فرنسا تحترق والاقتصاد يختنق.. المخبر الاقتصادي يكشف سر ورطة ماكرون
الجزيرة.نت -

يكشف “المخبر الاقتصادي” كيف فجّرت أزمة الديزل وغلاء المعيشة احتجاجات فرنسا، فيما تقيد الديون والعجوزات وضعف النمو قدرة ماكرون على احتواء الغضب الشعبي.

أعادت مشاهد الحرائق والنهب في مدن فرنسية عدة فتح سؤال بالغ الحساسية: كيف تتحول أزمة غلاء الوقود والتعليم والخدمات العامة إلى انفجار اجتماعي في واحدة من أغنى دول العالم؟ تكشف حلقة برنامج "المخبر الاقتصادي" الذي يبث عبر منصة "AJ+ عربي" أن غضب الشارع يتصاعد بينما تضيق خيارات الرئيس إيمانويل ماكرون.

وتتناول حلقة 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026 من البرنامج (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حين خرج مئات الآلاف للمطالبة بخفض الأسعار ورفع الأجور وتحسين التعليم، قبل أن تتداخل المسيرات السلمية مع أعمال عنف ونهب ألحقت أضرارا بالمحال والمباني العامة.

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

بدأت المشاهد الأكثر صدمة بإحراق سيارة شرطة واقتحام مبنى بلدية ليموج التاريخي، ثم امتدت الاعتداءات إلى مدن مثل باريس ومرسيليا وليون، حيث حطمت مجموعات واجهات متاجر ونهبت بضائع وأحرقت منشآت. لكن الحلقة تشدد على أن هذه الصور لا تختصر وحدها دوافع المحتجين ولا طبيعة الحراك.

وقبل أن تبلغ الأزمة ذروتها، كان ماكرون قد غادر باريس في 19 أكتوبر/تشرين الأول متجها إلى الخليج، برفقة مسؤولين في قطاع الطاقة، في رحلة أثارت انتقادات بسبب توقيتها، ففرنسا كانت لا تزال تعالج آثار الاضطرابات، بينما كان الرئيس يسعى إلى تأمين إمدادات إضافية من الديزل.

وفي اليوم التالي، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الإمارات والبحرين تعهدتا بتوفير 200 ألف طن إضافية من الديزل شهريا، بينما سبقهما تعهد سعودي بتأمين 95 ألف طن، وبذلك تصل الكميات الإضافية إلى نحو 295 ألف طن شهريا، أي ما يعادل قرابة 10% من استهلاك فرنسا.

وتبرز أهمية هذه الجولة من حقيقة أن فرنسا تستورد نحو نصف الديزل الذي تستهلكه، وفق تصريح سابق لماكرون، ولم يعد الاستيراد مسألة تجارية عادية، إذ جاء في توقيت تعصف فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بسوق الطاقة، وتكشف هشاشة الإمدادات وارتفاع كلفة الوقود.

وقود الغضب

تعود جذور الأزمة إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز؛ فقبل الحرب، كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط ومشتقاته، أي قرابة خُمس الإمدادات العالمية، وبعد إغلاق إيران المضيق واستهداف منشآت للطاقة، تراجعت التدفقات إلى نحو 2.7 مليون برميل يوميا خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان ومايو/أيار.

ورغم تعافي صادرات النفط الخام الخليجية جزئيا، بقيت المنتجات المكررة تعاني نقصا؛ إذ هبطت صادرات الشرق الأوسط منها إلى 1.9 مليون برميل يوميا في سبتمبر/أيلول، مقابل 4.7 ملايين قبل الحرب. وزادت الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية نقص الوقود العالمي.

وتزامن نقص المعروض مع تراجع المخزونات؛ إذ هبطت في دول منظمة التعاون الاقتصادي إلى 565 مليون برميل في يوليو/تموز، أقل بنحو 5% من مستواها قبل الأزمة. ونتيجة لذلك، تجاوز سعر برميل الديزل 200 دولار في سنغافورة، ونحو 220 دولارا في أوروبا والولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول.

وانعكست الصدمة مباشرة على الفرنسيين؛ إذ تجاوز سعر لتر الديزل في سبتمبر/أيلول يوروين و39 سنتا، مسجلا مستوى قياسيا، وتخطى 2.5 يورو في أكثر من 700 محطة. كما صعد التضخم السنوي إلى 3.1%، مع ارتفاع أسعار الطاقة 21.3% والديزل 44.1% على أساس سنوي.

ولم تقف المعاناة عند الأسعار، بل امتدت إلى توافر الوقود؛ إذ قالت الحكومة إن 17% من المحطات عانت نقص نوع واحد على الأقل. وتركزت المشكلة في "توتال إنرجيز"، بعدما اجتذبت أسعارها الأقل السائقين، فيما تراجعت كميات الديزل الموردة 9.2% في أغسطس/آب سنويا.

وفي الريف يعتمد 90% من العاملين على السيارات، بينما تقترب فاتورة الديزل لبعض مراكب الصيد من 10 آلاف يورو أسبوعيا. وطرحت الحكومة 10 ملايين برميل من الاحتياطي، لكن 88% عدّوا الخطوة غير كافية، وطالب 69% بخفض الضرائب و54% بتحديد الأسعار أو تجميدها.

مأزق ماكرون

بدأت دعوة للاحتجاج على أزمة الوقود بفيديو لشاب على تيك توك حدد 17 أكتوبر/تشرين الأول موعدا قبل أن يتراجع، لكن الدعوة انتشرت، وتقاطعت معها احتجاجات طلابية بسبب نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتردي المباني، ثم انضمت نقابات وفلاحون وسائقو التطبيقات، مطالبين بالأجور والمعاشات والخدمات العامة والتعليم.

وقبل التحرك، أظهر استطلاع تأييد 69% من الفرنسيين للاحتجاجات، و77% من الشباب و70% من ناخبي اليمين المتطرف، وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري خرجت نحو 110 مَسيرات؛ وقدرت الداخلية المشاركين بـ550 ألفا، مقابل 800 ألف وفق المنظمين، ومعظمها سلمي.

لكن مجموعات خارج المسيرات المنظمة دخلت في مواجهات مع الشرطة أو استغلت الفوضى للنهب والتخريب، وفي مرسيليا وحدها، تضرر نحو 500 محل وفق حصر أولي، بينها 317 تعرضت للنهب أو أضرار كبيرة، فيما شهدت باريس وليون اعتداءات على متاجر ومبان عامة.

وفي خطاب متلفز مساء 18 أكتوبر/تشرين الأول، أدان ماكرون العنف وتوعد بمحاسبة المتورطين، لكنه أقر بمشروعية المطالب ووعد بالحوار، وأعلن رئيس الوزراء حظر تجول محدودا ومساعدات للمتاجر، فيما بقيت الأسباب الأعمق بلا علاج. ففي 2018 احتوى ماكرون احتجاجات "السترات الصفراء" بتنازلات كلفت نحو 17 مليار يورو.

لكن قدرة الرئيس الفرنسي على تكرار التنازلات محدودة؛ فالدَّين العام بلغ 3.595 تريليونات يورو، أو 119% من الناتج، فيما يتوقع أن يبلغ العجز 5.4% عام 2026. وتتضمن موازنة 2027 إجراءات بقيمة 43 مليار يورو ضمن ضبط مالي إجمالي يبلغ 54 مليارا، والنمو المتوقع 0.4%.

وهكذا يُحاصر ماكرون بين إنفاق يضاعف العجز وتقشف قد يوسع الاحتجاجات. ومع فوائد دين متوقعة عند 91.2 مليار يورو في 2027 وعوائد سندات قرب 4.9%، وغياب أغلبية برلمانية وتأييد لا يتجاوز 17%، تفاقم مأزق ماكرون السياسي، وسط خلاف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي حمّل الهجرة مسؤولية اضطرابات فرنسا.

Published On 25/10/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد