الجزيرة.نت - 10/25/2026 8:51:07 AM - GMT (+3 )
تبدو السياسة الدولية اليوم وكأنها مسيرة جماعية في حالة نوم سائر نحو الهاوية، وهناك ثلاثة اتجاهات تبعث على القلق بشكل خاص.
فالذكاء الاصطناعي يعمل على عولمة التهديدات القديمة والجديدة وتصعيدها، وفي الوقت نفسه، لا توجد دولة قوية بما يكفي لفرض النظام.
وكما حدث في فترات الأزمات العالمية السابقة، تتصلب الكتل الجيوسياسية، ويصور التعاون الدولي بشكل متزايد على أنه ضعف. وللأسف، هناك أسباب وافرة للخوف من تكرار أسوأ ما في التاريخ.
تركز الكثير من الاهتمام على خطر اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين، حيث إن التحولات في القوة المهيمنة تؤدي تاريخيا إلى نشوب الصراعات. لكن هذا ليس ما يحدث؛ وبدلا من ذلك، نحن نقترب من نظام دولي لا توجد فيه قوة مهيمنة، بل عدة دول وكتل إقليمية تتنافس على النفوذ، وباستخدام مصطلحات نظرية العلاقات الدولية، فإننا على أعتاب تعددية أقطاب عالمية حقيقية
تركز الكثير من الاهتمام على خطر اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين، حيث إن التحولات في القوة المهيمنة تؤدي تاريخيا إلى نشوب الصراعات.
لكن هذا ليس ما يحدث؛ وبدلا من ذلك، نحن نقترب من نظام دولي لا توجد فيه قوة مهيمنة، بل عدة دول وكتل إقليمية تتنافس على النفوذ، وباستخدام مصطلحات نظرية العلاقات الدولية، فإننا على أعتاب تعددية أقطاب عالمية حقيقية.
ويضيف الذكاء الاصطناعي مزيدا من الضغط على هياكل القوة القائمة، فمن ناحية، نتحول جميعا إلى "كائنات شبه إلهية " وقريبا لن يكون هناك أي ابتكار أو معلومة بعيدة عن متناول أيدينا. لكنه في الوقت نفسه يسلب الجميع قوتهم، ويخلق تهديدات جديدة، ويجعل احتواء التهديدات القديمة أكثر صعوبة.
تجد الدول الكبرى صعوبة متزايدة في تحويل القوة إلى سيطرة، وهذا واضح بالفعل في المجال العسكري، حيث غيرت المسيّرات الرخيصة والاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعي التسلسلات الهرمية التقليدية.
إعلان
فالولايات المتحدة، بترسانة عسكرية هائلة، غير قادرة على إجبار نظام ثيوقراطي معزول ومفلس في إيران على الرضوخ؛ ومحاولة روسيا الفاشلة لإخضاع أوكرانيا هي مثال آخر على دولة أقوى بكثير لا تستطيع فرض إرادتها.
تجعل التكنولوجيا الحديثة فقدان السيطرة أكثر وضوحا في مجالات أخرى، فقد تنشأ الجائحة التالية في مختبر خفي وتكون أكثر فتكا بكثير من كوفيد-19.
ويمكن شن هجمات إلكترونية مدمرة من مرآب أحد الأشخاص، وقد تخرج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة عن سيطرة البشر.
وقد يقلل الذكاء الاصطناعي من العوائق التي تحول دون تطوير الأسلحة النووية، في حين قد تنتشر الأسلحة البيولوجية دون أن يلاحظ أحد.
مثل هذه التهديدات لا تعرف حدودا، فإذا ما وضعت دولة ما تدابير أمان فعالة، فإن الجهات الخبيثة ستنتقل ببساطة إلى مكان آخر وتشن هجماتها من هناك.
وقد تمتلك دولة ما قدرات عسكرية واقتصادية ساحقة، ومع ذلك تظل عاجزة عن وقف انتشار مسبب مرضي، أو منع هجوم إلكتروني، أو احتواء انتشار التقنيات الخطيرة.
وستكون الإستراتيجيات القائمة على "السلام من خلال القوة "، والهيمنة الإقليمية، وديناميات القوة ذات المحصلة الصفرية، أشبه بمحاربة البعوض بالأسلحة الثقيلة، مكلفة وغير قابلة للتطبيق.
ومع ذلك، فإن جزءا كبيرا من العالم يضاعف رهانه على هذه الإستراتيجيات بالذات. ويركز بعض قادة الدول على الفوز في مجال الذكاء الاصطناعي وتحقيق السيادة الرقمية.
وينظر إلى التفاوض بشأن القيود المتبادلة من خلال القانون الدولي والمؤسسات الدولية على أنه سذاجة أو عمل يضر بمصالحهم.
قد يقلل الذكاء الاصطناعي من العوائق التي تحول دون تطوير الأسلحة النووية، في حين قد تنتشر الأسلحة البيولوجية دون أن يلاحظ أحد.
مثل هذه التهديدات لا تعرف حدودا
مثل هذه المقاربات غير فعالة في أحسن الأحوال، وكسياسة عالمية، يمكنها تدمير البشرية، وكأن المرء يسمع أصوات أجيال سابقة عاشت في زمن الحرب: "لا تقعوا في هذا الفخ مرة أخرى ".
ولا ينبغي لنا ذلك حقا، بالنظر إلى كيف أضرت بنا في الماضي الطموحات الوطنية الجامحة المقترنة بضعف القواعد والمؤسسات الدولية، ومع ذلك، يبدو أن الكثيرين عاجزون عن الارتقاء إلى مستوى الحدث.
ومن الأسباب المؤكدة في ذلك ميلنا إلى التقليل من شأن المخاطر التي تتراكم بمرور الوقت. فقد تبدو احتمالية وقوع كارثة عالمية بنسبة 1% سنويا ضئيلة بشكل مطمئن.
ومع ذلك، فإن هذا يترجم على مدى قرن من الزمان إلى احتمال وقوع كارثة بنسبة 63% تقريبا، وهو مستوى لا يطاق من المخاطر.
ستظل القوة العسكرية ضرورية، لكن السبيل الوحيد لضمان الأمن الحقيقي في هذا النموذج الجديد الذي يتسم بالتعددية القطبية والذكاء الاصطناعي هو من خلال مؤسسات وقوانين دولية قوية.
يجب وضع معايير عالمية وتطبيقها، ويجب السماح للمنظمات الدولية بمراقبة الأنشطة داخل حدود الدول وتفتيشها والإبلاغ عنها. وسيتعين على الحكومات تبادل المعلومات الحساسة بانتظام.
يجب أن يكون "السلام من خلال التعاون " هو الشعار العالمي الجديد؛ ليس بدافع الإيثار، بل لأنه السبيل الوحيد لتحقيق الأمن الحقيقي.
إعلان
لحسن الحظ، لا يتعين علينا البدء من الصفر، فما زالت مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية تتمتع بسلطة وشرعية لا مثيل لهما.
وقد أثبتت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الرصد الدولي قادر على التحقق بفعالية من الامتثال حتى في المجالات شديدة الحساسية.
وتوفر الأحداث الأخيرة بعض الأسباب للتفاؤل، ففي العام الماضي، اعتمدت منظمة الصحة العالمية اتفاقية بشأن الجائحة، والتي من شأنها تحسين الاستعداد الجماعي للعالم لمنع وتخفيف حدة حالات الطوارئ الصحية في المستقبل.
كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا اتفاقية لحماية التنوع البيولوجي في أعالي البحار، وهي أول معاهدة عالمية ذات أهمية منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن.
التحدي الحاسم في عصرنا سيكون الجمع بين التعددية القطبية والتعددية الدولية، إن بناء مؤسسات فعالة في ظل عدم قدرة أحد على فرض النظام أمر صعب بطبيعته
وقد أظهر مجلس الأمن جديته في معالجة التحديات الأمنية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي؛ فخلال مناقشة رفيعة المستوى جرت في سبتمبر/أيلول من هذا العام، دعت معظم الحكومات ومطورو الذكاء الاصطناعي البارزون على حد سواء إلى حوكمة عالمية أقوى وآليات رقابة دولية أكثر صرامة.
هذه علامات مشجعة، لكن بالنظر إلى الصورة العامة، فإن الدول لا تستثمر سوى القليل جدا في مثل هذه الأطر العالمية في وقت يتطلب العكس تماما.
وقد جعلت النرويج من كسر هذا الاتجاه أولوية لها، فقد حددنا احترام القانون الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف الفعالة باعتبارهما مصلحة أمنية وطنية أساسية.
ونحن نستثمر بكثافة في إصلاح الأمم المتحدة؛ وبصفتنا أحد أكبر المساهمين الماليين في الأمم المتحدة، فإننا نتمتع بنفوذ سنستخدمه للضغط من أجل تحقيق فعالية أكبر.
وبمفردها، فإن النرويج أصغر من أن تغير مسار السياسة الدولية، لكن من خلال التحالفات عبر الإقليمية مع الدول التي تشاطرنا التوجهات نفسها، يمكننا إحداث فرق حقيقي.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما حدث في سبتمبر/أيلول عندما أطلق رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب "دعوة مشتركة للعمل " من أجل إرساء رقابة ومراقبة عالميتين على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وقد انضمت دول من جميع أنحاء العالم إلى هذه المبادرة، ونأمل أن تكون بمثابة نقطة انطلاق لاتخاذ إجراءات دولية ملموسة في هذا المجال.
لا يوجد من يتولى زمام الأمور في عالم متعدد الأقطاب، وتتشكل هذه الحقيقة الجديدة في الوقت الذي تجعل فيه التكنولوجيا احتواء التهديدات أمرا أكثر صعوبة.
ولذلك، فإن التحدي الحاسم في عصرنا سيكون الجمع بين التعددية القطبية والتعددية الدولية، إن بناء مؤسسات فعالة في ظل عدم قدرة أحد على فرض النظام أمر صعب بطبيعته.
لكن تماما كما تمكنت الأجيال السابقة من التغلب على تحديات عميقة، يمكننا نحن أيضا أن نفعل ذلك.
فلم تتحد الدول حول مبادئ ومؤسسات قانونية مشتركة إلا بعد الكوارث التي عاشتها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأنا مقتنع بأن الدول ستدرك مرة أخرى، مع مرور الوقت، أن هذا هو السبيل الوحيد. لكن ما يظل غير واضح هو ما إذا كنا سنتمكن من حشد العزيمة اللازمة دون أن نمر أولا بأزمة عالمية أخرى ذات أبعاد تشبه أبعاد الحرب العالمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


