تثبت أن الأندية الأعلى قيمة هي الأكثر قدرة على تنويع تدفقاتها المالية، وليست بالضرورة الأكثر فوزاً. ومن أبرز القنوات الواعدة بحسب رؤية آل سعد الاستثمار في السياحة الرياضية، وتطوير المناطق المحيطة بالملاعب، وتحويل الأندية إلى وجهات ترفيهية تعمل على مدار العام، كما يفتح الاقتصاد الرقمي فرصاً واسعة عبر المنصات الإعلامية الخاصة، وتحليل البيانات الرياضية، والخدمات الرقمية الموجهة للجماهير، وبرامج العضوية والولاء، والتجارة الإلكترونية، وكذلك تعتبر الأكاديميات الرياضية أحد أهم الأصول الاستراتيجية طويلة المدى؛ لأنها تجمع بين صناعة المواهب وتحقيق العوائد المالية. وفي المستقبل القريب، يتوقع الدكتور آل سعد نمو أهمية الرياضات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي الرياضي، وتقنيات تجربة المشجع، باعتبارها مجالات استثمارية ذات معدلات نمو مرتفعة عالمياً. ويختم آل سعد حديثه بتأكيده أن المستثمر الأكثر نجاحاً خلال العقد القادم سيكون من يتعامل مع النادي بوصفه منصة اقتصادية متعددة القطاعات، تجمع بين الرياضة والإعلام والتقنية والسياحة والعقار والترفيه، وليس مجرد فريق يشارك في بطولة موسمية. فالقيمة الحقيقية للأندية في القرن الحادي والعشرين أصبحت تُبنى خارج الملعب بقدر ما تُبنى داخله.
محيط الملعب.. حي ذكي
في الاتجاه ذاته قال الدكتور علي محمد الحازمي، خبير الاقتصاد الدولي والتخطيط الاستراتيجي وتنمية القدرات البشرية: لو نظرنا للأندية المطروحة للاستثمار بعين الاقتصاد الدولي، سنكتشف أنها ليست أندية بمعناها التقليدي. هي في جوهرها "بنية تحتية ناعمة"، أشبه بالموانئ والمطارات، لكنها تصدر المشاعر والهوية بدل البضائع. وهنا يبدأ التحول من ملعب إلى محرك.
السؤال المالي المستدام ليس "كم سيربح النادي من المباراة؟" حيث ينقلنا السؤال "كيف يجعل النادي الريال الواحد يدور سبع مرات في المدينة؟". يشرح الحازمي، حيث إن الأندية الناجحة عالمياً لا تبيع 90 دقيقة، فهي تبيع "زمن مكوث". حيث عندما يتحول محيط الملعب إلى حي ذكي يضم سكن طلاب الأكاديمية، وعيادات تأهيل، ومساحات عمل للشركات الناشئة الرياضية، ومسرح فعاليات، فأنت لم تعد تبني مدرجات، أنت تبني "دورة رأسمالية مغلقة" يكمن أن نسميها نموذج الدائرة الخضراء. التذكرة تشتري قهوة، القهوة تدفع إيجار، الإيجار يموّل منحة لشاب في الأكاديمية، والشاب يصبح لاعباً يُصدّر للخارج بعائد دولاري، هنا النادي لم يعد مستهلكاً للميزانية، أصبح بنكاً تنموياً محلياً يتوافق مع مفهوم الاستدامة المالية.
ومن منظور التخطيط الاستراتيجي، أكبر خطأ هو تسعير حقوق الرعاية على أساس "كم مشاهد؟". يرى الحازمي أن المستثمر الدولي اليوم يشتري شيئاً أغلى يكمن في "بيانات الولاء العاطفي". الجمهور السعودي ليس جمهوراً عابراً كما يعتقد البعض، هو جمهور وراثي ينتقل من الأب للابن. هذه الأصالة تمنح الراعي "عقد ثقة طويل الأجل" غير موجود في أسواق متقلبة. لذلك سيقفز سعر حقوق الرعاية في كل درجات الدوري ليس لأن الجودة الفنية أصبحت أعلى فقط، ولكن لأن المستثمر فهم أن نادي الدرجة الثانية في مدينة صناعية يملك "رأس مال اجتماعي" أعلى من نادي أوروبي في مدينة متشبعة، وهنا يتحدث الحازمي بوضوح: القيمة المستقبلية للرعاية تساوي عدد القلوب، بالاضافة إلى عمق الولاء، مضروبة في قابلية التحويل الرقمي، وهذه المعادلة التي يجب عدم إغفالها عندنا نتناول خصصة الأندية.
ولفت إلى أن أخطر وأهم استثماري هو انتظار العائد من الفوز. هنا، يؤكد الحازمي أن الاستدامة المالية تبدأ عندما نستثمر في "الأصول غير القابلة للهبوط". ما هي؟ أولها يكمن في الأكاديمية كصندوق سيادي بشري. تخريج ثلاثة لاعبين للاحتراف الخارجي سنوياً يعادل تصدير بترول بشري بعائد أعلى واستدامة أطول. تأتي براءة الاختراع الرياضية. أي نادٍ يطور طريقة تدريب، أو تقنية تأهيل، أو نموذج تحليل أداء بالذكاء الاصطناعي، يمكنه ترخيصها عالمياً. هنا يتحول النادي من مستهلك تقنية إلى مصدّر معرفة. ويأتي الأهم وهو "سندات الجمهور"، حيث يطرح ويقترح الحازمي فكرة تمويل تطوير الملعب بسندات يشتريها المشجع نفسه بعائد مرتبط بعدد الحضور، وبذلك الجمهور يصبح شريك مالي لا مستهلك فقط، وهذا أقوى ضمان للاستدامة.
إقرأ المزيد


