كل شيء يتغير في أمريكا.. يبدو أن صفحة النفوذ الإسرائيلي ستطوى قريبا
الجزيرة.نت -

يعد ارتفاع ضغط الدم أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعا وانتشارا في العالم، ولا داعي هنا للبحث في أسبابه الطبية المتنوعة أو في طرق علاجه، التي تتعدد بدورها وتتغير.

وننتقل من الضغط في الطب إلى الضغط في الفيزياء، حيث يعرف بأنه مقدار القوة العمودية المؤثرة في وحدة المساحة، ثم من الضغط الطبي والفيزيائي إلى ما يتقاطع معهما ويتشابه معهما في عالم السياسة: جماعات الضغط السياسي، أو ما يعرف باللوبيات، وهي من أبرز الظواهر الراسخة في الجسد السياسي الأمريكي.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وهذا المرض السياسي القديم والمزمن يتمثل في خضوع المشرع الأمريكي لضغوط فئات معينة تؤثر في وحدة أفكاره، ومساحة اهتماماته، وحتى قناعاته، بما يخدم مصالح هذه الفئة أو المجموعة، أو حتى دولة أخرى، على حساب المصلحة العامة المجردة لمن انتخبه، وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى أبعد من مجرد التأثير في القرار السياسي.

كان الجنرال ويليام هال من أوائل من مارسوا الضغط السياسي بصورة أولية، وربما بدائية، عام 1792. وقد شغل هال لاحقا منصب أول حاكم لإقليم ميشيغان عام 1805

البدايات

كان الجنرال ويليام هال من أوائل من مارسوا الضغط السياسي بصورة أولية، وربما بدائية، عام 1792. وقد شغل هال لاحقا منصب أول حاكم لإقليم ميشيغان عام 1805.

وكان هال قد قدم التماسا إلى الكونغرس في العاصمة الوطنية فيلادلفيا مطالبا بصرف تعويضات للمحاسبين القدامى، إلا أن مساعيه لم تكلل بالنجاح.

أما مصطلح "اللوبي"، الذي نشأ ارتباطا بالمناقشات السياسية في أروقة الكونغرس وردهاته خارج القاعة الرئيسية، فيشير إلى الأنشطة التي يمارسها أشخاص بهدف تحقيق مصالح تشريعية لفئات بعينها.

أيباك.. جماعة الضغط الأهم

نشأت جماعة الضغط هذه عام 1954 تحت اسم مختلف هو "اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة"، وجاء تأسيسها كرد فعل على حملة التضييق التي شنتها إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور، عقب مجزرة قرية قبية في أكتوبر/تشرين الأول 1953 في الضفة الغربية، بالتزامن مع ردود فعل دولية سلبية تجاه إسرائيل في ذلك العام.

إعلان

مرت أيباك بتحولات كثيرة ومحطات فارقة منذ عام 1953 وحتى اليوم، كان من أبرزها تحقيق النفوذ المالي والسياسي خلال سبعينيات القرن العشرين، لمواجهة معارضيها وتعزيز قدرتها على التأثير في أعضاء الكونغرس الأمريكي بصورة أقوى وأكثر وضوحا.

ثم توالت المحطات المهمة، وارتبط بعضها بأحداث عالمية وشرق أوسطية، كما تجلى ذلك خلال فترة رئاسة الرئيس جيمي كارتر، مع استمرار عمليات الدعم العسكري الموسع لإسرائيل.

وطورت أيباك إستراتيجيتها لاحقا من خلال بناء تحالفات واسعة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لضمان استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل بصورة غير مشروطة، وعلى جميع المستويات وفي مختلف المجالات، بما يخدم مصالح إسرائيل أولا، وإن بدا، على خلاف الواقع، أنها تخدم المصالح الأمريكية.

لكن انتقاد أيباك ووضعها القانوني بدأ يزداد حدة ووضوحا، بفعل عوامل متعددة، من أبرزها ما شهدته منطقة الشرق الأوسط عام 2023، وتحديدا الإبادة الجماعية في غزة، وما تعرضت له إسرائيل من انتقادات واتهامات واسعة، إلى جانب تغير المزاج العام تجاهها، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في كثير من دول العالم.

ومن بين هذه العوامل أيضا تنامي تيار اليمين المحافظ التقليدي داخل الحزب الجمهوري، الذي يزداد قوة في الولايات المتحدة، ويرفع شعار "أمريكا أولا"، واضعا المصالح الأمريكية فوق المصالح الإسرائيلية.

كذلك، يتنامى نفوذ تيار اليسار داخل الحزب الديمقراطي، الذي يدعو إلى عدم منح إسرائيل مساعدات عسكرية ومالية دون شروط، وإلى ضرورة تطبيق القوانين الأمريكية المنظمة لاستخدام الأسلحة الأمريكية والمساعدات الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل.

ويضاف إلى ذلك استمرار الانتقادات المتكررة من جماعات حقوق الإنسان للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والنظر إلى إسرائيل بوصفها نظام فصل عنصري.

مرت أيباك بتحولات كثيرة ومحطات فارقة منذ عام 1953 وحتى اليوم، كان من أبرزها تحقيق النفوذ المالي والسياسي خلال سبعينيات القرن العشرين، لمواجهة معارضيها وتعزيز قدرتها على التأثير في أعضاء الكونغرس الأمريكي بصورة أقوى وأكثر وضوحا

اليوم والغد ليسا الأمس

من وجهة نظري، هناك تحديات كبرى تواجه أيباك في موسم الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026، يتمثل بعضها فيما يلي:

أولا: الإنكار

لا تريد أيباك الاعتراف بأن المناخ السياسي في الولايات المتحدة قد تغير، وأن هذا التغير لم يعد يصب في مصلحتها، فما حدث في غزة منذ 2023، عقب عملية المقاومة الفلسطينية، ثم حرب إسرائيل على غزة وجيرانها ضرب ثوابتها في الولايات المتحدة ضربة كبيرة، وكشف الغطاء عن خطاب المثالية والمصلحة المشتركة الذي لطالما غلفت به العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

وتبين أن كثيرا من الأمريكيين لم يعودوا ينظرون إلى إسرائيل النظرة الإيجابية السابقة.

فعلى سبيل المثال، أجرت مؤسسة غالوب دراسة في فبراير/شباط 2026، أظهرت أن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 36% يتعاطفون مع الإسرائيليين. وقد ضيق ذلك كثيرا من فرص أيباك في اختيار مرشحين يدعمون أجندتها في الانتخابات المقبلة.

إعلان

ومن أبرز تجليات هذا التحول ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، من أن دعم إسرائيل تحول إلى عبء وعائق سياسي، بعدما كان ينظر إليه باعتباره بطاقة عبور نحو مستقبل سياسي باهر.

ثانيا: تيار القومية السياسية "أمريكا أولا"

المفارقة أن التيار نفسه الذي احتفت به أيباك وروجت له في السابق، أصبح اليوم يحاصرها في عقر دارها، وفي مناطق نفوذ أتباعها وداعميها داخل الحزب الجمهوري.

فشخصيات إعلامية وسياسية، مثل تاكر كارلسون وستيف بانون، وحتى الراحل تشارلي كيرك، وغيرهم، اتخذت مواقف معارضة لأيباك وبرنامجها، وانقلبت عليها وعلى توجهاتها، في انعكاس واضح للتحولات التي يشهدها اليمين الأمريكي بشأن العلاقة مع إسرائيل وأولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

ثالثا: الأزمة الاقتصادية

أثارت الأزمة الاقتصادية سؤالا منطقيا خرج من دائرة النقاش حول الأولويات، وهو سؤال بدأ مع انتقاد المساعدات الأمريكية لأوكرانيا في حربها مع روسيا، ثم امتد إلى انتقاد المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لإسرائيل، في ظل تراجع كثير من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية المقدمة للأمريكيين.

فكيف يمكن تبرير استمرار إنفاق مليارات الدولارات على المساعدات الخارجية، في الوقت الذي يواجه فيه المواطن الأمريكي تحديات اقتصادية متزايدة، ويعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات الأساسية؟

المتغيرات التي أصابت المجتمع الأمريكي وغيرت نظرته إلى أيباك وإسرائيل يصعب تجاوزها أو احتواؤها، مهما بلغ حجم الإنفاق الذي رصدته المنظمة، والمقدر بنحو 130 مليون دولار، لاستعادة موقعها الاستثنائي داخل المشهد السياسي الأمريكي

رابعا: اليسار الديمقراطي

منذ انتخابات عام 2024 وخسارة الحزب الديمقراطي فيها، والتي كان من أهم أسبابها موقف الإدارة الديمقراطية في عهد بايدن من الحرب على غزة ودعمها غير المحدود لإسرائيل، يقود تيار اليسار والتيار الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي ثورة تغيير على عدة محاور، من بينها المساعدات الخارجية وعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل، وتأتي أيباك في قلب هذا الصراع.

ففي الوقت الذي تدعم فيه المؤسسة التقليدية داخل الحزب علاقات قوية مع إسرائيل وأيباك، يقود اليسار معركة إعادة النظر عمليا في هذه العلاقات، ويحقق نجاحات في هذا المسار على عدة محاور، رغم بعض الإحباطات.

وكان آخر هذه الإحباطات قرار اللجنة الوطنية الديمقراطية (الحزب الديمقراطي) في أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث صوّت أعضاء اللجنة الوطنية ضد قرار رمزي يستهدف أيباك تحديدا، ويدين إنفاق الأموال غير الشفافة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وذلك بعد صدور قرار أوسع يدين هذه الأموال بشكل عام.

خامسا: ائتلاف "ارفضوا أيباك"
تشكّل هذا الائتلاف في مارس/آذار 2024 من مجموعة من المنظمات الحقوقية والسياسية والعمالية، بهدف معلن هو مواجهة النفوذ المالي والسياسي لأيباك وذراعها السياسي والمالي النافذ، "مشروع الديمقراطية المتحدة"، وكذلك الجهات المرتبطة بها بصورة غير مباشرة، مثل "أغلبية ديمقراطية من أجل إسرائيل".

وبنظرة سريعة على بعض المشاركين في هذا الائتلاف أو التحالف، نجد أنه يعكس تنوعا ويمثل طيفا واسعا من التيارات السياسية. ومن بين المشاركين فيه، على سبيل المثال لا الحصر، العدالة الديمقراطية، وحزب العائلات العاملة، والصوت اليهودي من أجل السلام "أكشن"، وحركة "إن لم يكن الآن"، وحملة الولايات المتحدة من أجل فلسطين، وغيرها.

ويعمل هذا التحالف وفق إستراتيجية متكاملة وإطار نظري وعملي فعّال، ويبدأ عمله بالتعهد برفض أيباك وسياساتها. إذ يُطلب من أي مرشح لأي منصب انتخابي، على أي مستوى، أن يوقّع تعهدا يرفض بموجبه الحصول على أي تأييد أو دعم مالي من أيباك أو من لجان العمل السياسي المرتبطة بإسرائيل، قبل أن يقدّم التحالف دعمه له.

ماذا تقول الأرقام؟

في ظل كل ما سبق، تزعم أيباك أنها دعمت أكثر من 254 مرشحا من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الانتخابات التمهيدية لهذا العام، وأن هؤلاء المرشحين نجحوا في الوصول إلى الانتخابات العامة التي ستجرى في نوفمبر/تشرين الثاني.

إعلان

وبنظرة بسيطة، فإن هذا العدد، إذا صح وفق رواية أيباك نفسها، يقل عن عدد المرشحين الذين دعمتهم في عام 2024، والبالغ 361 مرشحا.

واللافت أيضا أن بعض المرشحين الذين دعمتهم أيباك وزكتهم خلال هذا الموسم خسروا أمام مرشحين آخرين، يخوض بعضهم الانتخابات للمرة الأولى، حاملين أجندة وبرنامجا انتخابيا واضحا يعارض إسرائيل ويعارض استمرار المساعدات المفتوحة المقدمة إليها دون شروط. مثلما حدث في ولاية ميشيغان مع "عبدول السيد" وهيلي ستيفنز المدعومة من أيباك، ويصف بعض هؤلاء المرشحين أنفسهم بالاشتراكيين، في الولايات المتحدة، قلعة الرأسمالية في العالم.

والخلاصة أن المتغيرات التي أصابت المجتمع الأمريكي وغيرت نظرته إلى أيباك وإسرائيل يصعب تجاوزها أو احتواؤها، مهما بلغ حجم الإنفاق الذي رصدته المنظمة، والمقدر بنحو 130 مليون دولار، لاستعادة موقعها الاستثنائي داخل المشهد السياسي الأمريكي. لذا فمن الراجح ألا يكون الكونغرس القادم صديقا لأيباك أو تبيعا مطيعا لها بالدرجة نفسها التي اعتادت عليها سابقا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد