"تنويع الموارد" تردف المتطلبات الحياتية والاقتصادية وقت الأزمات
جريدة الرياض -

تعد إستراتيجية تنويع الموارد الاقتصادية، من أبرز المحاور الأساسية التي تقف في وجه مجابهة التحديات والأزمات الناتجة عن الأحداث الطارئة، ومن أبرزها الأزمة الحالية الدائرة في غالبية دول المنطقة، الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي سيظهر تأثيرها على دول الخليج بشكل جلي، إذا ما تواصل العدوان الإيراني العشوائي على العواصم والمدن الخليجية، بدون وجود مسببات منطقية لتحويل بوصلة الحرب، وشمولها لدول كانت تعمل بشكل واضح على درئها ووقفها بمختلف السبل.

وتسهم السياسة الاقتصادية لتنويع الموارد في تحقيق الاعتماد على الموارد الداخلية، بشكل أكبر في ظل معوقات سلال الإمدادات الدولية والإقليمية، ونتيجة للظروف والمخاطر التي تولدها الحروب، والمتغيرات المفاجئة لمختلف القطاعات الاقتصادية.

ولعل اهتمام المملكة، وفق رؤية 2030 بالقطاع الصناعي الداخلي وتطويره بشكل متسارع وتقديم محفزات متعددة له في السنوات الخمس الأخير، مما قفز بأرقام توطين الصناعات التحويلية والصناعات التقليدية المرتبطة بالغذاء والدواء في فترة وجيزة، وقد أسهم هذا الاهتمام والرعاية للمصانع المحلية ومنتجات الداخل على تصاعد حضورها في سلة الناتج المحلي والاقتصاد الوطني بشكل ملحوظ، وواضح، ومما حقق في الوقت نفسه حضوراً لتجاوز العديد من الأزمات الطارئة، ولعل من أهمها، أزمة كورونا العالمية، التي جعلت في حينها الاهتمام بموارد الداخل المحلية، وخاصة قطاع الصناعة كبوابة رئيسية وأساسية للتركيز على المواد الأولية والأساسية للغذاء وتوفيرها من خلال الصناعة المحلية، وتساعد كوكبة الموارد الطبيعية المتعددة في تحفيز مختلف الصناعات الحيوية والمهمة وتعضيد السوق المحلي بمختلف الاحتياجات اليومية والضرورية، وكذلك توفير النصيب الأوفر من متطلبات تعد في درجة أقرب للكماليات منها للضروريات الحياتية.

أوقات الأزمات

وتعمل العديد من الدول التي تمتك موارد وإمكانات متنوعة على زيادة إنتاجها في أوقات الأزمات ورفد الأسواق بها عند تأثر سلال الإمداد وحدوث ظروف طارئة تغير من وتيرة انتظام عمليات الاستيراد والتصدير.

وفي هذا الشأن تشهد المملكة تحولًا تاريخيًّا غير مسبوق، إذ تُعيد رسم ملامح اقتصادها ببوصلة جديدة تقود اتجاهاتها رؤيتها السديدة السعودية، فبينما كان النفط يشكل لعقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد الوطني، نجدها اليوم تتجه بخطى ثابتة نحو تنويع مصادر دخلها، وخلق القيمة المضافة في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصناعي، ولتحقيق تلك المستهدفات تعمل المملكة على تأسيس قاعدة صناعية متينة تنافس عالميًّا، تقوم على توطين الصناعات الإستراتيجية المتقدمة، وتمكين التقنية والمعرفة والابتكار، بالاعتماد على بنية تحتية ذكية ومتطوّرة، وتنفذ هذا التحول الصناعي في المملكة منظومة صناعية متكاملة وشاملة تقودها وزارة الصناعة والثروة المعدنية، ويُبنى على مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للصناعة التي تعد المحرك الأساسي للنهضة الصناعية السعودية، والتي ظهرت ملامحها جلية في المدن الصناعية والتجمعات المتخصصة المتقدمة في مختلف مناطق المملكة، حيث تركز تلك المدن والتجمعات على قطاعات حيوية كصناعة الطيران، والسيارات، والصناعات الغذائية، والصناعات التعدينية، والبتروكيماويات، وبلغ عدد المدن الصناعية 40 مدينة، كما وصل عدد المصانع إلى 12 ألف مصنع بنهاية عام 2024، مع سعي المملكة إلى الوصول إلى 36 ألف مصنع بحلول عام 2035.

ولا تقتصر مستهدفات هذه المدن والتجمعات على التصنيع والإنتاج، بل تعد نواة لمراكز اقتصادية قائمة على الربط الذكي بين مواقع التصنيع والأسواق المحلية والعالمية عبر شبكة من الموانئ الحديثة، وخطوط السكك الحديدية، والطرق البرية المتطورة.

ومؤخراً بين، وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف أن عدد المنشآت الصناعية في السعودية ارتفع بنسبة زادت عن 65 % منذ إطلاق رؤية 2030، حيث كانت 7200 مصنع في عام 2016، لترتفع إلى أكثر من 12 ألف منشأة صناعية في عام 2025، باستثمارات تجاوزت 1.2 تريليون ريال، وهذا النمو أسهم في تسجيل الصادرات غير النفطية رقماً تاريخياً في عام 2024، حيث بلغت 515 مليار ريال بنسبة بلغت 13 % عن العام السابق، وما يزيد على 113 % منذ إطلاق الرؤية.

والجدير بالذكر أن تنويع المصادر الاقتصادية يُعد من أهم السياسات التي تتبعها الدولة، خصوصًا المعتمدة على مورد واحد مثل النفط، لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام. أبرز نتائجه يمكن تلخيصها في عدة محاور، ومنها تقليل الاعتماد على مصدر واحد، ويساعد التنويع على تقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق (مثل أسعار النفط)، أو حدوث أزمات الإغلاقات الاقتصادية، مما يجعل الاقتصاد أكثر استقرارًا وأقل عرضة للصدمات، وعندما تتوسع الدولة في قطاعات مثل الصناعة، السياحة، التقنية، والخدمات، فإن ذلك يخلق مصادر دخل جديدة ويزيد من الناتج المحلي الإجمالي.

سياحة المواطن

كما أن تفعيل وتنشيط السياحة المعتمدة على المواطنين والمقيمين في الداخل يحقق جزءاً من التوازن المطلوب للحركة السياحية التي تعد من أبرز القطاعات تأثراً بالأحداث الحربية وبحركة الطيران العالمية. كما أن تنويع الاقتصاد يؤدي إلى ظهور قطاعات جديدة، مما يساهم في توفير وظائف متنوعة وتقليل البطالة، خاصة بين الشباب، ومعروف عالمياً أن الاقتصاد المتنوع أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب، لأنه يوفر فرصًا متعددة ويقلل من المخاطر المرتبطة بقطاع واحد، ويسهم التنويع في رفع مستوى التعليم والتدريب، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، خصوصًا في مجالات مثل التقنية والطاقة المتجددة، ومن خلال زيادة الصادرات غير التقليدية وتقليل الاعتماد على الواردات، يتحسن وضع الميزان التجاري للدول. ومن الأهمية بمكان فإن تحقيق استدامة الاقتصاد على المدى الطويل والتنويع يهيئ الاقتصاد لمواجهة المستقبل، خاصة مع التحولات العالمية مثل التحول للطاقة النظيفة والتغيرات التكنولوجية.

الاستثمارات الكبيرة بصناعة دوائية فاعلة للدواء في المملكة تمثل 80 % من صناعة الدواء بالخليج


إقرأ المزيد