صدمة الطاقة تستنفر البنوك المركزية - د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
الجزيرة -

تداعيات التوترات الجيوسياسية تعيد رسم توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة والنمو العالمي، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز وتقلبات الأسواق المالية، ما يجعل صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا أكثر حذرا في التعامل مع الضغوط التضخمية الذي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار.

في الولايات المتحدة حذر بنك الاحتياطي الفيدرالي جيفري شميد من التعامل مع صدمة أسعار النفط الحالية باعتبارها مؤقتة، لأن مستويات التضخم المرتفعة فوق المستهدف لفترة طويلة، تجعل من الصعب افتراض أن تأثيرها على الأسعار سيكون عابرا أو محدودا، خلال كلمة ألقاها شميد في ايسلندا، مشددا على أن الوقت الحالي ليس مناسبا للتراخي في مواجهة الضغوط السعرية، رغم أن الاحتياطي لديه متسع من الوقت لدراسة الخطوات المقبلة، ويبحث عن أدوات إضافية لجعل السياسة النقدية أكثر تقييدا إذا استمرت صدمة أسعار الطاقة، يقصد بذلك أنه يستخدم الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي كأداة لتشديد الأوضاع المالية إلى جانب أسعار الفائدة.

تبدو المخاوف في أوروبا أكثر وضوحا خصوصا مع اقتراب اجتماع البنك المركزي الأوروبي في يونيو 2026 وسط توقعات واسعة برفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية، لضمان عدم تحول صدمة الطاقة إلى تضخم مستدام، بسبب أن الضغوط التضخمية مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعا، حتى في حال التوصل إلى تهدئة جيوسياسية سريعة، مع ذلك لا تزال التوقعات طويلة الأجل ضمن نطاق 2 في المائة، ما يمنح البنك المركزي مساحة للموازنة بين الاستقرار السعري ودعم النمو، فيما رحب رئيس البنك المركزي البريطاني أندرو بيلي بتراجع رهانات الأسواق على التشدد النقدي، وإن كان ذلك سيعتمد على التطورات في الشرق الأوسط.

كما يأمل ترمب من رئيس الاحتياطي الجديد كيفين وارش خفض أسعار الفائدة، فيما يخشى ترمب أن يذوب وارش في التيار العام للاحتياطي الفيدرالي الذي لطالما انتقده ترمب، اختار وارش مخرجا لإخفاء آرائه بشأن أسعار الفائدة، على الأقل خلال الأشهر الأولى من توليه منصب صانعي السياسات في البنك المركزي الذي اختاره أنه يتوقع انخفاض تكاليف الاقتراض، خصوصا في اجتماع مجلس الاحتياطي المقبل في 16 - 17 يونيو 2026.

يرى وارش أنه لا يتفق مع التوجهات المسبقة التي دأب عليها الاحتياطي الفيدرالي منذ عام 2007 على توسيع نطاق البيانات التي ينشرها بشأن التوقعات الفصلية للمسؤولين يرى بأنها تقيد صانعي السياسات، فعندما ظلت أسعار الفائدة قريبة من صفر في 2012، فالتوجهات التي كانت تعتمد على التوقعات الاقتصادية يساء فهمها بسهولة على أنها وعد سياسي بدلا من أنها مجموعة من 19 توقعا غير منسق مبنية على افتراضات مختلفة، بل متضاربة، فهو يسعى على الأرجح إلى إجراء تغييرات على ملخص التوقعات الاقتصادية، أو يلجأ وارش إلى تأجيل على الأقل ملخص التوقعات الاقتصادية كليا بهدف إجراء تعديلات عليها لوضع حد للأمر الواقع.

ما يواجه وارش تقليص بصمة البنك المركزي في الأسواق المالية، قد تواجه قيودا بسبب ارتفاع الدين الفيدرالي الأميركي، واحتمال تراجع جاذبية سندات الخزانة الأميركية، حيث يرى وارش أن تقليص دور البنك المركزي، وخفض التدخل في الأسواق، في إطار العودة إلى نمط أكثر تقليدية للسياسة النقدية، حتى يسمح للبنك المركزي بالتركيز بشكل أفضل على مكافحة التضخم وتجنب تشويه الأسواق.

لكن رغم جاذبيته النظرية يكشف عن فجوات في سوق سندات الخزانة الأميركية، ما يؤدي إما إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل على حساب الشركات والمستهلكين والحكومة نفسها، أي زيادة الضغوط على الفيدرالي للتدخل والمساعدة في إبقاء تكاليف القروض منخفضة بحسب هانو لوستيغ.

يحتفظ الفيدرالي بأصول تبلغ 6.7 تريليونات دولار انخفاضا من ذروة قاربت 9 تريليونات دولار في 2022، ولا يزال هناك غياب لاتفاق واسع بشأن تأثيرات مشتريات الفيدرالي من السندات المعروفة بالتيسير الكمي على الاقتصاد، عادة ما يقتصر قرار السياسة النقدية على رفع أو خفض سعر فائدة قصير الأجل يؤثر على تكاليف اقتراض المستهلكين والشركات.

فارتفاع الفائدة يقلص الانفاق عندما يرتفع التضخم، بينما يشجع خفضها الإنفاق في أوقات الضعف الاقتصادي، وعندما تصبح صفرا يلجأ البنك إلى خلق الأموال عبر استبدال الأصول بالسيولة النقدية للمساعدة في خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل لتحفيز الانفاق ودعم النمو، البعض يرى لقد حان الوقت حول كيفية استخدام الميزانية العمومية وفي أي ظروف، يبلغ عجزها 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مع متوسط 3.8 في المائة خلال خمسين عاما.

** **

- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا



إقرأ المزيد