هل يعيد الحريديم رسم خريطة التحالفات السياسية في إسرائيل؟
الجزيرة.نت -

Published On 23/10/2026

|

آخر تحديث: 21:29 (توقيت مكة)

في مشهد سياسي إسرائيلي يتسم بالاستقطاب الحاد وتقارب حظوظ معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه، تبرز أصوات اليهود الحريديم بوصفها إحدى الأوراق الحاسمة في معركة الانتخابات المقررة الثلاثاء المقبل، وسط تساؤلات بشأن قدرتهم على ترجيح كفة اليمين مجددا، أو التخلي عن حليفه التقليدي بسبب الخلافات المتصاعدة حول إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

لم تأتِ هذه المكانة من فراغ، كما يشير تقرير بثته الجزيرة، بل تشكلت عبر عقود من التفاهمات السياسية والصفقات الائتلافية التي حوّلت الأحزاب الحريدية من تيار ديني متحفظ إزاء المشروع الصهيوني إلى قوة برلمانية يصعب على معظم الأحزاب الإسرائيلية تجاوزها عند السعي إلى تشكيل الحكومات.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

والحريديم، وهم تيار من اليهود الأرثوذكس المتشددين، يتمسكون بتطبيق صارم للشريعة اليهودية، ويعيش كثير منهم ضمن مجتمعات مغلقة نسبيا، تتمحور حياتها حول الدراسة الدينية والتقاليد المحافظة. وقد انعكست هذه الخصوصية على خياراتهم السياسية، التي ترتبط إلى حد كبير بالحفاظ على استقلال مؤسساتهم التعليمية والدينية، وضمان الإعفاءات العسكرية لأبنائهم.

من التحفظ على الصهيونية إلى التأثير في الحكم

تعود جذور التنظيم السياسي للحريديم إلى ما قبل قيام إسرائيل، مع تأسيس حركة "أغودات إسرائيل" عام 1912، لتكون مظلة سياسية تمثل قطاعات من اليهود الأرثوذكس. وقد اتخذت الحركة مواقف متحفظة تجاه الصهيونية، انطلاقا من اعتقاد بعض تياراتها أن إقامة الدولة اليهودية ينبغي أن ترتبط بتحقق إرادة إلهية، لا بمشروع سياسي علماني.

ومع اقتراب قيام إسرائيل، سعى قادة الحركة الصهيونية إلى الحصول على دعم ديني يساهم في منح الدولة الناشئة شرعية داخل المجتمع اليهودي. وفي هذا السياق، توصل دافيد بن غوريون إلى تفاهمات مع ممثلي الحريديم عرفت باسم "الوضع القائم"، تضمنت ترتيبات خاصة للمؤسسات الدينية والأحوال الشخصية، إلى جانب إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية وفق شروط محددة.

إعلان

ومقابل هذه الامتيازات، انخرطت الأحزاب الحريدية في الحياة السياسية، وشاركت في ترتيبات الحكم، قبل أن تتوتر العلاقة مع الحكومات بشأن قضايا دينية واجتماعية، ما دفعها في مراحل لاحقة إلى الابتعاد عن الائتلافات الحكومية والاكتفاء بدور المعارضة أو الدعم البرلماني من خارجها.

1977.. نقطة التحول في صعود الحريديم

مثلت انتخابات عام 1977 محطة مفصلية في تاريخ نفوذ الحريديم، حين دعموا ائتلاف الليكود بقيادة مناحيم بيغن، الذي أنهى عقودا من هيمنة حزب العمل على الحكم. وفي المقابل، حصلت الأحزاب الدينية على تعهدات تتعلق بتوسيع بعض الامتيازات الدينية، وتشديد القيود على الإجهاض، ووقف رحلات شركة "العال" للطيران يوم السبت، إلى جانب توسيع نطاق إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

ومنذ ذلك التحول، تعزز دور الأحزاب الحريدية باعتبارها قوة قادرة على ترجيح كفة المعسكرات المتنافسة، لا سيما في ظل صعوبة حصول الأحزاب الكبرى على أغلبية برلمانية مستقرة بمفردها.

ويشرح أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلية ناتانيل فيشر أن الأحزاب الحريدية تحولت إلى قوة مرجحة تستطيع تجاوز الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، والإسهام في صناعة القادة الذين يصلون إلى السلطة، مشيرا إلى أن حزب الليكود كان من أبرز المستفيدين من هذا التحالف.

ولم يقتصر تأثير الحريديم على السياسة العامة، بل امتد إلى الانتخابات المحلية. ففي القدس، ساهم دعمهم عام 1993 في وصول إيهود أولمرت، مرشح الليكود، إلى رئاسة البلدية، بعد خسارة تيدي كوليك، الذي ظل في المنصب لعقود. وشكلت تلك النتيجة مثالا على قدرة أصواتهم المنظمة على تغيير موازين القوى حتى في المعارك الانتخابية المحلية.

نتنياهو والحريديم.. تحالف طويل ومصالح متبادلة

ظهر تأثير الحريديم بوضوح في انتخابات عام 1996، عندما ساهم دعم الأحزاب الدينية في فوز بنيامين نتنياهو برئاسة الوزراء للمرة الأولى، في مواجهة شيمون بيريز. وعززت حملة انتخابية حملت شعار "نتنياهو جيد لليهود"، إلى جانب مواقف دينية داعمة له، قدرة الليكود على حشد الناخبين المحافظين.

ومنذ ذلك الحين، شكلت الأحزاب الحريدية شريكا مهما في عدد من الحكومات التي قادها نتنياهو، وحصلت على حقائب وزارية ومواقع مؤثرة في لجان الكنيست، مقابل دعمها الائتلافات التي تضمن بقاءه في السلطة.

وفي المقابل، عملت هذه الأحزاب على حماية مصالح قواعدها الانتخابية، خصوصا في مجالات التعليم الديني والإعفاءات العسكرية وتمويل المؤسسات الدينية. كما سعت إلى توسيع حضور المرجعيات الدينية في التشريعات المنظمة للحياة العامة، بما يتصل بقواعد الطعام الحلال، وشؤون الأحوال الشخصية، والقيود المفروضة على بعض الأنشطة يوم السبت.

ووفق تقرير الجزيرة، شهدت مخصصات مؤسسات التعليم الحريدي ارتفاعا تجاوز 600% بين عامي 1980 و1998، في وقت تمسكت فيه بعض هذه المؤسسات بمناهج تركز على الدراسات الدينية وتحد من تدريس مواد علمانية، مثل الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية.

وتستند قوة الحريديم أيضا إلى نموهم السكاني ومعدلات الإنجاب المرتفعة نسبيا، ما أدى إلى اتساع وزنهم داخل المجتمع الإسرائيلي. ويقدر التقرير نسبتهم بنحو 14% من السكان، مع كتلة برلمانية تتراوح بين 16 و18 مقعدا، وهي كتلة يمكن أن يكون لها تأثير حاسم في تشكيل الحكومات وتحديد قدرتها على الاستمرار.

أزمة التجنيد تهدد التحالف التقليدي

لكن التحالف بين نتنياهو والأحزاب الحريدية يواجه اختبارا صعبا على خلفية قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، التي تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل إسرائيل.

إعلان

فبعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبتها، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى استمرار إعفاء قطاعات واسعة من الشباب الحريدي من الخدمة، في وقت تحمل فيه جنود الاحتياط وأسرهم أعباء عسكرية متزايدة. ويرى منتقدو الإعفاءات أن استمرارها يكرس تفاوتا في توزيع المسؤوليات، بينما تتمسك الأحزاب الحريدية بأن دراسة التوراة تمثل واجبا دينيا أساسيا ينبغي حمايته.

وقد وضع هذا الخلاف حكومة نتنياهو أمام معادلة معقدة؛ فالحفاظ على دعم الأحزاب الحريدية ضروري لاستقرار الائتلاف، لكن الاستجابة لمطالبها بشأن التجنيد قد تزيد الغضب لدى قطاعات أخرى من الإسرائيليين، بما فيها فئات من اليمين الداعم لليكود.

وفي المقابل، فإن فرض ترتيبات أكثر صرامة للتجنيد قد يدفع الأحزاب الحريدية إلى إعادة النظر في دعمها للحكومة، أو استخدام أصواتها البرلمانية للضغط على نتنياهو وانتزاع تنازلات جديدة.

انتخابات 2026.. هل يتخلى الحريديم عن نتنياهو؟

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المبكرة المقررة ليوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يعود السؤال بشأن مستقبل التحالف بين الليكود والأحزاب الحريدية إلى الواجهة. ففي ظل تقارب حظوظ معسكر نتنياهو ومعارضيه بحسب استطلاعات الرأي التي يستند إليها التقرير، قد تتحول أصوات الحريديم إلى عامل حاسم في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل.

ويواجه الحريديم بدورهم خيارات دقيقة: فدعم نتنياهو قد يضمن استمرار التفاهمات التي حافظت على امتيازاتهم الدينية والتعليمية، لكنه قد يحملهم كلفة سياسية متزايدة بسبب أزمة التجنيد. أما الابتعاد عن الليكود، فقد يمنحهم فرصة للتفاوض مع أطراف أخرى، لكنه يثير تساؤلات بشأن قدرتهم على حماية مصالحهم في ظل اختلاف مواقف الأحزاب الإسرائيلية من مطالبهم.

ولا يعني ذلك أن الحريديم كتلة متجانسة تماما أو أن جميع ناخبيهم يتخذون خياراتهم بالطريقة نفسها؛ فداخل المجتمع الحريدي تيارات وأحزاب متعددة، لكل منها مرجعياته وحساباته، وإن كانت المصالح الدينية والاجتماعية المشتركة تمنحها قدرة ملحوظة على التأثير في المفاوضات السياسية.



إقرأ المزيد