جريدة الرياض - 6/11/2026 1:42:31 AM - GMT (+3 )
في الوقت الذي وقّعت فيه المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية مذكرتَي تفاهم للتعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في إطار توجهٍ يستهدف تطوير مسارات نقل برية أكثر كفاءة تدعم حركة التجارة الإقليمية والدولية، وتنسجم مع مستهدفات بناء ممر يربط منطقة الخليج العربي بالقارة الأوروبية.
أعتبر خبير تحليل البيانات ورئيس مجلس إدارة الجمعية المهنية للإحصائيين الدكتور فيصل الشرعبي التوقيع خطوة استراتيجية لإنشاء محور لوجستي جديد يربط الخليج العربي بأوروبا عبر المملكة وتركيا، وقال:" تكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية مع تنامي مشاريع الممرات الاقتصادية الإقليمية التي تربط آسيا وأوروبا مروراً بالمملكة اقتصاديا، في وقت تجاوز فيه حجم التبادل التجاري بين السعودية وتركيا 8.6 مليار دولار مع استهداف الوصول إلى 10 مليارات دولار على المدى القريب و30 مليار دولار على المدى الطويل، مما يعكس وجود قاعدة تجارية مؤهلة للاستفادة المباشرة من أي تطوير في البنية اللوجستية المشتركة"، وأضاف الشرعبي أن التجارب الدولية تشير إلى أن التحسن في كفاءة النقل ينعكس على زيادة التدفقات الاستثمارية، وبالنظر إلى أن الصادرات التركية إلى المملكة بلغت نحو 3.8 مليار دولار في 2025، فإن تحسين الربط البري والسككي سيسهم في خفض تكاليف التجارة ورفع تنافسية السلع المتبادلة، كما أن نمو التجارة غير النفطية السعودية وإعادة التصدير بنسب وصلت إلى 17.8 % و46.2 % على التوالي خلال 2025 يعكس وجود طلب متزايد على الخدمات اللوجستية والممرات التجارية الجديدة. ومن المتوقع أن يتحول جزء من التجارة العابرة بين آسيا وأوروبا إلى هذا المسار، ما يعز مكانة البلدين كمحورين رئيسيين للتجارة الإقليمية.
ممرات لوجستية جديدة
وأوضح الشرعبي أن الممرات البرية والسككية الحديثة، تحقق عادة وفورات كبيرة في الزمن مقارنة بالنقل البحري التقليدي، خاصة للبضائع عالية القيمة أو الحساسة للوقت، وتشير التطورات الأخيرة في المنطقة إلى توجه شركات الشحن العالمية نحو إنشاء ممرات لوجستية جديدة تمر عبر المملكة لتجاوز الاختناقات والمخاطر في بعض الممرات البحرية، وهو ما يعكس المزايا التنافسية المتزايدة للمسارات البرية السعودية. كما أن تقليص زمن النقل ينعكس على خفض تكاليف التخزين وإدارة المخزون وتحسين سرعة دوران رأس المال، وهي عوامل أصبحت أكثر أهمية للشركات العالمية بعد اضطرابات سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة، مبيناً أن الفرص الاستثمارية المتوقعة تشمل الموانئ الجافة ومراكز المناولة الداخلية، والمستودعات الذكية ومراكز التوزيع الإقليمية، وخدمات النقل متعدد الوسائط، وتقنيات التتبع والرقمنة وإدارة سلاسل الإمداد، والمناطق اللوجستية والصناعية المرتبطة بالممرات التجارية، مشيراً إلى أن التقديرات تشير إلى أن حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في المملكة بلغ نحو 31.8 مليار دولار في 2024، مع توقع نموه إلى أكثر من 54 مليار دولار بحلول 2034. كما شهد قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة نمواً ملحوظاً، حيث ارتفع عدد السجلات التجارية النشطة في القطاع بنسبة 76 % خلال عام واحد، ما يعكس حجم الفرص الاستثمارية المتاحة، معتبراً الاتفاقيتين دافع لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، بما يرفع مساهمة القطاع اللوجستي إلى نحو 10 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، مع استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة وتعزيز مكانتها في مؤشرات الأداء اللوجستي العالمية، كما أن نجاح المملكة في جذب 675 مقراً إقليمياً للشركات العالمية، إضافة إلى التوسع الكبير في البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والمطارات، يعز قدرتها على أن تصبح منصة رئيسية لحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، وخلص الدكتور فيصل الشرعبي إلى أنه إذا تم تفعيل هذه الاتفاقيات عبر مشاريع تنفيذية وممرات نقل متكاملة، فإننا لا نتحدث فقط عن زيادة التجارة بين السعودية وتركيا، بل عن إعادة رسم جزء مهم من خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا، مع مكاسب اقتصادية واستثمارية ولوجستية كبيرة للطرفين، وترسيخ مكانة المملكة كأحد أهم المراكز اللوجستية الناشئة عالمياً. المتخصص في الاقتصاد الدولي والتخطيط الاستراتيجي وتنمية القدرات البشرية الدكتور علي محمد الحازمي اعتبر الخطوة الجديدة توقيعاً على معادلة اقتصادية جديدة في قلب الاقتصاد الدولي، حيث تتجاوز أبعادها الإطار الفني إلى أثر اقتصادي مباشر، وقال:" إن إدخال مسار سكك حديدية برية سريعة يعيد صياغة مفهوم الربط التجاري ويخلق قناة موازية تمنح الشركات والمصدرين خياراً أكثر مرونة وسرعة، ومن منظور اقتصادي بحت، أي تنويع في مسارات النقل يعني خفضاً مباشراً في مخاطر الانقطاع وارتفاعاً في كفاءة سلاسل القيمة العالمية، حيث تبحث المصانع والشركات متعددة الجنسيات دائماً عن عقد لوجستية تقلل زمن التوريد وتزيد يقين التسليم، وأضاف الحازمي: أن كلفة النقل والزمن اللوجستي الحجر الأساسي لنمو التجارة البينية لتصبح السلع متوسطة القيمة أكثر تنافسية في الأسواق المقابلة، فضلاً عن النقل بالسكك الحديدية البرية يتميز باستقرار نسبي في التسعير مقارنة بتذبذب أسعار الشحن البحري الفوري، حيث يمنح الشركات القدرة على توقيع عقود توريد طويلة الأجل بثقة أكبر، مع بروز فرص استثمارية محفزة وتابع:" إن ربط السك الحديدية البرية مع تركيا هو الترجمة العملية لمفهوم المركز اللوجستي العالمي، وبربط موانئ المملكة بميناء مرسين وإسطنبول، فإن البضاعة القادمة من آسيا ستصل إلى أوروبا عبر أراضي المملكة، أسرع مما تصل عبر قنوات بحرية أخرى، حيث يتحول هذا المسار إلى مصدر دخل من رسوم العبور والخدمات والوقود ضمن الناتج المحلي غير النفطي، مما يحوله لمشروع نمو اقتصادي مستدام، يخفض الكلفة ويختصر الزمن ويصنع القيمة ويخلق الوظيفة.
المتخصص في الاقتصاد الدولي الدكتور حجازي ادريس قال:" الاتفاقية تعكس التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة في المنطقة، بمسار حديدي دولي يستهدف نقل البضائع والركاب، ويُطرح كشريان اقتصادي بري متكامل، يحمل أبعاداً هيكلية تتجاوز مجرد تسهيل حركة التجارة، إلى طريق أكثر مرونة وسرعة مقارنة بالممرات التقليدية، ويخلق بيئة تنافسية في جذب الاستثمارات الدولية لإدارة الممرات الاستراتيجية، كما يعيد صياغة موازين القوى الاقتصادية في الشرق الأوسط، ويُسهم هذا التعاون في ترسيخ مفهوم "الاعتماد المتبادل" بين القوى الإقليمية الكبرى(المملكة وتركيا) يتحول الثنائي من مجرد شريكين تجاريين إلى "مهندسي لوجستيات" في المنطقة، كما ان المشروع يقلل الاختناقات البحرية في الممرات البحرية التقليدية من اضطرابات مستمرة ويوفر مساراً آمناً يتجاوز مضيق باب المندب والبحر الأحمر لنقل البضائع من الخليج والاتحاد الأوروبي دون الحاجة للمرور الكامل بالمضائق البحرية التي تواجه تهديدات أمنية متكررة، وخلص حجازي إلى إن المشروع يجعل من الشرق الأوسط لاعباً قيادياً في حركة التجارة العالمية وليس مجرد نقطة عبور.
إقرأ المزيد


