الديون العالمية تتجاوز 365 تريليون دولار.. تعرف على تكلفتها ونتائجها
الجزيرة.نت -

Published On 23/10/2026

كشفت المظاهرات الواسعة التي شهدتها دول أوروبية مؤخرا عن عمق الأزمة المالية التي تواجهها حكوماتها، والتي ترتبط بشكل أساسي بتصاعد الديون العامة وتزايد أعباء خدمتها، مما يشكل ضغوطا متواصلة على هذه الحكومات ويضعها أمام خيارات صعبة في مواجهة مطالب المحتجين.

وشهدت فرنسا أكبر موجة من الاحتجاجات، حيث شارك فيها أكثر من نصف مليون متظاهر، في حين شهدت إيطاليا وبلجيكا والبرتغال أيضا مظاهرات تندد بارتفاع تكلفة المعيشة وضعف الأجور وقلة المخصصات لقطاع التعليم العام، خاصة في المناطق الفقيرة والمهمشة.

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

واختارت حكومات أوروبية لسنوات طويلة التوسع في الاقتراض لتغطية تكلفة الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم وبرامج الرعاية الاجتماعية، لكن الزيادة الكبيرة في حجم القروض عبر عقود أدت لزيادة تكلفة الفوائد التي تدفعها الحكومات على هذه القروض. وتصاعدت الأزمة بسبب التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي.

وعلى سبيل المثال ارتفعت تكلفة الاقتراض في فرنسا لأعلى مستوياتها منذ عام 2002، مع ارتفاع الفوائد على سندات الخزينة الفرنسية، مما يزيد الأعباء على الحكومة الفرنسية التي يطالبها المحتجون بزيادة نفقاتها على الخدمات.

ولم تكن الحكومات الأوروبية وحدها التي توسعت في الاقتراض، بل لجأت اقتصادات كبيرة مثل الولايات المتحدة والصين واليابان أيضا لزيادة القروض، بدرجات مختلفة.

وكانت النتيجة أن ارتفع الدين العالمي -بما في ذلك ديون الحكومات والأسر والشركات- بمقدار 10 تريليونات دولار في النصف الأول من عام 2026، ليصل إلى أكثر من 365 تريليون دولار، وفقا لمعهد التمويل الدولي، وهذا يعادل تقريبا 44 ألف دولار لكل فرد في العالم.

مظاهرات واسعة في فرنسا تطالب بزيادة مخصصات التعليم والرعاية الاجتماعية (غيتي)
كيف تقترض الحكومات؟

تقترض الحكومات الأموال تماما كما يفعل الأفراد، لكنها بدلا من اللجوء إلى البنوك، تقوم الحكومات ببيع السندات للجهات والأفراد الذين تقترض منهم، مما يعني أن حملة السندات هم من قدموا القروض للحكومات التي تصدرها.

إعلان

وفي المقابل، تدفع الحكومة للمشترين فوائد بنسبة ثابتة، وتتعهد بسداد المبلغ كاملا في تاريخ محدد. وعلى سبيل المثال فإن السندات لأجل عشر سنوات هي قرض تسدده الحكومة بعد مرور عقد من الزمن.

أما عائد هذه السندات، وهو الفائدة التي يحصل عليها حاملو السندات، فهو مؤشر مهم في الأسواق المالية لمدى ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة المصدرة للسندات على سداد ديونها.

ما الطريقة التي تتم بها القروض؟

تقترض الحكومات عبر إصدار السندات لآجال مختلفة بالشكل التالي:

  • تصدر الحكومة عبر وزارة الخزانة عادة سندات، ولتكن لأجل 10 سنوات، بقيمة 100 دولار على سبيل المثال.
  • لو كانت الفائدة على السندات هي 5%، فهذا يعني أن الحكومة تدفع لمن يحمل سندا بقيمة 100 دولار مبلغ 5 دولارات سنويا، وهذا يعني إجمالا 50 دولارا خلال 10 سنوات.
  • بعد 10 سنوات تعيد الحكومة سداد قيمة السند، وهي 100 دولار في هذه الحالة، إلى حامل السند.
مظاهرات في روما احتجاجا على ارتفاع تكلفة المعيشة (رويترز)
ماذا يحدث عندما يصبح الاقتراض أكثر تكلفة؟

عندما تنخفض قيمة السندات في البورصات يرتفع بالتبعية سعر الفائدة عليها، إذ إن العلاقة عكسية بين قيمة السند والفائدة الثابتة عليه.

وعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة السند هي 100 دولار والفائدة عليه 5% فهذا يعني أن الحكومة التي أصدرت السند سوف تدفع لحامله 5 دولارات سنويا، وهي فائدة ثابتة.

وإذا تراجعت قيمة السند في الأسواق المالية لتصبح مثلا 90 دولارا فإن مبلغ خمسة دولارات التي تلتزم الحكومة بدفعها يمثل في هذه الحالة نسبة 5.5% تقريبا. وبالتالي، ارتفعت الفائدة من 5% إلى 5.5% على نفس السند مع تراجع قيمته في البورصة.

ونظرا لأن الحكومات تقترض مبالغ هائلة تقدر بمليارات الدولارات، فإن كل زيادة ولو بسيطة في الفائدة التي يجب أن تدفعها لحاملي السندات تعني زيادة الأعباء التي تتحملها في موازناتها.

ومن ثم، فإن كل زيادة في تكلفة السندات الحكومية تستهلك جانبا أكبر من موارد الدولة وتجعل الحكومات عاجزة عن تلبية مطالب المحتجين الذين يطالبون بنفقات أكبر على التعليم والإسكان والطرق ومعاشات التقاعد وغيرها.

ما أعلى 10 دول أوروبية من حيث الفائدة على السندات؟

حسب بيانات موقع إنفستينج دوت كوم، فإن ترتيب الدول الأوروبية من حيث الفائدة على السندات لأجل 10 سنوات كما يلي خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري:

  • المملكة المتحدة: 5.38%
  • فرنسا: 4.9%
  • إيطاليا: 4.48%
  • ليتوانيا: 4.42%
  • سلوفاكيا: 4.36%
  • مالطا: 4.34%
  • اليونان: 4.33%
  • بلجيكا: 4.26%
  • كرواتيا: 4.14%
  • قبرص: 4.03%
وزراة الخزانة الأمريكية تصدر أكبر حجم من سندات الخزانة عالميا (رويترز)
ما أكثر الدول المدينة في العالم؟

تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المدينة في العالم، حيث بلغت ديون الحكومة الأمريكية أكثر من 41 تريليون دولار، ما يمثل نحو 127% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر في العالم فإن نفقات الحكومة الأمريكية الهائلة تتجاوز إيراداتها، والنتيجة وجود عجز دائم في الموازنة الأمريكية تقوم واشنطن بتمويله من خلال إصدار سندات الخزانة الأمريكية لآجال مختلفة.

وتستفيد الحكومة الأمريكية من ميزة مهمة عند الاقتراض، وهي أنها تصدر سندات بالدولار الأمريكي، الذي لا يزال العملة الأولى للاحتياطيات والمبادلات الدولية في العالم، وبالتالي تحظى السندات الأمريكية الهائلة بالإقبال من قبل حكومات وصناديق استثمار ومؤسسات مختلفة عبر العالم.

إعلان

لكن هناك تحذيرات من قبل اقتصاديين من الحجم الهائل للديون الأمريكية وضرورة وضع حدود لزيادته بشكل مستمر، وذلك بتخفيض العجز الضخم في الموازنة الأمريكية.

تأتي الصين، التي لديها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في المرتبة الثانية من حيث حجم الديون الحكومية بقيمة 22.5 تريليون دولار أي نحو 104% من الناتج المحلي الإجمالي، وبعدها اليابان بحجم ديون يصل إلى 8.7 تريليونات دولار، لكن نسبة هذا الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة للغاية وتصل إلى 199%، وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

وفي أوروبا، تتصدر المملكة المتحدة قائمة الدول المدينة بحجم ديون يصل إلى 4.2 تريليونات دولار، تليها فرنسا بديون تصل إلى 4.2 تريليونات دولار، لكن نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا حوالي 102% وهي أقل من فرنسا التي تصل بها هذه النسبة إلى 119%.

ويلاحظ أن إيطاليا فيها أعلى نسبة ديون إلى حجم الناتج المحلي، حيث تبلغ هذه النسبة 138%، وفق صندوق النقد الدولي، وهذا يعني أن في كل من فرنسا وإيطاليا أزمة ديون كبيرة، وهي أزمة تلاحق حكومتي البلدين وتتطلب قرارات مؤثرة للتعامل معها بتخفيض النفقات بهدف تخفيض العجز في الموازنة العامة لتقليل الديون.

وبالمقابل، فإن ألمانيا حرصت دوما عبر عقود على الحد من الاقتراض، ولا تتجاوز ديونها العامة نسبة 65% من اقتصادها الضخم الذي يُعد الأكبر في منطقة اليورو، تليها فرنسا ثم إيطاليا.

كم تبلغ فاتورة الفوائد على الديون؟

تمت الإشارة إلى أن الدين العالمي بلغ 365 تريليون دولار في النصف الأول من عام 2026. وهذا الرقم الهائل من الديون يعني أن الحكومات تتحمل أعباء كبيرة لسداد الفوائد على ديونها.

وتوضح بيانات معهد التمويل الدولي أن الاقتصادات المتقدمة دفعت أكثر من 3.3 تريليونات دولار كفوائد على سنداتها الحكومية خلال العام الماضي. وهذا المبلغ يفوق ما ينفقه العالم على الدفاع (3.1 تريليونات دولار)، أو الذكاء الاصطناعي (2.6 تريليون دولار)، أو الطاقة النظيفة (2.3 تريليون دولار).

وكما ذكرنا فإنه كلما ارتفعت الفوائد على الديون الحكومية تراجعت قدرة الحكومات على توفير الأموال اللازمة للخدمات والاستثمار، وتصبح البدائل المتاحة لها هي:

  • تخفيض النفقات العامة على الصحة والتعليم والإسكان ومعاشات التقاعد وغيرها.
  • أو زيادة الضرائب.
  • أو المزيد من القروض، وهو ما يعني المزيد من أعباء فوائد الديون التي هي أصلا مشكلة كبيرة لكثير من الدول.

وكل هذه البدائل تتحمل ثمنها قطاعات واسعة من المواطنين الذين لا تستطيع الحكومات تحقيق مطالبهم.

وتزداد صعوبة الأمر في ظل وجود مستويات مرتفعة من التضخم، خاصة مع ارتفاع تكلفة الطاقة، لأن هذا قد يستلزم رفع سعر الفائدة من قبل البنوك المركزية، مما يعني زيادة أعباء القروض العقارية والشخصية التي يتحملها المواطنون.



إقرأ المزيد