جريدة الرياض - 3/22/2026 2:48:04 AM - GMT (+3 )
سجلت أزمة الحرب الحالية التي شنتها أمريكا وإسرائيل على الجمهورية الإيرانية، دروساً سترسخ في الأذهان لمواطني الخليج وفي تاريخ الذاكرة الخليجية، فبعد العدوان الإيراني على المدن الخليجية التي أفرزتها هذه الحرب الواسعة النطاق، على مدار أكثر من ثلاثة أسابيع، اتضح فيها دوّر الشقيقة الكبرى لدول الخليج، ممثلة في المملكة العربية السعودية التي ترتبط بحدود برية وبحرية مع دول الخليج، وبجسر فوق البحر مع الشقيقة البحرين، هذا الدور تمثل في تمدد شريان حركة النقل وتسهيلها مع منافذ الأشقاء لرفع وتيرة الحركة التجارية، وضمان عدم تأثر أسواق الخليج من تذبذب الحركة الجوية وشبه انقطاع لحركة النقل البحري الذي يربط دول المنطقة بأسواق آسيا وأوروبا، جراء تأثر مضيق هرمز، وعدم ضمان أمان الأجواء لحركة الطيران في المنطقة مع استمرار الاستهدافات الجوية في سماء منطقة الشرق الأوسط والخليج بتصاعد واضح على منذ أكثر من عشرين يوماً، حيث سيرت شركات الطيران الخليجية والطيران العراقي، أكثر من 120 رحلة من المطارات السعودية في الدمام والقيصومة وعرعر خلال أسبوع واحد وفق ما أعلن من هيئة الطيران المدني.
وأسهم تنامي اقتصاد المملكة العربية السعودية وتنوع طبيعتها وتعدد مصادر اقتصادها الكبير، واهتمامها بالموارد الطبيعية وتحفيز الإنتاج المحلي في مجالات زراعية في السهول والجبال، في مواجهة مختلف الأزمات الماضية والاعتماد على الإنتاج المحلي، ومواصلة التصدير لدول الجوار، ودول الخليج على وجه الخصوص، كما أن الاهتمام بالشأن الصناعي، وتحقيق أهداف صناعية متنوعة ومتصاعدة منذ إقرار روية المملكة 2030 في عام 2016، كان له دور في مجابهة مختلف الظروف، حيث كانت أزمة كورونا في نهاية 2019 وفي 2020 تجربة برهنت على أهمية الموارد الداخلية في سد حاجة السوق المحلي بشكل كبير.
وفي الأزمة الراهنة التي سببها العدوان الإيراني على دول الخليج، كان الأمر أكثر مرونة للواقع الاقتصادي الداخلي في ظل تأثر سلاسل الإمداد الخارجية، حيث إن التجارب الماضية قدمت دروساً عديدة لتحقيق أكبر من الاكتفاء الذاتي سواء من خلال الخزن الاستراتيجي الكبير لسد الحاجة لفترات طويلة، أو التركيز على الخيار الأهم الممثل في استخدام الموارد الداخلية سواء غذائية أو الجوانب المرتبطة بالصناعة، وأيضاً مواصلة تغطية نسبة من احتياج الدول الخليجية خاصة في المواد الغذائية وتصديرها بشكل متواصل عبر المنافذ البرية على وجه الخصوص، ومن خلال الجسر الرابط بين السعودية والبحرين.
روح التعاون
وعبرت مثل هذه الأزمات عن أهمية تفعيل التعاون الاقتصادي الخليجي في مختلف الظروف، وضرورة رفع وتيرة التعاون الواسع لتسهيل الحركة التجارية والصناعية المشتركة، مما يحقق مجابهة مثل هذا الظرف الحالي الذي أثر بشكل كبير على وتيرة الاستيراد من المنافذ البحرية والجوية العالمية مع تصاعد ظروف الحرب، وتوقف شركات النقل العالمية عن مواصلة حركة التصدير والاستيراد المعتادة نظراَ لمخاطر الحرب، ورفع فاتورة التأمين على الناقلات في ظل ظروف غياب الأمان المطلوب لهذه الناقلات في الظروف الحالية لمنطقة الشرق الأوسط.
ووفق ما شهدته دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال الفترة الأخيرة من نمو ملحوظ في حجم التبادل التجاري البيني، في ظل تسارع جهود التكامل الاقتصادي وتعزيز السوق الخليجية، فإن تفعليها في الظروف الراهنة يبرهن على أهمية التوسع لتحقيق الأمن الغذائي، والعمل على تسهيل الحياة اليومية للمواطن الخليجي وجميع المقيمين في مدنها، خاصة في مثل الظروف الحالية.
الجدير بالذكر أنه ووفق أحدث البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بلغ حجم التجارة البينية الخليجية ما يقارب 120 إلى 150 مليار دولار سنويًا خلال الأعوام القليلة الماضية، ما يمثل نحو 10–12 % من إجمالي التجارة الخارجية لدول المجلس.
وتصدّرت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قائمة الدول الأعلى في حجم التبادل التجاري، نظرًا لحجم اقتصاديهما الكبير وتنوع القاعدة الإنتاجية، إضافة إلى دورهما كمراكز لوجستية إقليمية، ويرجع هذا النمو إلى عدة عوامل رئيسية، من أبرزها، تطبيق الاتحاد الجمركي الخليجي وتسهيل حركة السلع، وتطور البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، وكذلك تنامي التجارة الإلكترونية وسلاسل الإمداد الإقليمية، ووجود السياسات الاقتصادية الداعمة للتكامل بين الدول الأعضاء.
كما أن القطاعات الخليجية الأكثر نشاطًا، هي المنتجات النفطية والبتروكيماويات، والمعادن ومواد البناء، والسلع الغذائية، وكذلك السلع الاستهلاكية، كما يتوقع خبراء أن يواصل التبادل التجاري الخليجي نموه خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بمشروعات الربط الإقليمي مثل السكك الحديدية الخليجية، وزيادة الاستثمارات المشتركة، إلى جانب استراتيجيات التنويع الاقتصادي التي تتبناها دول المجلس.
إقرأ المزيد


