الجزيرة.نت - 10/24/2026 12:32:09 AM - GMT (+3 )
حين وقف الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي إلى جوار نظيره الكيني ويليام روتو في نيروبي في 12 يوليو/تموز 2023، وصف روتو طهران بـ"الشريك الإستراتيجي المهم"، معربا عن أمله في تحسين الميزان التجاري عبر زيادة صادرات بلاده من الشاي واللحوم والمنتجات الزراعية إلى السوق الإيرانية، فضلا عن تطلعه إلى استفادة كينيا من الخبرات والدعم الإيرانيين في قطاعي الصحة والاقتصاد الأزرق، ولا سيما المصايد.
كانت كينيا المحطة الأولى في جولة رئيسي الأفريقية، التي شملت أيضا أوغندا وزيمبابوي. وعند عودته إلى طهران، تحدث رئيسي عن نتائج الجولة بلغة بدت بعيدة عن خطاب مضيفيه الأفارقة، إذ وضع "توسيع العمق الإستراتيجي لإيران" في صدارة أهدافها.
ففي حين روجت نيروبي للزيارة من زاوية المنافع الاقتصادية المنتظرة، قدمتها طهران إلى جمهورها الداخلي بوصفها امتدادا طبيعيا لرسالة الثورة الإسلامية؛ إذ قال رئيسي إن إيران أقامت علاقات جيدة مع كثير من دول العالم، ولا سيما الدول الأفريقية، لأن شعوب القارة رأت في الشعب الإيراني وثورته إيمانا وروحا مناهضة للاستعمار وشجاعة. وعلى هذا النحو، لم تظهر أفريقيا في الخطاب الإيراني باعتبارها سوقا ناشئة أو شريكا تجاريا، وإنما بوصفها فضاء سياسيا وأيديولوجيا يمكن أن تجد فيه مفاهيم "المستضعفين" و"مقاومة الهيمنة الغربية" صدى واسعا.
وراء المسافة بين "خطاب الشاي" الذي تبنته كينيا و"خطاب العمق الإستراتيجي" الذي تبنته إيران، تقف مادتان دستوريتان تحكمان السياسة الخارجية الإيرانية. فالدستور الإيراني لا يقرأ العلاقات الدولية بمنطق المصالح وحدها، وإنما يقسّم العالم أخلاقيا وسياسيا بين قوى "مستكبرة" وشعوب "مستضعفة"، فبينما تنص المادة 152 على رفض الخضوع للقوى المهيمنة، تؤكد المادة 154 دعم الجمهورية لـ"نضال المستضعفين" من أجل نيل حقوقهم.
إعلان
غير أن المادة نفسها تضع قيدا واضحا، هو الامتناع الكامل عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ما يعني أن الدستور يجمع بين دعم الشعوب والحركات التي تراها طهران واقعة تحت الهيمنة، والتعهد في الوقت نفسه باحترام سيادة الدول؛ أي أنه لا يقدم تفويضا مفتوحا بما يُعرف بـ"تصدير الثورة"، ويضع هذا الطموح من الناحية النظرية داخل حدود قانونية وسياسية معلنة.
غير أن هذا التوازن يترك مساحة واسعة للتأويل عند الانتقال من النص إلى الفعل؛ إذ يبرز هنا التساؤل عما يُعد دعما للمستضعفين، وما التعريف الدقيق لهؤلاء، وأين ينتهي هذا الدعم تحديدا ومتى يبدأ التدخل. ففي الممارسة، لم تكن الإجابة ثابتة ولم تكن منفصلة أيضا عن حسابات الأمن القومي الإيراني؛ إذ يشير مسار السياسة الخارجية الإيرانية إلى تداخل مستمر بين "الإرث الثوري" من جهة، وضرورات بقاء النظام وردع خصومه وحماية حلفائه وتوسيع هامش حركته من جهة أخرى، مع امتلاك المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، تأثيرًا مهمًا في تحديد الكيفية التي تتحول بها هذه المبادئ العامة إلى سياسات ملموسة.
يتضح ذلك في ساحات إقليمية، مثل لبنان وسوريا واليمن، حيث لم تتخلّ طهران عن لغتها "العقائدية" في تفسير حضورها، لكن هذا الحضور يرتبط في واقعه بحسابات عملية تتعلق بالأمن والحفاظ على الحلفاء وخطوط النفوذ. ومن هنا، يفرض الواقع على المادتين الدستوريتين نوعا من المرونة التفسيرية، أقرب إلى البراغماتية منها إلى الالتزام الحرفي الجامد.
"يفرض الواقع على المادتين الدستوريتين نوعا من المرونة التفسيرية، أقرب إلى البراغماتية منها إلى الالتزام الحرفي الجامد"
وتتضح هذه المرونة أكثر عند الانتقال إلى علاقات إيران بالدول الأفريقية، فهي بيئات تختلف عن ساحات حضورها التقليدي في المشرق. وعليه، لم تلجأ إيران دومًا إلى الأداة ذاتها، لأن الترويج المباشر للنموذج الثوري أو بناء علاقات تقوم على تقارب أيديولوجي ليس المفتاح المناسب لأبواب القارة كلها، ولذلك ضمّت حقيبة طهران في أفريقيا أكثر من أداة؛ تبدأ من خطاب الثورة والتضامن السياسي والمشترك العقائدي، وتمر إلى التعاون الاقتصادي والمشروعات الزراعية والتنموية، وتصل إلى علاقات أمنية وعسكرية، حين تسمح الظروف بذلك. وهو ما يرصد الباحث الأميركي إريك لوب جانبًا منه في دراسته لسياسات إيران في أفريقيا؛ إذ يشير إلى أن طهران وجدت في مشروعات الزراعة والتنمية الريفية مدخلًا أكثر فاعلية لبناء النفوذ في أكثر من دولة أفريقية، بعدما أثبتت الأدوات التنموية قدرة أكبر من الخطاب الثوري المباشر على خدمة المصالح الإستراتيجية الإيرانية.
يبرز هذا البُعد البراغماتي في تجربة "جهاد البناء"، المنظمة التي تأسست في يونيو/حزيران 1979، بعد أشهر من انتصار الثورة، لتنمية الريف الإيراني. ثم تحولت إلى وزارة في عام 1983، في خضم الحرب العراقية الإيرانية التي اضطلعت خلالها المنظمة بدور لوجستي بارز، قبل أن يمتد نشاطها إلى أفريقيا منذ منتصف الثمانينيات، موظفةً مشروعات التنمية الزراعية والرعاية الطبية والتدريب المهني في فتح قنوات سياسية وتجارية، وتقديم إيران بوصفها دولة مانحة.
إعلان
وبحسب إريك لوب، لم تستخدم المنظمة الأداة نفسها في كل ساحة؛ إذ غلب الطابع التقني والتنموي على نشاطها في أفريقيا، ما أتاح الوصول إلى مجتمعات سنية أو غير مسلمة دون إثارة حساسية الحكومات المحلية، بينما اتخذ فرع "جهاد البناء" التابع لحزب الله في لبنان طابعا دينيا أوضح، فجمع بين المراكز الطبية وبناء المساجد والحسينيات والمدارس الدينية، بما يكشف قدرة طهران على تكييف أدواتها مع طبيعة البيئة المحلية.
فضلًا عن ذلك، لم تكن هذه المشروعات "مساعدات بلا مقابل"؛ فقد انطوت على مكاسب إيرانية محددة، ففي عام 2017، تمكنت وزارة "الجهاد الزراعي" (الاسم الجديد لجهاد البناء بعد دمجها في وزارة الزراعة عام 2001) من تخصيص نحو ستة آلاف هكتار من الأراضي الغانية لمشروعات زراعية إيرانية، ضمن سياسة "الزراعة خارج الحدود"، التي سعت بها إيران إلى تعويض شحّ مياهها وأراضيها وإنتاج محاصيل للسوق المحلية أو للتصدير. وفي المقابل، طرحت طهران مشروعات لنقل المياه إلى العاصمة أكرا وإنشاء مصنع للأسمنت وخط لإنتاج الجرارات. وهكذا حصلت غانا على بنية تحتية وقدرة صناعية، بينما كسبت إيران الأرض والمحاصيل وفرص الاستثمار والتصدير، إلى جانب رصيد من النفوذ الدبلوماسي؛ وهو ما ينسجم مع تحليل إريك لوب لهذه الأنشطة بوصفها أداة لخدمة المصالح الإيرانية، لا عملا تجاريا أو تضامنيا مجردًا.
"لم تكن هذه المشروعات مساعدات بلا مقابل؛ فقد انطوت على مكاسب إيرانية محددة"
وفي تنزانيا، تركّز التعاون على قطاع الصيد، بعدما أتاحت مذكرة تفاهم وُقعت في يوليو/تموز 2018، عمل سفن الصيد الإيرانية في المياه التنزانية مقابل تصدير القوارب والمعدات والتقنيات الإيرانية وتقديم الخبرة والتدريب. وبذلك حصلت تنزانيا على أدوات لتطوير قطاع المصايد، بينما كسبت إيران الوصول إلى موارد بحرية جديدة وسوقا لمعداتها وخدماتها الفنية. أما في السنغال، فقد نظمت المؤسسات الإيرانية ورشا للتدريب على الكهرباء والسباكة، في مناطق تشهد توسعا عمرانيًا ملحوظًا، ولأن التدريب مصمم وفق الأساليب والمعايير الفنية الإيرانية، فإن ذلك يُقرب المتدربين من التقنيات والمعدات التي تستخدمها الشركات الإيرانية، بما يمنح هذه الشركات أفضلية عند المنافسة على مشروعات الكهرباء والمياه والبنية التحتية مستقبلا.
تكشف هذه الحالات أن المصلحة الاقتصادية هي الباب الذي تلج منه طهران إلى أفريقيا في الوقت الحالي، بينما يعد الحضور السياسي أو النفوذ مكسبا إضافيا. وهنا يظهر أحد الفروق الأساسية بين الجمهورية الإسلامية ونظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي سبقها. فبحسب أستاذ العلاقات الدولية فريد هاليداي، لا تكتفي الدول التي تولد من الثورات بتغيير أوضاعها الداخلية، بل غالبًا ما تحمل مشروعًا أو تصورًا تريد أن يمتد أثره إلى الخارج.
ومن هذا المنظور، تعاملت الجمهورية الإسلامية مع سياستها الخارجية بوصفها وسيلة لنقل أفكار الثورة وبناء النفوذ أيضا، في حين انطلقت سياسات الشاه من حسابات أمن الدولة وموازين القوى في الحرب الباردة حصرا. ولهذا، يصف الباحث جيفري ليفيبفر سياسته بـ"الدفاعية"، إذ هدفت إلى حماية إيران وموقعها داخل النظام الإقليمي القائم، واحتواء خصومها، ولم تطمح إلى إعادة تشكيل هذا النظام وفق مشروع أيديولوجي جديد، على غرار إيران الثورة.
كان خصم الشاه الرئيسي في هذه المرحلة هو جمال عبد الناصر؛ إذ عدّت طهران قوميته العربية وتحالفاته الإقليمية تهديدًا لمكانة إيران. ومن هنا، انخرطت طهران في شبكة موازنة جمعتها بإثيوبيا وتركيا وإسرائيل، ضمن ما عُرف إسرائيليا بـ"إستراتيجية الأطراف". وبعد انحسار المدّ الناصري، تصدّر الخوف من التوسع السوفياتي حسابات الشاه، بعدما غدا القرن الأفريقي، بما يشرف عليه من ممرات بحرية حيوية، جبهة متقدمة في تصوره لأمن إيران، لا سيما مع بحثه عن مشترين جدد للنفط ورغبته في تأمين طُرق تصديره. وعليه، عدّ الشاه المحيط الهندي امتدادا إستراتيجيا للخليج، ورأى أن حماية تجارة النفط الإيرانية تبدأ من باب المندب وتمتد حتى طريق رأس الرجاء الصالح.
في الوقت ذاته، سعت إيران إلى تأمين مصادر اليورانيوم اللازم لبرنامجها النووي الناشئ، وكسب أصوات الكتلة الأفريقية المتنامية داخل الأمم المتحدة. وقد أتاحت الطفرة النفطية للشاه أدوات تناسب هذا الطموح. فبعد ارتفاع الأسعار عام 1973، تحولت العائدات إلى قروض ميسرة ومساعدات ومشروعات تنموية، في دول مثل السودان والسنغال.
إعلان
ويشير المؤرخ روبرت ستيل، صاحب كتاب "علاقات إيران البهلوية بأفريقيا"، إلى أن دبلوماسية النفط دفعت العلاقات الإيرانية الأفريقية إلى توسع سريع؛ ففي عام 1969، لم تكن طهران تقيم علاقات سياسية إلا مع خمس دول أفريقية، لكن العدد تجاوز ثلاثين دولة بحلول منتصف السبعينيات، مدفوعا بالمساعدات واتساع التبادل الاقتصادي. وفي جنوب القارة، شكّلت إيران شريان الطاقة الأهم لنظام الفصل العنصري، إذ وفرت بحلول عام 1978 أكثر من 90% من واردات جنوب أفريقيا من النفط الخام.
"دبلوماسية النفط دفعت العلاقات الإيرانية الأفريقية إلى توسع سريع في زمن الشاه"
وبحسب ستيل، كان من دوافع التقارب تزايد أهمية رأس الرجاء الصالح بعد إغلاق قناة السويس مع اندلاع حرب يونيو/حزيران 1967؛ إذ تحول الطريق البحري إلى ممر حيوي لصادرات النفط الإيرانية. وإلى جانب ذلك، اكتشفت طهران وجود اتفاق استخباراتي بين نظام الفصل العنصري والولايات المتحدة، يلزم الأول بالتقاط صور للسفن المارة حول الرأس وإرسال نسخ منها إلى واشنطن. وعليه، طلب الشاه الحصول على المعلومات نفسها. وقد أورد وزير البلاط الإيراني أسد الله علم في مذكراته أن إيران استفادت بدرجة كبيرة من الصور والبيانات التي قدمتها جنوب أفريقيا عن السفن السوفياتية المتجهة إلى العراق، ما مكّن استخباراتها من تتبع نوعية المعدات العسكرية التي كانت موسكو ترسلها إلى بغداد.
حدود "دبلوماسية النفط"غير أن دبلوماسية النفط كانت سلاحا ذا حدين؛ فقد اشترت للشاه حضورا واسعا دون أن تؤسس نفوذا مستداما. فمنذ أواخر عام 1974، أدى تراجع الطلب على النفط وانخفاض الإيرادات إلى تقليص قدرة طهران على الوفاء بوعود القروض والائتمانات، فتحولت، بحسب جيفري ليفيبفر، إلى "مانح متردد". وترى أستاذة الشؤون الدولية شيرين هنتر أن المساعدات الإيرانية "أخفقت في خلق تبعية دائمة"، لقصر عمرها، الذي لم يتجاوز نحو خمس سنوات قبل الثورة، ولوجود منافسين إقليميين أثرياء قدموا عروضا مماثلة.
وزاد هذا الضعف قصور البنية التحتية الدبلوماسية نفسها؛ ففي تقرير رُفع إلى الخارجية الفرنسية عام 1974، وصف السفير الفرنسي في طهران، روبرت دي سوزا، التقارب الإيراني الأفريقي بأنه "سطحي وملتبس". ويرى ستيل أن الخارجية الإيرانية افتقرت إلى دبلوماسيين يجمعون بين المهارات اللغوية والخبرة بالشؤون الأفريقية والاستعداد للانتقال إلى القارة، التي لم تكن وجهة مُفضَّلة لهم.
وفوق ذلك، أدى انخراط طهران مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى وضعها في تعارض مع مبادئ "منظمة الوحدة الأفريقية"، ومع حكومات استمدت شرعيتها من مقاومة الاستعمار والهيمنة البيضاء. وزاد هشاشةَ هذا الحضور اعتماده على صلات شخصية بحكام بعينهم، دون ترسيخ مؤسسي يضمن استمراره بعد رحيلهم. وكان سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974 أبرز مثال؛ إذ انهارت معه الركيزة الإثيوبية للنفوذ الإيراني، واضطرت طهران إلى إعادة ترتيب تحالفاتها في القرن الأفريقي.
"الشركاء الأفارقة الذين ارتبطت بهم طهران في عهد الشاه، ظلّوا أبرز شركائها في حقبة ما بعد الثورة"
غير أن هذه الحدود لم تمحُ ما بنته دبلوماسية النفط من روابط تجارية تماما. فقد بقيت جنوب أفريقيا أكبر شريك تجاري لإيران في أفريقيا جنوب الصحراء قبل الثورة وبعدها، ثم ارتفعت حصتها بعد سقوط نظام الفصل العنصري عام 1994. ففي دراسة كمّية نُشرت عام 2025 للتجارة بين إيران وأفريقيا جنوب الصحراء بين عامي 1962 و2021، وجد إريك لوب وهاكان يلمازكوداي أن الشركاء الأفارقة الذين ارتبطت بهم طهران في عهد الشاه، ظلّوا أبرز شركائها في حقبة ما بعد الثورة؛ إذ احتفظت جنوب أفريقيا بالمرتبة الأولى وبقيت كينيا ثانية، كما استمرت إثيوبيا وتنزانيا ومدغشقر ضمن شركاء التجارة الأساسيين، ولم ينضم إلى هذه الدائرة بعد الثورة إلا دول قليلة مثل السودان والسنغال، ورغم أن هذه الشراكات قامت أساسا على أغراض اقتصادية، فإن حالة السودان تجاوزت هذا النمط؛ إذ اقترنت منذ بدايتها بتقارب سياسي وأمني منحها طابعا مختلفا.
بدأ تقارب الجمهورية الإسلامية مع الخرطوم عقب انقلاب يونيو/حزيران 1989، الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة بدعم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي. ورأى بعض قادة الحركة الإسلامية السودانية في الثورة الإيرانية نموذجا لحركة إسلامية بلغت الحكم، فيما وجدت طهران في النظام الجديد شريكا في العزلة الدولية والخطاب المناهض للغرب. وعلى هذه الأرضية، نشأ تعاون سياسي وأمني عززته حاجة الخرطوم إلى التمويل والسلاح. غير أن الأكاديمي السوداني الواثق كمير يحذّر من اختزال العلاقة في تبن سوداني للنموذج الإيراني؛ إذ ظل تأثير طهران الفكري والمذهبي في المجتمع محدودا، حتى في ذروة التحالف الرسمي.
إعلان
ويؤكد مسار العلاقة ضعف أساسها العقائدي؛ فقد أغلقت الخرطوم المراكز الثقافية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 2014، وانضمت في مارس/آذار 2015 إلى التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن ضد الحوثيين، ثم قطعت علاقاتها بطهران كليا في يناير/كانون الثاني 2016 تضامنً مع الرياض بعد الاعتداء على سفارتها في طهران. ولم تعد الاتصالات الدبلوماسية والعسكرية إلا تحت ضغط الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، إذ أعلن البلدان استئناف العلاقات في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
وبحسب تقرير لرويترز في أبريل/نيسان 2024، شكّلت الحاجة العسكرية المحرك الأبرز لهذه العودة؛ إذ نقلت الوكالة عن بيانات تتبّع جمعها باحث في منظمة "باكس" الهولندية ست رحلات لطائرة شحن إيرانية إلى بورتسودان بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024، كما ظهرت مسيّرة "مهاجر-6" في صورة أقمار اصطناعية لقاعدة وادي سيدنا شمال الخرطوم، ونقلت عن مصادر إيرانية وإقليمية ودبلوماسية أن الجيش السوداني حصل على مسيّرات إيرانية أسهمت في وقف تقدم قوات الدعم السريع واستعادة مناطق حول العاصمة، في حين نفت الخرطوم حصولها على أي سلاح من إيران.
وبحسب تحقيق أجرته منظمة الصحافة الاستقصائية المستقلة "بيلينغكات" عام 2021، ظهر الطراز نفسه في مطار سمرا الإثيوبي خلال حرب تيغراي، فيما أشارت تقارير إلى تشغيل إثيوبيا مسيّرات تتطابق مع "مهاجر-6″، وإن لم تُعلن صفقة تسليم رسمية. وبذلك باتت المسيّرات إحدى الأدوات التي تتيح لطهران دخول ساحات أفريقية تحتاج إلى دعم عسكري سريع ومنخفض الكلفة.
في السودان، تجاوزت العلاقات حدود "دبلوماسية المسيرات"، فقد تبادل البلدان السفراء في يوليو/تموز 2024، إلى جانب فتح مسارات رسمية للتعاون الاقتصادي والمالي وإعادة الإعمار. وقبل ذلك بأشهر، في مارس/آذار 2024، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن أحمد حسن محمد، مستشار الاستخبارات لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، أن الخرطوم رفضت طلبا إيرانيا لإقامة قاعدة بحرية دائمة على البحر الأحمر مقابل سفينة حربية حاملة للمروحيات، قبل أن تنفي الحكومتان ذلك.
وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الرواية، فإنها تندرج ضمن تاريخ أوسع من محاولات طهران إيجاد موطئ قدم في موانئ القرن الأفريقي. ففي إريتريا، ظهرت منذ أواخر العقد الأول من الألفية تقارير عن حضور إيراني في ميناء عصب، لكن أسمرة نفت استضافة قواعد أو قوات إيرانية. كما قطعت جيبوتي والصومال علاقاتهما مع طهران عام 2016؛ ثم استعادت جيبوتي العلاقات الدبلوماسية في سبتمبر/أيلول 2023 دون أن يترجم ذلك إلى وجود عسكري معلن، فيما لم يُعلن الصومال مسارا مماثلا منذ إغلاق البعثة الإيرانية وقطع العلاقات.
"تكشف دورات التواصل والقطيعة هشاشة أسس النفوذ الإيراني في أفريقيا"
تكشف دورات التواصل والقطيعة هذه، من السودان إلى إريتريا والصومال وصولًا إلى جيبوتي، هشاشة أسس النفوذ الإيراني في أفريقيا؛ إذ ظلت علاقات طهران بدول منطقة القرن الأفريقي ومحيطها قابلة للتحول سريعا بل والسقوط أمام الاختبارات السياسية الجدية. وقد ظهر ذلك بوضوح في السودان نفسه، الذي أدان علنا الضربات الإيرانية على دول الخليج بوصفها "عدوانا سافرا"، وحذر الكتائب المقاتلة إلى جانب الجيش من إعلان تأييدها لطهران.
دكار بين السيستاني وخامنئيوعلى نحو مماثل، اتخذت علاقات إيران والسنغال منذ الثمانينيات شكل دورة القطيعة والعودة. فقد أغلقت داكار السفارة الإيرانية عام 1984، بعد اتهامها بنشر دعاية دينية وتمويل وسائل إعلام وجمعيات محلية، وكان حضور الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في داكار في ديسمبر/كانون الأول 1991 من أولى إشارات الانفراج، قبل أن تعود العلاقات في التسعينيات على قاعدة تعاون اقتصادي.
وبلغ التقارب ذروته في العقد الأول من الألفية، حين غدت السنغال بوابة طهران إلى غرب أفريقيا عبر وعود بمشروع لتكرير النفط ومصنع لتجميع سيارات "سمند"، مقابل دعم داكار حق إيران في التكنولوجيا النووية. لكن المسار انقلب بعد ضبط نيجيريا 13 حاوية سلاح إيرانية عام 2010، واتهام طهران بتسليح متمردي كازامانس الانفصاليين جنوب السنغال؛ فقطعت العلاقات في فبراير/شباط 2011، ثم أعيدت في فبراير/شباط 2013، لتستقر لاحقًا عند مستوى أهدأ قوامه التعاون الاقتصادي والتدريب المهني.
وتشير أستاذة الأنثروبولوجيا والدراسات الإسلامية الأميركية مارا ليختمان، إلى أن صلة السنغال بإيران لم تُبنَ على تحالف سياسي حديث، بل تداخلت مع مجال شيعي محلي سبق الجمهورية الإسلامية، وتردّ جذور هذا المجال إلى الهجرة اللبنانية نحو غرب أفريقيا منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، حين استقر بعض المهاجرين في داكار وعملوا وسطاء في تجارة الفول السوداني خلال الحقبة الاستعمارية. غير أن التشيع لم يكتسب حضورا مؤسسيا إلا مع وصول رجل الدين اللبناني عبد المنعم الزين، الدارس في النجف، إلى السنغال عام 1969، ثم تأسيسه المعهد الإسلامي اللبناني عام 1978. وبحسب تقرير صحفي سنغالي عام 2003 نقلته ليختمان دون أن تتحقق من أرقامه، أنشأ الزين خمسة مساجد ونحو 130 مدرسة دينية خارج داكار، يديرها سنغاليون دربهم بنفسه، ما يعني أن طهران دخلت إلى بنية دينية واجتماعية قائمة ولم تنشئها من الصفر.
ورغم المكانة الاستثنائية للطُرق الصوفية في السنغال، ترى ليختمان أن التصوف لم يكن حاجزا أمام انتشار التشيع. على النقيض، وفّر التصوف جسرا إليه بفضل بعض المشتركات، مثل "الاحتفاء الواسع بآل البيت" والتوسل بالصالحين وزيارة الأضرحة. لذلك قدم بعض المتشيعين انتقالهم لا بوصفه قطيعة مع التصوف أو استقبالا لمذهب وافد، وإنما "عودة إلى الأصل" أو استكمالا لممارسات روحية راسخة، مستندين إلى روايات تربط دخول الإسلام إلى غرب أفريقيا بتأثيرات فاطمية أو إدريسية.
لكن الانتقال لم تحركه الألفة الروحية وحدها، بحسب ما تخلص إليه ليختمان؛ فقد وجد بعض المثقفين السنغاليين في التشيع بديلا نصيا وفكريا عن النموذج الصوفي السائد. وانتقد هؤلاء خضوع المريد للسلطة الشخصية للولي، ورأوا في المرجعية الشيعية والاجتهاد الفقهي والاحتكام إلى المدونات الدينية إطارا أكثر قدرة على تقديم إجابات تفصيلية عن أسئلتهم اللاهوتية والفلسفية. لذلك ارتبط التشيع لدى بعضهم بالبحث عن معرفة دينية منظمة، لا بمجرد تبديل الانتماء المذهبي.
ولم يفرض هذا التحول بالضرورة خروجا كاملا من الطريقة الصوفية؛ إذ رصدت ليختمان هويات دينية هجينة جمعت بين المجالين. فقد ظل بعض القادة نشطين داخل طرق صوفية بارزة، وفي الوقت نفسه، عملوا وكلاء لمراجع شيعية في إيران أو العراق، وأتاحت هذه الازدواجية للمتشيعين الحفاظ على روابطهم العائلية والاجتماعية والروحية، مع تبني مرجعية شيعية بدرجات متفاوتة، بحيث أمكن للفرد أن يظل جزءا من عالمه الصوفي دون التخلي عن انتمائه الجديد. كما ساعد تكييف هذه الشعائر مع البيئة المحلية على ترسيخ هذا التداخل؛ فقد أعاد الشيعة السنغاليون صياغة مناسباتهم في قوالب مألوفة محليا، مستبدلين ممارسات الحزن الجسدي بندوات فكرية وأناشيد دينية ووجبات جماعية تشبه احتفالات المناسبات الصوفية. وبذلك، لم ينشأ التشيع السنغالي في مواجهة التصوف وإنما نما داخل تربته.
"لم ينشأ التشيع السنغالي في مواجهة التصوف وإنما نما داخل تربته"
غير أن وجود جذور محلية للتشيع لا يعني أن إيران بقيت خارج مسار توسعه بين السنغاليين؛ فقد منحت الثورة الإيرانية هذا الحضور دفعة جديدة، سواء بما وفرته من نموذج سياسي وديني ألهم بعض المتشيعين، وفق إشارة ليختمان، أو عبر بناء مؤسسات تعليمية ودعوية مرتبطة بطهران. ومن أبرزها "حوزة الرسول الأكرم" قرب جامعة داكار، التي هدفت إلى تعليم جيل من الفتيان السنغاليين "العقيدة الشيعية" على أيدي شيوخ درسوا في إيران أو لبنان. كما مثّلت المؤسسات التعليمية والثقافية الإيرانية قناة لتكوين طلاب ورجال دين سنغاليين وإدخالهم في شبكات شيعية عابرة للحدود. ومع ذلك، لا توجد إحصاءات حاسمة لحجم التشيع في البلاد؛ إذ تتفاوت التقديرات بشدة، وإن كانت دراسة أجراها معهد "مزدهر" الدولي عام 2021، ونقلها تقرير الخارجية الأميركية للحريات الدينية لعام 2023، تضع عدد الشيعة عند نحو مليون شخص، أي قرابة 6% من السكان، مقابل تقديرات أخرى أقل بكثير.
ثم إن طهران لم تنفرد بتوجيه هذا المجال، فلا يمكن اعتبار التشيع السنغالي امتدادا مباشرا للجمهورية الإسلامية، فقد اتبع العديد من الشيخ عبد المنعم الزين مرجعية علي السيستاني في النجف، التي تقر للفقيه بسلطة دينية وفقهية ودور في بعض الشؤون العامة، دون تبنّي نموذج الحكم المباشر للفقيه على غرار إيران، كما احتفظ كثير من المتشيعين بصلاتهم بالطُرق الصوفية وممارساتهم المحلية، وهو ما جعل التشيع السنغالي حصيلة تفاعل بين تأثير إيراني واضح ومرجعيات شيعية أخرى وبيئة دينية محلية أعادت صياغة المذهب وفق شروطها الخاصة.
تقدم نيجيريا حالة مغايرة يغلب فيها خط "قم" الثوري. وفي مقابل التشيع الأصغر حجما في السنغال، اتسع النطاق في نيجيريا بما يجعلها موطن أكبر تجمع شيعي منظم في غرب أفريقيا، وإن تفاوتت التقديرات بشدة؛ إذ تضع مجموعة الأزمات الدولية نسبة الشيعة بين 2 و3% من السكان، أي ما قد يقارب أربعة ملايين شخص، وتقدرهم مصادر أخرى بنحو ثلاثة ملايين، بينما تأتي أرقام مركز "بيو" أدنى من ذلك بكثير.
وجد التشيع طريقه إلى نيجيريا عبر إبراهيم الزكزكي، الذي بدأ ناشطا في "جمعية الطلبة المسلمين" بجامعة أحمد بيلو في زاريا، متأثرا بفكر حسن البنا وسيد قطب، ومؤمنا بأفضلية الإسلام على الرأسمالية والاشتراكية. وبعد زيارته إيران ضمن وفد طلابي عام 1980، عاد متأثرا برمزية الخميني وخطابه، وجال في جامعات شمال نيجيريا للتعريف بالنموذج الثوري، قبل أن يتحول تدريجيا إلى التشيع بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، ويحول نشاطه الطلابي إلى "الحركة الإسلامية في نيجيريا".
رفضت الحركة شرعية النظام العلماني وطرحت إقامة حكم إسلامي بديل، مع تجنب حصر نفسها في الهوية الشيعية، بما أتاح لها استقطاب مسلمين سنّة ساخطين على الدولة والنخب الدينية. وبمرور الوقت، بنت شبكة مؤسسية موازية امتدت إلى معظم الولايات، ضمت مدارس ومرافق صحية وصحيفة وإذاعة بالهوسا ومنصات إعلامية، إلى جانب جهاز لحراسة فعالياتها.
غير أن هذا التمدد أدى إلى صدام دموي مع الدولة؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2015، اتهم الجيش أتباع الحركة بمحاولة اغتيال رئيس أركانه توكور بوراتاي، ثم شنّ عملية عسكرية استمرت ثلاثة أيام، أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، بحسب تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" الذي وصف هجوم الجيش بأنه "غير مبرر على الإطلاق". كما اعتُقل الزكزكي وزوجته وبقيا رهن الاحتجاز نحو خمس سنوات ونصف، قبل أن تبرّئهما المحكمة العليا في ولاية كادونا في 28 يوليو/تموز 2021، بعد قبولها دفع الدفاع بأن الادعاء لم يقدّم ما يكفي للمضي في المحاكمة، فيما صنّفت الحكومة الحركة "منظمة إرهابية" عام 2019 عقب احتجاجات دامية في أبوجا طالب خلالها المتظاهرون بالإفراج عن الزكزكي.
اللافت أن التوتر بين طهران وأبوجا يسبق الجمهورية الإسلامية، بحسب ما يشير إليه روبرت ستيل؛ فصلات إيران في عهد الشاه بنظام الفصل العنصري كانت محل انتقادات نيجيرية، غير أن الثورة نقلت مصدر هذا التوتر من الاعتراض على علاقات الشاه الخارجية إلى الداخل النيجيري نفسه، مع امتداد تأثير الثورة الإيرانية إلى جماعات محلية وتحوّل النشاط الشيعي إلى موضع خلاف بين الدولتين.
ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا التوتر إلى تعطيل العلاقات الرسمية بين الدولتين؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، استقبلت الخارجية النيجيرية السفير الإيراني الجديد غلام رضا مهدوي رجا، الذي وصف نيجيريا بأنها "بوابة إلى غرب أفريقيا"، فيما انصبت المباحثات على التجارة والاستثمار والطاقة والتعاون متعدد الأطراف، وخلا بيانها الرسمي من أي إشارة إلى الملف الشيعي أو قضية الزكزكي.
يكشف ذلك أن "التصدير العقائدي"، حتى في أكثر صوره تصادما كما في الحالة النيجيرية، ليس امتدادًا آليًا لسياسة إيرانية موحدة، بل جزء من شبكة مؤسسات تتباين وظائفها ومصالحها؛ إذ تدير وزارة الخارجية العلاقات الرسمية، وتبحث شركات الدولة عن الأسواق، وتقدم مؤسسات التنمية المشروعات والخدمات لمد الجسور وتهيئة الاتصال، بينما تتولى الهيئات الثقافية والجامعات نشر التعليم الديني، وتتحرك مؤسسات الحرس الثوري وفيلق القدس في مجالات التسليح والأمن، ولا تعمل هذه المسارات بالضرورة في كل بلد أو تحت قيادة تشغيلية واحدة، لكن الجمع بين القنوات الرسمية والشبكات الأقل علنية يمنح طهران مرونة أكبر، لا سيما تحت ضغط العقوبات.
وتُختبر هذه المرونة اليوم تحت ضغط لم تعرفه طهران من قبل. فبحسب تحليل نشره مركز الجزيرة للدراسات في يونيو/حزيران 2026، تراجعت قدرة إيران على الحركة في القارة بعد الحرب، إذ عُلّق تمويل مؤسسات تعليمية وثقافية إيرانية، بينها جامعة المصطفى العالمية، بما أضعف الشبكات الشيعية في نيجيريا، وتعثّر عرض إيراني لتزويد النيجر بمسيّرات وأنظمة دفاع جوي مقابل اليورانيوم.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحضور الإيراني في أفريقيا بوصفه شبكة من العُقَد الإقليمية المختلفة وظيفيا؛ ففي الغرب، حيث وجدت طهران مجالات دينية قائمة قبل الثورة كما في السنغال ونيجيريا، تقدّمت الجامعات والحوزات والشبكات الاجتماعية على أي حضور اقتصادي، وفي القرن الأفريقي، حيث تتقاطع حسابات الأمن والملاحة، تقدّمت الموانئ والمسيّرات والتنسيق الاستخباراتي، دون أن يقابلها حضور ديني مؤسسي مواز. أما في جنوب القارة، فبقيت المصلحة التجارية المحرك الأول منذ عهد الشاه حتى اليوم، وإن شاركت سفن إيرانية في يناير/كانون الثاني 2026 في مناورات بحرية مع الصين وروسيا قبالة سواحل جنوب أفريقيا، استدعت انتقادًا أميركيًا لبريتوريا. ويجمع هذه الساحات المتباينة قدرةُ طهران على تفكيك أدواتها وإعادة تركيبها بما يلائم كل ساحة على حدة.
إقرأ المزيد


