الجزيرة.نت - 10/23/2026 8:32:07 PM - GMT (+3 )
الكرك- تحولت قرية حمود، الواقعة شمال شرقي مدينة الكرك جنوبي الأردن، الجمعة، إلى مسرح لهجوم مسلح استهدف مشيعين داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس. و أطلق مسلحون النار على المشاركين في الجنازة، مما أدى إلى مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة 34 آخرون، حسب معطيات الأمن العام الأردني.
وأعاد الحادث إلى الواجهة ذاكرة أحداث دامية شهدتها المحافظة خلال العقد الماضي، من مأساة الطيار الأردني معاذ الكساسبة إلى هجمات قلعة الكرك عام 2016.
ويأتي الهجوم الأخير بعد نحو عشر سنوات من أحداث قلعة الكرك، في محافظة ينحدر منها الطيار معاذ الكساسبة، الذي وقع أسيراً بيد تنظيم الدولة في سوريا أواخر عام 2014، قبل أن يعلن التنظيم مقتله حرقاً مطلع عام 2015، في حادثة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل الأردن وخارجه.
يقول أحد شهود العيان، للجزيرة نت، إن الهجوم وقع قرابة الساعة الثانية بعد الظهر، بعد نحو عشر دقائق من وصول جثمان الراحلة إلى ساحة الكنيسة، بينما كان المشيعون يستعدون لاستكمال مراسم الجنازة.
وأضاف أن الحاضرين فوجئوا بإطلاق نار كثيف استهدف المشيعين، مما تسبب في حالة من الفوضى والذعر، قبل أن يحاول بعض الموجودين معرفة مصدر الرصاص والاحتماء منه.
وحسب رواية الشاهد ذاته، فقد رأى الحاضرون عددا من المسلحين ملثمين يحملون أسلحة رشاشة ويطلقون النار باتجاه الأشخاص الموجودين، وكذلك نحو النوافذ والأبواب الزجاجية للكنيسة. وأوضح أن شهوداً تحدثوا عن أربعة مهاجمين وسيارتين، وهي رواية لم تؤكدها السلطات رسمياً.
وفي شهادة أخرى، قال أحد الموجودين داخل الكنيسة إن المشاركين سمعوا أصواتاً قوية تشبه الانفجارات بعد بدء الصلاة، أعقبها إطلاق نار متواصل، مشيراً إلى سقوط عدد من المشيعين أرضاً، بينهم أشخاص تعرضوا لإصابات بالغة.
إعلان
وتحدث شاهد آخر عن مسلحين وصلا بسيارة وأطلقا النار لمدة قاربت خمس دقائق قبل مغادرة المكان، مقدراً عدد الموجودين داخل الكنيسة وخارجها بما يتراوح بين 150 و200 شخص.
وتكشف هذه الشهادات، رغم اختلافها بشأن عدد المهاجمين والمركبات، حجم الارتباك الذي ساد المكان في اللحظات الأولى للهجوم، بينما تولت فرق الدفاع المدني نقل المصابين إلى المستشفيات.
لم تكن قرية حمود معروفة خارج محيطها المحلي رغم ما تحتفظ به من إرث اجتماعي وديني وتراثي. تتبع القرية إدارياً لواء القصر في محافظة الكرك، وتقع على مسافة تقارب 25 كيلومتراً شمال شرقي مركز المحافظة، ونحو 7 كيلومترات شرقي مركز اللواء.
وتتميز قرية حمود بطابعها العائلي والتراثي، إذ تقطنها عشيرة الهلسة منذ مئات السنين، وتحتفظ بمنازل حجرية قديمة ومعالم من الذاكرة الريفية، من بينها مطحنة تاريخية ارتبطت بالحياة الزراعية والاجتماعية للسكان. وتقع فيها كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس، التي تأسست عام 1985، وشهدت احداث الهجوم المسلح خلال مراسم تشييع السيدة مثال الهلسا، المعروفة بأم ليث.
في حين ارتبط إسم محافظة الكرك بمحطات مؤلمة في مواجهة "الإرهاب"، وأصبحت بعض قراها ومواقعها التاريخية شاهدة على وقائع تركت آثاراً عميقة في الذاكرة المحلية والوطنية.
ولا يمكن استحضار ذاكرة الكرك مع الهجمات المسلحة من دون التوقف عند قصة الطيار الأردني معاذ صافي يوسف الكساسبة.
وُلد الكساسبة في 29 مايو/أيار 1988 لأسرة عمل والداه فيها في قطاع التعليم. وأنهى دراسته الثانوية في الكرك قبل التحاقه بكلية الحسين الملكية للطيران، التي تخرج فيها عام 2009، لينضم إلى سلاح الجو الملكي الأردني ويتدرج في عمله حتى وصوله إلى رتبة ملازم أول.
وفي 24 ديسمبر/كانون الأول 2014، سقطت طائرته الحربية من طراز "إف-16" فوق محافظة الرقة شمال شرقي سورية، أثناء مشاركته في مهمة عسكرية ضمن عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة.
وفي الثالث من فبراير/شباط 2015، بث التنظيم تسجيلاً مصوراً يظهر إعدام الطيار الأردني حرقاً، فيما أعلنت السلطات الأردنية أن عملية قتله وقعت في الثالث من يناير/كانون الثاني من العام نفسه.
وبالنسبة إلى الكرك، لم تكن الحادثة مجرد خبر عن طيار وقع في الأسر، بل مأساة طالت أحد أبنائها، وظلت حاضرة في الذاكرة العامة بوصفها واحدة من أكثر الجرائم التي ارتكبها التنظيم إثارة للصدمة.
بعد أقل من عامين على مقتل الكساسبة، عادت محافظة الكرك إلى واجهة الأحداث الأمنية، عندما شهدت في 18 ديسمبر/كانون الأول 2016 سلسلة هجمات مسلحة استهدفت مواقع أمنية ومدنية، امتدت إلى قلعتها التاريخية.
وتحولت القلعة، التي تعد من أبرز المعالم الأثرية في الأردن، إلى موقع لمواجهات مسلحة واحتجاز رهائن، في أحداث أسفرت عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة من أفراد الأجهزة الأمنية وسائحة كندية، فضلاً عن إصابة العشرات.
إعلان
وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2016، أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن الهجوم، وقال إن أربعة من عناصره نفذوا العملية باستخدام أسلحة رشاشة وقنابل يدوية.
وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2016، شهدت قرية قريفلا، التابعة للواء قصبة الكرك، عملية أمنية نفذتها الأجهزة الأمنية الأردنية، بعد يومين من الهجوم المسلح على قلعة الكرك. وتقع القرية ضمن قضاء الكرك.
وجاءت العملية في إطار ملاحقة مشتبه بارتباطهم بالخلية التي نفذت هجوم قلعة الكرك.
وانتهت المواجهات بمقتل أحد المطلوبين والقبض على آخر، بعد تبادل كثيف لإطلاق النار وتطويق المنطقة، لتشكل أحداث قريفلا محطة أمنية دامية أخرى شهدتها محافظة الكرك في ديسمبر/كانون الأول 2016.
إدانة رسمية للهجومعقب هجوم كنيسة حمود، توعد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بمواجهة منفذي الهجوم بأشد العقوبات، مؤكدا أن محاولات زعزعة وحدة الأردنيين لن تنجح.
وقال الملك عبر منصة "إكس": "من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا"، مشددا على أن جميع الأردنيين، من شمال البلاد إلى جنوبها، شركاء في الأرض والموقف، وأن الدولة ستضرب بيد من حديد كل من يتطاول على الوطن.
من جانبه، وصف وزير الداخلية الأردني مازن الفراية الهجوم بأنه "عملية إرهابية" نفذها مجموعة من المتطرفين، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية تعمل على مدار الساعة للوصول إلى الجناة، وأن الحكومة ستقدم الدعم اللازم لأسر الضحايا والمصابين.
من لواء عي الذي نشأ فيه معاذ الكساسبة، إلى قلعة الكرك التي شهدت مواجهات عام 2016، وصولاً إلى قرية حمود وكنيستها، تتوزع في المحافظة مواقع ارتبطت بأحداث عنف مختلفة في ظروفها وملابساتها.
لكن ما يجمع هذه الأحداث في ذاكرة المحافظة هو وقوعها في أماكن ذات حضور اجتماعي ورمزي لدى سكان الكرك، من مسقط رأس طيار أردني إلى قلعة تاريخية، ثم كنيسة اجتمع فيها الأهالي لتوديع إحدى نساء قريته.
إقرأ المزيد


