الجزيرة.نت - 10/23/2026 9:09:26 AM - GMT (+3 )
لا تبدأ معركة الذكاء الاصطناعي دائما في مصانع الرقائق، ولا تنتهي عند أبواب مراكز البيانات التي تلتهم خوادِمُها الكهرباء. ففي مكان آخر من هذا السباق، قد يكون الفارق بين شركة تقترب من حدود التقنية وأخرى تتقدم عليها باحثا واحدا، أو فريقا قادرا على تحويل فكرة إلى نموذج يُغيّر قواعد المنافسة.
لذلك لم تعد المنافسة المحتدمة على الذكاء الاصطناعي تدور حول من يمتلك الحواسيب الأقوى والرقائق الأكثر تقدما فحسب، بل حول من يستطيع استقطاب العقول التي تعرف كيف تستخدم هذه الموارد لدفع التكنولوجيا إلى الأمام.
وبين الولايات المتحدة والصين، تتخذ هذه المنافسة شكلا متزايد الحدة، بين دول تسعى إلى تدريب الكفاءات والاحتفاظ بها، وشركات تتنافس على الباحثين الأكثر خبرة، ومواهب تتحرك بين الجامعات والمختبرات والشركات الناشئة، حاملة معها معرفة قد تستغرق سنوات لبنائها.
لكن ما الذي يدفع الباحث إلى اختيار بلد أو شركة دون أخرى؟ وهل تكفي الرواتب الضخمة لاستقطاب أفضل العقول، أم أن الفرص البحثية والبيئة المحفزة للابتكار تلعب دورا لا يقل أهمية؟ وإلى أي مدى يمكن لتحركات هؤلاء الباحثين أن تعيد رسم خريطة القوة في صناعة باتت تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى الاقتصاد والأمن القومي؟
الصين تنتج العقول وأمريكا تستقطبهاتكشف بيانات دراسة "من يتقدم في سباق مواهب الذكاء الاصطناعي العالمي؟" (Who’s Ahead in the Global AI Talent Race)، التي أعدها داميان ما وبيني يانغ ونشرتها "كارنيغي الصين" (Carnegie China) في 23 سبتمبر/أيلول 2026، تحولا لافتا في التوزيع الجغرافي لنخبة الباحثين. فبحسب عينة الدراسة من الباحثين الذين نشروا أبحاثا في مؤتمر "نظم معالجة المعلومات العصبية" (NeurIPS)، ارتفعت حصة من يعملون في مؤسسات صينية من 27% عام 2022 إلى 41% عام 2025، في حين تراجعت حصة العاملين في مؤسسات أمريكية من 46% إلى 34%.
إعلان
ولا تعني هذه الأرقام أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في جميع جوانب الذكاء الاصطناعي، إذ تركز الدراسة على عينة من الباحثين ذوي المسارات المهنية المكتملة، ممن نشروا أبحاثا في مؤتمر متخصص، ولا تمثل جميع العاملين في صناعة الذكاء الاصطناعي حول العالم. لكنها تشير إلى تغير مهم في مواقع عمل الباحثين الذين يسهمون في تطوير الأبحاث المتقدمة.
وتقول بيني يانغ، المشاركة في إعداد الدراسة، ومستشارة بدوام جزئي لدى "كارنيغي الصين"، وباحثة ما بعد الدكتوراه في معهد الصين بجامعة ألبرتا الكندية، إن الولايات المتحدة والصين عززتا تركيزهما على نقاط القوة المختلفة لكل منهما في مجال المواهب، وتركز أبحاث يانغ على الاقتصاد السياسي الصيني، والسياسات الصناعية، والمنافسة التكنولوجية، وإستراتيجيات الشركات الصينية في ظل التحولات الاقتصادية والتنافس الجيوسياسي.
وتضيف يانغ، في تصريحات للجزيرة نت، أن الصين أصبحت، وفق تقييمها، أكبر دولة في العالم من حيث إنتاج الكفاءات المتميزة في الذكاء الاصطناعي، في حين تواصل الولايات المتحدة تصدرها بوصفها الوجهة الأكثر جذبا لهذه المواهب، مشيرة إلى أن الدولتين تحتلان موقعا متقدما بفارق واضح عن بقية دول العالم في هذين الجانبين.
وتضيف أن الصين أصبحت أكثر قدرة على الاحتفاظ بكفاءاتها المحلية، لكن نحو نصف المواهب الصينية التي تغادر البلاد ينتهي بها المطاف في الولايات المتحدة. ويعكس ذلك، بحسب تقييمها، اختلاف الدور الذي يؤديه البلدان في خريطة المواهب العالمية، الصين بوصفها مصدرا رئيسيا للكفاءات المتخصصة، والولايات المتحدة وجهة رئيسية لاستقطابهم.
وتظهر المنافسة أيضا في وتيرة تطوير النماذج المتقدمة، وتقول يانغ إن هذا السباق يتجلى كل بضعة أشهر، عندما يطرح مختبر أمريكي أحدث نماذجه، قبل أن يتبعه مختبر صيني بنموذج منافس بعد فترة قصيرة نسبيا.
وترى أن هذه الوتيرة المتسارعة ما كانت لتتحقق من دون نخبة الباحثين الذين يتولون بناء النماذج وتدريبها، ويُسهمون في تطوير قدراتها. وتؤكد أن المنافسة على مستوى النماذج الرائدة تظل متركزة أساسا بين الولايات المتحدة والصين، لأن البلدين يمتلكان أكبر تجمعات المواهب البحثية المتميزة في هذا المجال.
من يصنع العقول ومن ينجح في الاحتفاظ بها؟لكن ارتفاع حصة الباحثين العاملين في مؤسسات صينية لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات التي استقطبتها. فالصورة أكثر تعقيدا من انتقال المواهب في اتجاه واحد، حسب ما توضحه دراسة بعنوان "هل بقي كبار الباحثين الصينيين في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؟" (Have Top Chinese AI Researchers Stayed in the United States)، نشرت في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" (Carnegie Endowments For International Peace) في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وتتبعت الدراسة مسارات 100 باحث من أصول صينية كانوا يعملون في مؤسسات أمريكية عام 2019، ووجدت أن 87 منهم ظلوا يعملون في مؤسسات أمريكية بحلول عام 2025، مقابل 10 انتقلوا إلى مؤسسات صينية و3 إلى مؤسسات في دول أخرى.
إعلان
وتشير هذه النتائج إلى استمرار قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بجزء كبير من الباحثين المشمولين بالعينة، لكنها لا تعني أنها تحتفظ بالنسبة نفسها من جميع الباحثين الدوليين، أو من كل الكفاءات الصينية. فالدراسة تتناول مجموعة محددة من الباحثين من أصول صينية كانوا يعملون في مؤسسات أمريكية عند بدء التتبع، ولا تقيس جميع المواهب الجديدة التي دخلت سوق العمل أو اختارت وجهات أخرى.
ومن جهته، يرى جاكوب فيلدغويز، كبير محللي أبحاث البيانات في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة (CSET) بجامعة جورج تاون الأمريكية، أن تزايد نسبة الباحثين في الذكاء الاصطناعي من أصول صينية الذين يختارون البقاء في الصين أو العودة إليها يمثل أحد أهم التحولات الهيكلية الجارية في توزيع المواهب العلمية والتقنية. ويشير في حديثه للجزيرة نت، إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عموما.
ويتيح الجمع بين الدراستين النظر إلى المنافسة من زاويتين مختلفتين، فالأولى ترصد تغير مواقع عمل عينة من الباحثين الذين ينشرون أبحاثا متقدمة، والثانية تتتبّع المسارات المهنية لمجموعة من الباحثين من أصول صينية كانوا يعملون في الولايات المتحدة. ولا تقيس أي منهما وحدها مجمل حركة المواهب العالمية، لكنهما تقدمان مؤشرات على استمرار جاذبية البيئة البحثية الأمريكية بالتزامن مع تزايد قدرة الصين على استبقاء كفاءاتها واستعادتها.
قيود الهجرة.. ثغرة في جدار التفوق الأمريكيلا تتحدد وجهة الباحثين بالفرص العلمية والموارد التقنية وحدها، إذ تؤثر السياسات الحكومية والعلاقات الدولية أيضا في قراراتهم. ويقول فيلدغويز للجزيرة نت، إن التوترات بين الولايات المتحدة والصين تمثل أحد العوامل التي قد تثني الباحثين الصينيين في الذكاء الاصطناعي عن العمل في الولايات المتحدة، كما قد تثني الطلاب الصينيين المتخصصين في المجالات المرتبطة به عن الدراسة فيها.
ويضيف أن الأدلة تشير إلى أن القيود الأمريكية على الهجرة تجعل من الصعب على الكفاءات الدولية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الإقامة والعمل في البلاد، وهو ما يقلل من قدرتها التنافسية على استقطاب هذه المواهب.
وتبرز أهمية هذه القيود في ضوء الدور الذي تؤديه الجامعات الأمريكية في إعداد الباحثين. فبحسب فيلدغويز، تلقى العديد من الباحثين الدوليين العاملين لدى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تدريبهم من خلال برامج الدكتوراه في الجامعات الأمريكية، التي تمثل مصدرا رئيسيا للكفاءات البحثية المتخصصة في هذا المجال.
ويستشهد فيلدغويز بدراسة استقصائية أجراها مع زملائه عام 2020 بعنوان "مسارات الهجرة وخطط الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي" (Immigration Pathways and Plans of AI Talent)، منشورة عبر موقع مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون، شملت خريجين حديثين من برامج رائدة في الذكاء الاصطناعي بالجامعات الأمريكية، ووجدت أن نحو ثلث المشاركين الذين غادروا البلاد اعتبروا الهجرة عاملا رئيسيا في قرارهم.
لكنه لا يرى أن هذه العوامل ألغت مزايا الولايات المتحدة في المنافسة على الباحثين، إذ لا تزال الإنجازات التقنية التي تحققها شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، إلى جانب الوفرة النسبية في القدرة الحاسوبية المتاحة لديها، تجعلها وجهة جذابة للغاية للباحثين من مختلف أنحاء العالم.
إعلان
وتكشف هذه المفارقة أن جاذبية الدول للكفاءات لا تتحدد بعامل واحد. فقد تؤثر قيود الهجرة والتوترات السياسية في قرارات الباحثين، لكن الإنجازات العلمية والموارد المتاحة والفرص المهنية قد تظل عوامل جذب قوية في الوقت نفسه.
الرواتب وحدها لا تحسم المنافسةإذا كانت السياسات والقيود على الهجرة تؤثر في اختيار الوجهة، فإن العوامل التي تجذب الباحثين إلى شركة أو بلد بعينه تتجاوز أيضا قيمة الراتب. وترى يانغ أن التعويضات المالية لم تعد العامل الأكثر حسما في تحديد الوجهة التي ينتهي إليها كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي.
وتوضح أن الرواتب لدى شركات التكنولوجيا الكبرى في أماكن مثل شنتشن وسنغافورة ووادي السيليكون أصبحت، وفق تقييمها، متقاربة إلى حد كبير. ولذلك، فإن الفروق المالية وحدها لا تفسر بالضرورة المكان الذي يختاره الباحث للعمل.
وبحسب يانغ، تزداد أهمية ثقافة بيئة العمل التي تقدر البحث المتقدم، وتمنح الباحثين الاستقلال الفكري، والحرية اللازمة لتجاوز حدود التقنية القائمة. فهذه الكفاءات، كما تقول، تتمتع بمستوى عال من التدريب، ويسعى معظم أفرادها إلى إنجاز أعمال ذات معنى وأثر يتجاوز مجرد تحقيق المكاسب المالية.
وتقدم هذه الرؤية زاوية مهمة لفهم المنافسة، فاستقطاب الباحث لا يتحقق بمجرد تقديم عرض مالي مرتفع، بل يتطلب بيئة تتيح له تطوير أفكاره والعمل على مسائل علمية متقدمة، مع مساحة للاستقلالية والتجريب. فقد تتمكن شركة من تقديم راتب أعلى من منافسيها، لكنها لا تضمن بذلك أن تكون الوجهة التي يختارها الباحث للاستقرار والإبداع على المدى الطويل.
سباق عالمي يتجاوز واشنطن وبكينرغم أن الولايات المتحدة والصين تتصدران المنافسة على نخبة الباحثين في الذكاء الاصطناعي، فإن حركة الكفاءات الدولية لا تقتصر عليهما. فالتغيرات التي تشهدها سوق المواهب العالمية تؤثر أيضا في قدرة الاقتصادات الأخرى على استقطاب المهنيين ذوي المهارات العالية والاحتفاظ بهم.
ويرصد تقرير بوسطن الاستشارية (BCG)، المنشور في يونيو/حزيران 2026، تراجعا في انتقال المهنيين ذوي المهارات العالية عبر الحدود خلال عام 2025. وبحسب التقرير، انخفض عدد هذه الانتقالات من 3.7 ملايين عام 2024 إلى 3.3 ملايين عام 2025، بتراجع بلغ 11.6%.
وكان الانخفاض أكبر بين بعض الفئات المتخصصة، إذ تراجعت حركة العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بنسبة 13%، ومواهب الذكاء الاصطناعي بنسبة 12%، والباحثين بنسبة 19%.
وتتعلق هذه الأرقام بحركة المهنيين ذوي المهارات العالية على نطاق أوسع، ولا تقيس الباحثين في الذكاء الاصطناعي وحدهم، كما أنها لا تمثل مقارنة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين. لكنها تشير إلى أن المنافسة على الكفاءات تجري في سياق عالمي تتغير فيه أنماط التنقل المهني عبر الحدود.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تنجح دولة في تدريب عدد كبير من المتخصصين، أو أن تتمكن شركة من استقطاب باحثين بارزين، إذ يتوقف استمرار قدرتها التنافسية أيضا على توفير ظروف تشجع هؤلاء على البقاء، وتمنحهم الموارد والاستقلالية والفرص اللازمة لمواصلة الابتكار.
ومع احتدام المنافسة العالمية، لن يتحدد موقع الدول في سباق الذكاء الاصطناعي بقدرتها على جذب العقول المتميزة فحسب، بل أيضا بما تتيحه لهذه العقول من فرص لتحويل خبراتها وأفكارها إلى إنجازات تقنية.
إقرأ المزيد


