هل حقا جاءت مياه الأرض من المذنبات؟ "هالي" أثار الشك و"روزيتا" أعادت الجدل
الجزيرة.نت -

Published On 26/10/2026

|

آخر تحديث: 11:58 (توقيت مكة)

أعادت دراسة علمية نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن المذنب بين النجمي "أطلس/آي 3" (3I/ATLAS) إلى الواجهة سؤالا حير العلماء لعقود: من أين جاءت المياه التي تغطي معظم سطح الأرض؟ وهل حملتها المذنبات الجليدية إلى كوكبنا في بداية نشأته، أم أن مصدرها الرئيسي كان أجساما أخرى؟

فقد كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي أن غاز الميثان المنبعث من المذنب يحتوي على نسبة استثنائية من الديوتيريوم، أحد أشكال الهيدروجين، تزيد بنحو 13 مرة على نسبته في ميثان مذنب آخر درسته المركبة الأوروبية روزيتا.

المذنب 67 بي الذي درسته روزيتا، كشفت إعادة تحليل بيانات مياهه عن نتائج متعارضة بشأن نسبة الديوتيريوم (وكالة الفضاء الأوروبية)

وتعيد هذه النتيجة التذكير بخلاف علمي بدأ قبل 4 عقود، عندما اكتشف العلماء أن مياه بعض المذنبات تختلف عن مياه الأرض، مما أثار الشك في فرضية أن المذنبات كانت المصدر الرئيسي لمحيطاتنا.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
مذنب هالي يثير الشك

بدأت القصة في مارس/آذار 1986، عندما اقتربت المركبة الأوروبية "جيوتو" (Giotto) من نواة مذنب هالي، ودرست الغازات والغبار المنبعثة منه. وكشفت التحليلات العلمية اللاحقة أن مياه المذنب تحتوي على نسبة من الديوتيريوم تعادل نحو ضعف نسبته في مياه محيطات الأرض.

والديوتيريوم شكل أثقل من الهيدروجين العادي، ويستخدم العلماء نسبته في الماء بوصفها بصمة كيميائية تساعد على معرفة الظروف التي تشكل فيها. وكان الاختلاف محيرا؛ فالمذنبات أجسام غنية بالجليد، واعتقد العلماء طويلا أنها ربما حملت كميات كبيرة من المياه إلى الأرض خلال المراحل الأولى من نشأتها.

نواة مذنب هالي كما رصدتها المركبة جيوتو عام 1986، في مهمة أسست للمقارنة بين مياه المذنبات والأرض (وكالة الفضاء الأوروبية)

وتعزز الشك في التسعينيات، عندما أظهرت دراسات المذنبين هياكوتاكي وهيل بوب نسبا مرتفعة مماثلة. وفي عام 1998، خلص باحثون إلى أن المذنبات التي دُرست لا يمكن أن تكون المصدر الوحيد لمياه المحيطات.

إعلان

واتجه الاهتمام إلى الكويكبات الغنية بالماء، بعدما أظهرت بعض النيازك المرتبطة بها تركيبا أقرب إلى مياه الأرض. لكن المفاجأة جاءت عام 2011، عندما كشف مرصد هيرشل الفضائي أن مياه المذنب "هارتلي 2" تشبه مياه المحيطات، فعاد احتمال مساهمة المذنبات في تكوينها.

ولم يستمر الاتفاق طويلا؛ ففي عام 2014، أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية أن نسبة الديوتيريوم في مياه المذنب "67 بي" (67P)، الذي درسته روزيتا، تبلغ نحو 3.4 أضعاف النسبة الأرضية.

وهكذا قدم مذنبان من العائلة نفسها نتيجتين مختلفتين، مما أثبت أن المذنبات لا تحمل جميعها البصمة الكيميائية ذاتها.

خلاف جديد حول المذنب نفسه

ازدادت الصورة تعقيدا في السنوات الأخيرة، بعدما كشفت دراسات أخرى عن مذنبات تحمل ماء مشابها لمياه الأرض. ففي عام 2019، أظهرت قياسات المذنب فيرتانن تقاربا مع مياه المحيطات. وفي عام 2025، اكتشف العلماء أن مياه المذنب بونس بروكس، الذي ينتمي إلى فئة مذنب هالي، تحمل نسبة ديوتيريوم قريبة من القيمة الأرضية.

وكانت المفارقة أن مذنبا من فئة هالي قدم نتيجة مختلفة عن تلك التي أثارت الشكوك قبل 4 عقود. لكن الخلاف الأبرز تعلق بالمذنب "67 بي" نفسه.

مقارنة علمية لنسبة الديوتيريوم في مياه الأرض ومذنبات مختلفة، تكشف التباين الذي أثار خلافا بشأن أصل المحيطات (وكالة الفضاء الأوروبية)

ففي عام 2024، أعاد فريق بقيادة الباحثة كاثلين ماندت، من وكالة وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، تحليل بيانات روزيتا، وخلص إلى أن مياه المذنب ربما تكون أقرب إلى مياه الأرض مما أشارت إليه القياسات الأولى. ورجح الفريق أن الغبار والغازات المحيطة بالمذنب أثرت في النتائج السابقة.

غير أن دراسة أخرى نشرت عام 2026، وأعادت تحليل بيانات المركبة نفسها، انتهت إلى نتيجة مختلفة، مفادها أن نسبة الديوتيريوم في مياه المذنب تبلغ نحو 3 أضعاف النسبة الأرضية. وهكذا أصبح العلماء يختلفون ليس بشأن تركيب مياه المذنبات المختلفة فحسب، بل بشأن تفسير البيانات التي جمعتها مركبة واحدة من المذنب نفسه.

وجاء المذنب بين النجمي "أطلس/آي 3" ليضيف بعدا جديدا إلى هذا الجدل، بعدما كشفت دراسات عام 2026 عن نسب استثنائية للديوتيريوم في مائه وميثانه، تشير إلى نشأته في بيئة شديدة البرودة تختلف عن بيئة مجموعتنا الشمسية. ولا يعني ذلك أن هذا المذنب أسهم في تكوين مياه الأرض، لكنه يوضح مدى تنوع التركيب الكيميائي للمذنبات.

المذنب بين النجمي "أطلس/آي 3″، الذي كشفت دراسات عام 2026 عن نسب استثنائية للديوتيريوم في مائه وميثانه (ناسا)

وبعد 40 عاما من زيارة مذنب هالي، لا يزال أصل مياه الأرض موضع بحث. فربما احتفظ كوكبنا بجزء من مياهه منذ نشأته، وتلقى كميات إضافية من الكويكبات والمذنبات.

أما ما تؤكده الاكتشافات المتعاقبة، فهو أن المذنبات ليست متشابهة، وأن تشابه مياه بعضها مع مياه الأرض لا يثبت أنها مصدر المحيطات، مثلما لا يستبعد اختلاف مياه بعضها الآخر إسهامها في تكوينها.



إقرأ المزيد