فخ الانتظار.. لماذا لن تنهار إسرائيل من تلقاء نفسها؟
الجزيرة.نت -

تجاوزنا عام 2022 ولم تسقط إسرائيل كما تنبأ الباحث بسام جرار، ولم يبق على نهاية العقد الثامن لتأسيسها سوى عامين، ويبدو أنها لن تسقط مع اكتماله أيضا. تتبدل المواعيد، وتتغير النبوءات من حسابات رقمية وتأويلات دينية إلى نظريات عن أعمار الدول و"لعنة العقد الثامن"، ويبقى اليقين العربي باقتراب نهاية المشروع الصهيوني ثابتا لا يتزعزع. لكن ماذا لو كان هذا اليقين كسولا، يلجأ إليه العقل العربي هربا من السياسة ومتطلباتها، بديلا مريحا يعفيه من كلفة المواجهة المادية مع هذا اللفياثان الإسرائيلي الغاشم؟

كان عام 2022 أحد المواعيد التي حظيت باهتمام عربي واسع، فالنبوءة التي ارتبطت بالباحث الفلسطيني بسام جرار ظلت لعقود من أكثر صور التنبؤ بزوال إسرائيل تداولا في المجال العربي. بدأت الفكرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ثم ظهرت في كتابه "زوال إسرائيل 2022م: نبوءة أم صدف رقمية؟"، الذي حاول فيه الجمع بين قراءة بعض الآيات القرآنية، ولا سيما ما يرتبط بـ"وعد الآخرة" في سورة الإسراء، وحسابات عددية تقوم على حساب الجُمّل وتوظيف الرقم 19 وأنماط عددية أخرى.

قصص مقترحة list of 3 itemsend of list

لم تكن نبوءة جرار وليدة اللحظة بقدر ما كانت امتدادا لتراكم تاريخي طويل بدأ بتراث تفسيري كلاسيكي مع الطبري والقرطبي والبيضاوي، الذين تصدوا لتفسير إخبار الله لبني إسرائيل بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وأن كل إفساد سيقابله عقاب إلهي. واختلفت أقوالهم في هوية "المسلَّط" في كل مرة بين جالوت وسنحاريب وبختنصر والفرس والروم، لكن الأهم أنهم انقسموا إلى اتجاهين، أولهما رأي جمهور السلف بأن الإفسادين وقعا في الماضي وانتهيا، والثاني رأي متأخر لأقلية يرى أن "وعد الآخرة" لم يتحقق بعد وما زال ممتدا في المستقبل. سبقت هذه القراءات قيام دولة إسرائيل بقرون، ولم تكن مرتبطة بها أصلا، لكن هذا الاتجاه الأقلي تحديدا هو ما أعيد توظيفه في تفسيرات حديثة كنبوءة جرار، ليقال إن إفساد إسرائيل المعاصر هو "وعد الآخرة" الذي لم يتحقق بعد.

جنود إسرائيليون يقتربون من قبة الصخرة يوم احتلال القدس في 7 يونيو/حزيران 1967، وقد منحت النكسة القراءات التنبؤية بسقوط دولة الاحتلال زخما كبيرا (غيتي)

منحت هزيمة 1967 هذا النوع الكسول من القراءات التنبؤية زخما كبيرا، فالنكسة، بما خلّفته من تخبط وعجز في الوعي العربي، أنتجت حركة مضادة تبحث عن يقين يعوض الانكسار ويمتص صدمة الهزيمة المدوية التي مُني بها العرب. ومن هنا أخذت تنتشر قراءات مستقبلية لنهاية الخصم الذي تعذرت هزيمته في الواقع. وقد قدم صادق جلال العظم في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة" نقدا لاذعا لهذا الميل إلى التفسيرات الغيبية والثقافية، الذي أخذ يتفشى بعد الهزيمة بديلا مريحا عن تفسير مادي وعسكري ومؤسسي رصين لأسبابها.

إعلان

وفي سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، بدأت تظهر محاولات بنيوية لفهم إسرائيل، على رأسها مشروع عبد الوهاب المسيري الموسوعي، الذي اعتمد تحليلا ماديا تاريخيا يقارب إسرائيل بوصفها مشروعا استعماريا أوجده الغرب لأداء وظيفة محددة، يمكن نظريا أن ينتهي بانتهاء جدواها. وقد رفض المسيري صراحة التفسيرات العرقية والتآمرية لليهود، وميّز تمييزا منهجيا مهما بين اليهودية دينا والصهيونية حركة استيطانية وظيفية.

وبمعزل عن هذا الخط البنيوي تقريبا، واصل خط آخر أكثر شعبية تطوره، وبلغ ذروته مع صدور كتاب جرار الأول في تسعينيات القرن الماضي جامعا بين التفسير الديني والحسابات العددية. ولم يكن طرح جرار في بدايته، بحسب تصريحاته، قائما على الجزم بموعد قطعي، حتى إن عنوان الكتاب نفسه صيغ في صورة سؤال "نبوءة أم صدف رقمية؟". لكن مع اقتراب عام 2022، تحولت الفكرة من اجتهاد ديني عددي محدود التداول إلى توقع واسع الانتشار في الأوساط العربية، وربط بعض المتابعين تحققها بالفترة التي تزامن فيها عام 2022 الميلادي مع أجزاء من عام 1443 الهجري، ولا سيما بين مارس/آذار ويونيو/حزيران. غير أن العام انتهى من دون أن تتحقق النبوءة. واستمر الانتظار.

ثم انتقلت البوصلة العربية إلى نبوءة "العقد الثامن"، استنادا إلى قراءة تقول إن مملكتين يهوديتين سابقتين انتهتا قبل أن تتجاوزا 80 عاما، وإن إسرائيل، وهي تقترب من هذا العمر، قد تواجه المصير ذاته.

سرديات النهاية عند الإسرائيليين

لم يخترع العرب هذه النبوءة، فهي متداولة أصلا في الداخل الإسرائيلي، ويرددها ساسة مثل إيهود باراك ونفتالي بينيت ممن يستحضرون تاريخ الممالك اليهودية القديمة، كمملكة داود وسليمان ومملكة الحشمونائيم، التي تفككت قبل أن تتم عقدها الثامن بسبب الانقسامات الداخلية. فقد كتب باراك في مايو/أيار 2022 أنه يشك في أن تبلغ إسرائيل عامها الثمانين، محذرا مما سماه "لعنة العقد الثامن"، وكتب بينيت بعده بأسابيع أن السيادة اليهودية تفككت مرتين قبل أن تبلغ 80 عاما، وأن إسرائيل تقترب من هذه العتبة.

وقد جاءت معظم التصورات الإسرائيلية الأولى لنهاية الدولة لاهوتية كما في الحالة العربية، والمفارقة أن هذه التحذيرات سبقت تأسيس الدولة نفسها. فقد نشأ تيار حاخامي، في مقدمته الحاخام يوئيل تيتلباوم زعيم طائفة "ساتمار"، رأى في إقامة كيان يهودي قبل مجيء المسيح المنتظر خرقا لما يُعرف في التلمود بـ"الأيمان الثلاثة"، وهي عهود تُلزم اليهود بألا يصعدوا إلى أرض الميعاد جماعة وبالقوة قبل أن يأتي الخلاص الإلهي.

بل ذهب تيتلباوم أبعد من ذلك في كتابه "فايوئيل موشيه" الصادر عام 1961، الذي يُعد المرجع الفكري والفقهي الأهم في مناهضة الحركة الصهيونية، حين اعتبر أن الهولوكوست نفسه لم يكن إلا عقابا إلهيا على ما ارتكبته الحركة الصهيونية من خرق لهذه العهود. وما زال هذا التحذير الحاخامي حيا وفاعلا حتى اليوم في أوساط حريدية معادية للصهيونية، وبين من يرون في قيام إسرائيل تحديا للقدر الإلهي.

وفي أعقاب حرب 1967، انتقل الشك من الحيز الديني الهامشي إلى قلب النخبة الفكرية العلمانية. وعلى عكس المتوقع، حوّل الفيلسوف يشعياهو ليبوفيتش الانتصار في الحرب إلى لحظة إنذار أخلاقي للمجتمع اليهودي، إذ رأى في الانتصار، ثم في استمرار الاحتلال، إفسادا لبنية المجتمع الإسرائيلي من الداخل. ولم يقف هذا الخط النقدي عند هذا الحد، فقد تعمق مع موجة "المؤرخين الجدد" في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ومن بينهم بيني موريس وآفي شلايم وسمحا فلابان وإيلان بابيه، التي فككت كثيرا من الروايات التأسيسية للدولة، وهو ما أجّج الخوف من النهاية.

إعلان

ومع هذا التفكيك الفكري، بدأ يتنامى وعي، وإن ظل نخبويا ومحدودا في الداخل الإسرائيلي، بالطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للمشروع نفسه، خاصة أن هذا التوصيف جاء من باحثين إسرائيليين. وتقاطع هذا الإدراك الجديد مع شعور جماعي بالهشاشة الديموغرافية والجيوسياسية المتأصلة في تكوين الدولة، فأنتج قلقا وجوديا مزمنا، وهيأ بيئة جاهزة لاستقبال نبوءات النهاية والترويج لها.

بهذا الشكل ظهرت نبوءات الانهيار والتفكك داخل إسرائيل نفسها تعبيرا عن مخاوف تاريخية وسياسية راسخة في العقل الإسرائيلي. ففي عام 2022، كثر النقاش في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول "اللعنة" المرتبطة بعمر الدولة، وحول الانقسامات الداخلية والقلق على مستقبلها، ثم عاد النقاش بقوة بعد معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واتسع معه الحديث عن "العقد الثامن" ومخاطر التفكك.

يهود حريديم يؤدون طقس "تشليخ" على تلة تطل على البحر المتوسط في نتانيا عشية "يوم الغفران"، 21 سبتمبر/أيلول 2023، وقد جاءت أولى التحذيرات الإسرائيلية من نهاية الدولة لاهوتية من تيارات حاخامية سبقت تأسيسها (أسوشيتد برس)
خوف إسرائيلي ويقين عربي

يستعير العقل العربي هذه المخاوف الإسرائيلية الداخلية من الانهيار والزوال، ويعيد تدويرها حقائق مطلقة ويقينية، مستندا إلى أن مصدرها قادة أو مفكرون أو سياسيون إسرائيليون، أي أشخاص يُفترض أنهم أدرى من غيرهم بحال الدولة والمجتمع وباحتمالات الانهيار الداخلي أو الحرب الأهلية الوشيكة. وهكذا تحول الخوف الذي يُعبَّر عنه داخل إسرائيل إلى يقين عند عدد كبير من العرب المختصين بدراسة إسرائيل، فإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يخشون انهيار دولتهم، فلا بد في هذا التصور أن الانهيار قادم ووشيك.

ويغيب عن هذا الطرح فرق أساسي بين أن يخشى مجتمع ما تكرار تجربة تاريخية يراها مريرة، وأن تتحول هذه المخاوف إلى حتمية تاريخية يُفترض أن تحكم مصائر الدول. والتاريخ لا يعمل بهذه الطريقة، فالدول تواجه خطر الانهيار والتفكك حين تفقد مؤسساتها القدرة على إدارة الصراع الداخلي، أو تتغير موازين القوة التي تسمح لها بالبقاء، أو تعجز مؤسساتها عن إعادة إنتاج النظام السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تقوم عليه، أو حين تواجه قوة خارجية قادرة على استثمار تناقضاتها ودفعها إلى الانهيار.

وقد تكون الانقسامات الاجتماعية عميقة، ويبلغ الاستقطاب السياسي مستويات خطرة، وتفقد قطاعات واسعة من المجتمع ثقتها بمؤسسات الدولة، من دون أن يتحول أي من ذلك تلقائيا إلى انهيار شامل. فلكي تصبح الأزمة الداخلية أزمة وجودية للدولة، يجب أن تمس قدرتها الفعلية على إدارة الموارد، وإعادة إنتاج المؤسسات، والحفاظ على احتكار القوة، واتخاذ القرار. وفي غياب هذه النقلة، قد تبقى الأزمة أزمة داخل الدولة، لا أزمة الدولة نفسها ووجودها.

المفارقة إذن أن يتحول الخطاب التحذيري الإسرائيلي، في بعض الأوساط العربية، إلى يقين مريح بأن إسرائيل ستسقط عاجلا أم آجلا. وهذا تحديدا ما يجعل نقل هذه التحذيرات إلى الفضاء العربي بمعزل عن سياقها أمرا مضللا، فوجود هذه التناقضات كلها لا يعني تلقائيا انهيارا وشيكا، وآثارها الفعلية تتوقف على قدرة المؤسسات الإسرائيلية على إدارتها، وعلى قدرة الخصوم الخارجيين على تحويلها إلى نقطة ضعف حقيقية.

عمليا، يستخدم الإسرائيليون خطاب الخوف من الانهيار للتحذير من الانقسامات الداخلية، وحشد المجتمع، والدفع نحو تغيير سياسي أو مؤسسي بعينه. فحين يحذر سياسي أو مفكر إسرائيلي من الانقسام الداخلي، فهو لا يقول بالضرورة إن الدولة ستختفي أو ستنهار، وكثيرا ما يكون تحذيره محاولة لتحريك المجتمع ومؤسساته لمنع ذلك الانهيار تحديدا. أي أن التحذير من الانهيار في الحالة الإسرائيلية صار أداة للتعبئة السياسية أكثر منه نبوءة بقرب نهاية الدولة. وهذه نقطة ضرورية لفهم الخطاب السياسي عموما، فالمجتمعات لا تتحدث عن أخطارها كما يتحدث عنها المراقبون من الخارج، وقد يستخدم السياسي لغة كارثية ليمنع الكارثة من الوقوع أصلا.

إعلان

كما تستجيب إسرائيل لأزماتها الداخلية بتوسيع دائرة الصراع الخارجي، فتخلق حالة تضامن منبعها الخوف والتهديد الذي تولده الحرب نفسها. ويستثمر الساسة حالة الحرب لإعادة تعبئة الموارد، وتأجيل معالجة التناقضات الداخلية بوضع المجتمع كله أمام تهديد خارجي أكبر. وقد لا يضمن هذا التكتيك نجاح هذه الاستجابات حتما، لكنه يؤكد أن الانهيار ليس النتيجة الوحيدة الممكنة للأزمات التي تواجهها إسرائيل. وهنا تكمن مشكلة معظم الأطروحات التي تناقش "موعد السقوط" كأنه حتمي وسيقع تلقائيا بفعل الأزمات الإسرائيلية الداخلية.

ويضاف إلى ذلك أن إسرائيل ليست المجتمع الوحيد الذي يعاني الانقسام والاستقطاب والأزمات الاقتصادية والسياسية، فهي كأغلب دول الشرق الأوسط ترزح تحت هذا النوع من الأزمات. ولذلك فإن تحويل كل أزمة إسرائيلية إلى مقدمة حتمية للانهيار يعني ضمنا التعامل مع إسرائيل بوصفها كيانا استثنائيا في وجوده، لا يُفسَّر بقاؤه إلا بالمعجزة، ولا يُتوقع سقوطه إلا بالأسطورة والنبوءة.

فإسرائيل، مهما تعددت تناقضاتها، ومهما كانت طبيعة نشأتها الاستعمارية، ليست خارج قوانين السياسة. ولذا يمكنها أن تضمن استمرارها وهيمنتها على المنطقة ما دامت تحتفظ بأدوات القوة وتراكمها، كما يمكنها، مثل أي دولة، أن تكون منقسمة ومتماسكة في الوقت نفسه، وأن تعاني أزمة شرعية وهي تحتفظ بقدرة مؤسسية عالية.

إسرائيل ليست "فكرة" فقط

ربما أهم ما يغيب عن خطاب "الانهيار" أن إسرائيل ليست مجرد فكرة أيديولوجية يمكن أن تنتهي بمجرد انكشاف تناقضاتها أو تعرية وحشيتها. إنها في النهاية دولة لها مؤسسات وجيش واقتصاد وبنية تحتية وصناعات عسكرية وتكنولوجية وعلاقات دولية، وأجيال نشأت داخلها وتتعامل معها واقعا يوميا. هي ببساطة بنية مادية متكاملة.

غارة جوية إسرائيلية على بلدة المنصوري جنوب لبنان في 30 سبتمبر/أيلول 2026، كما تُرى من بلدة الحنية، فرغم الأزمات التي تعصف بدولة الاحتلال لم يتوقف نشاطها العسكري (غيتي)

ومن شأن إدراك طبيعة إسرائيل المادية أن يغير طريقة التعامل معها جذريا. فإذا تعاملنا معها بوصفها فكرة أيديولوجية فحسب، يسهل أن نتخيل أن كشف تناقضاتها الفكرية أو الأخلاقية سيقود إلى سقوطها الحتمي، وربما تكون هذه هي الحالة الفكرية المسيطرة عربيا اليوم. أما إذا تعاملنا معها بوصفها بنية مادية، فإن الكشف عن الشروط المادية لمواجهتها يصبح محور الاهتمام الأساسي.

ولا يتناقض هذا كله مع القول إن إسرائيل قاعدة استعمارية يرتبط وجودها عضويا بالمركز الاستعماري الغربي. ففي تحليله للاستعمار الاستيطاني، يصف الباحث الأسترالي باتريك وولف هذا النوع من الاستعمار بأنه "بنية لا حدث"، أي أنه لا يقتصر على لحظة تأسيس يكتفي بها، وإنما هو عملية مستمرة لإعادة تنظيم الأرض والسكان والموارد. وهذا ما جرى في المشروع الصهيوني حين تطور من حدث عابر إلى بنية دولة كاملة نواجهها اليوم.

فحين تكون هناك طرق ومستوطنات وحواجز وأنظمة قانونية وأمنية واقتصادية، ومؤسسات قادرة على إدارة السكان والأرض والموارد، فنحن نتحدث عن واقع يجب أن يُواجَه كما هو لا كما نريده، وليس عن كيان مؤقت. ولهذا ركز الأسير الفلسطيني الراحل وليد دقة، في كتاباته عن الوعي والاحتلال، وبالأخص في دراسته "صهر الوعي"، على أن الاحتلال يتجاوز الحضور العسكري المجرد إلى نظام يعيد تشكيل الحياة اليومية والحيز الجغرافي والوعي نفسه، وعي الأسرى في المقام الأول، ووعي الشعب الفلسطيني بأكمله.

ولم تبن إسرائيل قوتها العسكرية بمعزل عن الاقتصاد العالمي وتحالفاته، فعلى مدى عقود طورت صناعات مرتبطة بالأمن والمراقبة والتكنولوجيا العسكرية، وأصبحت خبرتها المتراكمة في السيطرة والمراقبة جزءا من قطاع اقتصادي وتكنولوجي يتجاوز حدود فلسطين التاريخية.

ويشرح الصحفي الأسترالي أنتوني لونشتاين في كتابه "مختبر فلسطين" كيف تحولت الأراضي الفلسطينية، في نظر الصناعات الأمنية الإسرائيلية، إلى ساحة لتطوير تقنيات المراقبة والقمع واختبارها، ثم تسويقها في الأسواق الدولية. والمهم هنا يتجاوز حجم هذه الصناعة إلى العلاقة التي تنشأ بين الأمن والاقتصاد، فقد أصبحت الخبرة الأمنية الإسرائيلية وما تنتجه من مكونات تكنولوجية عسكرية أصلا من أصول الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن الحديث عن انهيار إسرائيل من الداخل يتجاهل شبكة أوسع من المصالح والعلاقات التي تساعد الدولة على امتصاص أزماتها، بل على حلها أحيانا بمساعدة خارجية.

إعلان

ويضاف إلى ذلك أن قطاعات واسعة من النخب الإسرائيلية والغربية معنية بالحفاظ على المصالح الأساسية التي يقوم عليها النظام في إسرائيل مهما بلغت خلافاته الداخلية، شرط ألا تصل هذه الخلافات إلى حد تهديد البنية الاقتصادية والأمنية التي يستفيد منها الجميع. وبهذا يجعل الاقتصاد السياسي للوجود الإسرائيلي، وارتباطه بالاقتصاد العالمي، انهيار الدولة أمرا عسيرا بفعل الاهتزازات الداخلية وحدها.

هل إسرائيل دولة هشة؟

تُساق أدلة كثيرة على هشاشة إسرائيل، وتُقدَّم بوصفها أدلة لا لبس فيها على اقتراب نهايتها. لكن أيٌّ من هذه الأدلة له وزن حقيقي ويعبر عن هشاشة فعلية؟ وأيها يُضخَّم إعلاميا لدغدغة المشاعر فقط؟

ربما تكون سردية "الاقتصاد الإسرائيلي ينهار تحت وطأة تكاليف الحرب" الأكثر رواجا عربيا، ولها في الأرقام ما يسندها. فقد توقعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، في يوليو/تموز 2026، أن يبلغ عجز الموازنة الحكومية الإسرائيلية هذا العام 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزا السقف الرسمي البالغ 4.9%، كما التهمت ميزانية الدفاع النصيب الأكبر من الإنفاق العام على حساب قطاعات كالصحة، وتحذر وكالات التصنيف من ارتفاع الدين العام.

غير أن هذه مؤشرات إجهاد مالي حقيقي، لا مؤشرات انهيار. فالعجز الفعلي على مدى 12 شهرا لم يتجاوز 3.2% من الناتج حتى نهاية أغسطس/آب الماضي، بحسب وزارة المالية الإسرائيلية، وموديز نفسها رفعت النظرة المستقبلية لتصنيف إسرائيل من سلبية إلى مستقرة في يناير/كانون الثاني 2026، وأبقت التصنيف عند Baa1 في مراجعتها في يوليو/تموز. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الإسرائيلي هذا العام بنسبة 4.5%، رغم الحرب على إيران والحرب على لبنان اللتين تزامنتا في مارس/آذار وأبريل/نيسان. وهي، للمفارقة، نسبة تفوق معدلات النمو المتوقعة لأغلب الاقتصادات العربية، ومنها دول الخليج كلها، في عام يُتوقع أن ينكمش فيه اقتصاد المنطقة بنحو 3.8% بحسب الصندوق نفسه.

أما السردية الأكثر إغراء، وربما الأكثر بعثا للراحة في نفس قائلها، فهي أن إسرائيل، بوصفها تجربة استعمار استيطاني، ستؤول حتما إلى المصير الذي آلت إليه تجارب استعمارية استيطانية أخرى، كالجزائر الفرنسية أو جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري. ومع ما يبعثه هذا القياس التاريخي من طاقة إيجابية بشأن حتمية نهاية الاستعمار وضرورة مقاومته، فإنه قد يقع في فخ تجاهل فوارق بنيوية حاسمة.

فالمستوطنون الفرنسيون في الجزائر ظلوا أقلية مرتبطة بعاصمة بعيدة، قررت في لحظة معينة أن كلفة الاحتفاظ بالمستعمرة تفوق جدواها، أما في فلسطين التاريخية فيكاد عدد اليهود الإسرائيليين يعادل عدد الفلسطينيين، بعد عقود من التهجير والاستيطان والإبادة، إذ يقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد الفلسطينيين فيها بنحو 7.4 ملايين نسمة نهاية 2025. وكانت جنوب أفريقيا نظام أقلية بيضاء لم تزد نسبتها كثيرا على خُمس السكان، تحكم أغلبية ساحقة، وفقدت السند الإستراتيجي الغربي غير المشروط بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع جدواها الوظيفية، وهذا عكس الحالة الإسرائيلية تماما، إذ يزداد اندماج إسرائيل في بنية الاقتصاد والأمن العالميين.

وأما التعديلات القضائية، فإنها تثير بالفعل انقساما حادا حول من يملك القرار النهائي في الصراعات الداخلية، لكنها لم تصل بعد إلى تعطيل فعلي لقدرة الدولة على الحكم، وإن كانت تشكل أزمة شرعية داخل نخبة سياسية منقسمة على نفسها. وينسحب المنطق نفسه على التشرذم الحزبي قبيل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إذ منح استطلاع لصحيفة "معاريف" مطلع الشهر معسكري الائتلاف والمعارضة 52 مقعدا لكل منهما، دون أن يقترب أي منهما من الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة (61 مقعدا من 120). وهذا نمط تكرر في الدورات الانتخابية المتعاقبة منذ عام 2019 دون أن يفضي إلى انهيار مؤسسي، فهو أقرب إلى عجز مزمن منه إلى أزمة وجودية للدولة.

وقد أحصت دراسة لجامعة تل أبيب نُشرت في أغسطس/آب 2026 نحو 268 ألف إسرائيلي أقاموا خارج إسرائيل 3 أشهر متصلة على الأقل بين عامي 2023 و2025، أي نحو 90 ألفا في العام، مقابل متوسط سنوي بلغ نحو 60 ألفا بين عامي 2010 و2019. وتحت لافتة "الهجرة العكسية ستفرغ الدولة"، تُقدَّم هذه الأرقام دليلا قاطعا على انهيار وشيك. والرقم يستحق الرصد فعلا بوصفه مؤشر ضعف تراكميا طويل الأمد، لكنه يحصي المغادرين لا صافي الهجرة، إذ تقدّر الدراسة نفسها من غادروا لعام أو أكثر في 2025 بما بين 45 و50 ألفا، وهو رقم يظل صغيرا أمام عدد سكان يبلغ نحو 10.3 ملايين نسمة، ولا يقترب من عتبة تفرغ الدولة من سكانها أو تهدد استمرارها الديموغرافي في المدى المنظور.

طبيعة الدولة والمجتمع في إسرائيل

لا شك أن إسرائيل تعاني أزمات حقيقية وخطيرة، فالانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي عميقة، والصراع على طبيعة الدولة وعلى العلاقة بين المؤسستين السياسية والقضائية، وكذلك بين التيارات العلمانية والدينية، ليس وهما يتخيله العرب. وقد تكون لهذه الانقسامات آثار سياسية فعلية، فالانقسام السياسي قد يضعف قدرة الإسرائيليين مستقبلا على اتخاذ القرار، والصراع الاجتماعي قد يستنزف شرعية المؤسسة الحاكمة وربما شرعية "الدولة اليهودية" نفسها، كما أن فقدان الثقة بالمؤسسات قد يقوض قدرة الدولة على التعبئة.

وقد بلغ القلق من هذه الانقسامات مستوى لافتا، إذ أظهر مؤشر تصورات التهديد الذي أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في يوليو/تموز 2026 أن 87% من الإسرائيليين قلقون من التوترات الاجتماعية الداخلية، مقابل 76% فقط قلقون من التهديدات الأمنية الخارجية.

أما سردية انهيار كفاءة الجيش الإسرائيلي وقدرته القتالية، فلها وجاهتها أيضا، فقد مثّل 7 أكتوبر/تشرين الأول بلا شك ضربة موجعة للغطرسة الإسرائيلية، ومثله الصمود اللبناني والإيراني وما ألحقه بالجيش الإسرائيلي من خسائر وازنة. لكن الأهم هو ما يجري داخل بنية الجيش نفسها، فهو يعاني فعلا أزمة تجنيد، غير أنها أزمة في توزيع العبء لا في نقص المجندين. وقد حذر رئيس الأركان إيال زامير، في اجتماع للمجلس الوزاري المصغر في مارس/آذار 2026 بحسب ما نقلته القناة 13 الإسرائيلية، من أن الجيش "سينهار من الداخل" وأن قوات الاحتياط لن تصمد، ما لم تُقر قوانين لتجنيد الحريديم وتنظيم خدمة الاحتياط وتمديد الخدمة الإلزامية إلى 36 شهرا.

الشرطة الإسرائيلية تحاول تفريق يهود حريديم يقطعون طريقا سريعا رئيسيا قرب مدينة يبنة احتجاجا على التجنيد الإجباري، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (الأوروبية)

وهذا التحذير المؤسسي يهدف، كغيره، إلى فرض سياسة تجنيد مختلفة، وهو أبعد ما يكون عن إعلان تفكك الجيش. لكنه يقترب مع ذلك من معيار "الضعف البنيوي"، لا الخلاف السياسي فحسب، لأنه يمس مباشرة قدرة الدولة المادية على إعادة إنتاج مؤسساتها. فأزمة تجنيد الحريديم لم تعد مناورة برلمانية، وتحولت منذ أواخر مايو/أيار 2026 إلى عصيان مدني فعلي، حين أمر النائب موشيه غافني من تحالف "يهدوت هتوراه" حزبه بوقف التعاون مع الشرطة بعد استئناف اعتقال المتهربين من التجنيد، ثم انسحب الحزبان الحريديان من الائتلاف الحاكم، وتتالت إغلاقات الطرق والاشتباكات، ومنها منع مئات المحتجين في موديعين الشرطة العسكرية من اعتقال متهرب من التجنيد في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. وهذا يمس مباشرة احتكار الدولة للقوة. ويزيد من خطورته أن عدد الحريديم ينمو بنحو 4.2% سنويا، مقابل 1.9% لبقية السكان، بحسب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أي أن الاختلال ديموغرافي وتراكمي.

وفي هذا السياق، ربما يكون تراجع الثقة بالحكم، من الناحية النظرية، المؤشر الأخطر، إذ لا يثق بالحكومة ثقة عالية سوى 31% من اليهود الإسرائيليين، بحسب استطلاع معهد دراسات الأمن القومي في يوليو/تموز 2026، وهو مؤشر يمس تحديدا القدرة على التعبئة المجتمعية وقت الحاجة. ولأن إسرائيل دولة حرب في الأساس، فإن هذه الثقة لا غنى عنها، فمعدلات الاستدعاء المرتفعة للقتال، والمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها المغامرات الحربية المتتالية، تتطلب ثقة عالية بالمؤسسة الحاكمة التي تقود هذه المغامرات.

ماذا حدث لأطروحة "الدولة الوظيفية" للمسيري؟

تمتد جذور التفكير الرغائبي لتطال إسهامات فكرية عربية واسعة الانتشار، في طليعتها مشروع المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري. فقد فكك المسيري بنية الكيان الصهيوني عبر صك مفهوم "الدولة الوظيفية"، مجادلا بأن إسرائيل مشروع استيطاني أوجده الاستعمار الغربي لأداء دور وظيفي محدد، وأن هذه الدولة تحمل بذور فنائها في داخلها بسبب تناقضاتها العميقة وتنافر مكوناتها الديموغرافية.

وتخطى المسيري التفكيك والتحليل ليقدم تنبؤه الخاص بموعد انهيار الدولة الصهيونية، فرأى في مايو/أيار 2008 أن هذه النهاية ربما تقع في غضون 50 عاما. ومع أن المسيري حدد أفقا زمنيا لسقوط إسرائيل، وهو ما تنتقده هذه المقالة بشدة، فإنه لم يتجاهل الشروط المادية لهذا السقوط، إذ ربط نهاية الكيان الوظيفي بفقدانه جدواه الإستراتيجية لدى داعميه، وبكلفة بقاء تتجاوز فوائده، وهي معادلة تفترض حتما وجود مقاومة فاعلة وإرهاق مادي يومي يرفع كلفة بقاء هذا الكيان على الأرض. لكن التلقي العربي اختزل هذا الجهد التحليلي المركب في نتيجة واحدة مجردة، هي أن إسرائيل ستنهار حتما، متجاهلا هذه الشروط المادية تماما، ومحولا القراءة إلى امتداد للنبوءات اللاهوتية السابقة.

وتغفل نظرية "الدولة الوظيفية" مسألة محورية، هي أن الدولة إذا نشأت أو تطورت ضمن وظيفة جيوسياسية معينة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستظل أسيرة هذه الوظيفة إلى الأبد. فالدول قادرة على إعادة تعريف وظائفها، وإعادة بناء علاقاتها الدولية، وخلق مصالح جديدة تجعل استمرارها مرتبطا بعوامل تتجاوز الغرض الأصلي الذي نشأت من أجله. وأجادل بأن هذا هو حال إسرائيل مشروعا استعماريا يتطور مع الزمن ويجدد وظائفه في النظام الدولي. ويكفي القول إن إسرائيل، التي كانت يوما خلاصا لأوروبا من عقدة الذنب تجاه "الهولوكوست"، صارت اليوم أهم من ذلك بكثير بمنظوماتها التكنولوجية العسكرية التي تصدرها إلى أوروبا والغرب عموما.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين سبب التأسيس وشروط الاستمرار، فقد يكون للدولة سبب تاريخي محدد في نشأتها، لكن استمرارها لعقود يخلق واقعا جديدا لا يمكن اختزاله في لحظة التأسيس. ولذلك، حتى لو افترضنا أن الدعم الدولي والوظيفة الجيوسياسية عاملان حاسمان في استمرار إسرائيل، فإن فقدان جزء من هذه الوظيفة لا يعني بالضرورة اختفاء الدولة في اليوم التالي.

وإعادة قراءة المسيري على هذا النحو تعيد المسؤولية إلى السياسة، لا إلى الانتظار بوصفه فعلا سلبيا. فمصير الكيان مرتبط بمصالح ووظائف وشبكات قوة يمكن تغييرها بقوة مقابلة، لا بوظيفة يُفترض أن تنتهي من تلقاء نفسها. وقد تفقد إسرائيل عند نقطة تاريخية معينة جدواها الوظيفية وما يمكن أن تقدمه للغرب، لكنها قد تستمر مع ذلك دولة "طبيعية" ذات تأسيس مادي في الشرق الأوسط.

بل إن إسرائيل اليوم تتجاوز فعلا دورها المجرد بوصفها "دولة وظيفية"، وتؤسس لنفسها موقعا أقرب إلى الدولة الطبيعية، تفرضه بقوة السلاح وتراكم رأس المال والتحولات الديموغرافية. فنحن نواجه اليوم أجيالا ثانية وثالثة وُلدت داخل هذا الكيان ولا تعرف وطنا سواه، وتتعامل مع إسرائيل بوصفها "الدولة اليهودية" و"أرض الميعاد"، وتدافع عنها بشراسة باعتبارها وطنها الوحيد. وهذه السرديات، وإن كانت أكاذيب تاريخية، تمثل في وعي الإسرائيليين حقائق مطلقة ومحفزات للبقاء.

صناعة "الخبراء" وإعادة إنتاج العجز

ثمة تزايد مقلق في أعداد المختصين بالشأن الإسرائيلي في وسائل الإعلام العربية، حتى صرنا نعاني تخمة حقيقية في الباحثين الذين يتتبعون الشأن الإسرائيلي الداخلي في أدق تفاصيله. ويغيب عن معظم ما ينتجه هؤلاء تقديم أدوات معرفية تعين الجمهور على الاشتباك مع العدو، فيتحول إنتاجهم إلى رصد يومي للأسباب التي تعجّل باللحظة المنتظرة للسقوط الوشيك.

وتزدحم الشاشات والمنصات العربية بكتابات وتحليلات عن الحرب الأهلية التي كانت ستندلع قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتُفرد مساحات واسعة لصراع اليمين واليسار، ويُضخَّم صراع العلمانيين والمتدينين. وتعمل هذه الصناعة الإعلامية أداة أيديولوجية تعيد إنتاج العجز العربي، وإن قدمته في غلاف من المعرفة المتخصصة.

متظاهر مؤيد لفلسطين يبث وقفة احتجاجية مباشرة عبر هاتفه أمام مكاتب "بي بي سي" في مدينة سالفورد البريطانية، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (شترستوك)

وقد ناقش هربرت ماركوز هذا النوع من الاحتواء في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، ووفق هذا التحليل فإن التغطية المبالغ فيها تخلق حالة من التنفيس الوهمي تُفرغ أي طاقة تحررية من مضمونها، وتحيلها إلى استهلاك سلبي للأخبار والتحليلات. وهكذا يصبح مشهد العدو الذي يأكل نفسه على الشاشة أداة لترويض المشاهد العربي، وهو ما يقترب مما يسميه الفيلسوف النمساوي روبرت بفالر وسلافوي جيجك "التفاعلية السلبية" (Interpassivity)، أي نمط من استهلاك المحتوى تفعل فيه الشاشة الأشياء نيابة عنا. فالمتخصص في الشأن الإسرائيلي يغضب ويحلل وينتصر بالنيابة عنا نحن المشاهدين، فيتحقق لدى المشاهد رضا زائف يعفيه من استحقاقات المواجهة الحقيقية.

وعلى العكس من ذلك، حري بالمعرفة العربية المنتجة عن إسرائيل أن تكون أداة سياسية في خدمة مشروع التحرير، لا وسيلة للهروب من السياسة وإكراهاتها.

إسرائيل بين أسطورتين

ثمة أسطورتان متناقضتان ظاهريا، لكنهما تؤديان وظيفة متشابهة. الأولى ترى في إسرائيل قوة خارقة لا يمكن هزيمتها، وأن تفوقها العسكري والتكنولوجي والدعم الغربي لها يجعلان أي محاولة لتغيير الواقع ضربا من المستحيل. والثانية ترى فيها دولة هشة إلى حد أنها ستنهار وحدها إن تُركت لتناقضاتها الداخلية.

وتصل الروايتان كلتاهما بنا إلى نتيجة واحدة، رغم ما يبدو بينهما من تناقض فج. فإذا كانت إسرائيل لا تُهزم، يصبح الفعل السياسي عبثا. وإذا كانت ستنهار وحدها، يصبح الفعل السياسي غير ضروري. وهذا هو الرابط الأعمق بين الأسطورتين، فكلتاهما تسلب السياسة أهميتها ودورها، الأولى بتضخيم قوة الخصم حتى الاستحالة، والثانية بتقليص قوته حتى لا تبقى حاجة إلى فعل أي شيء لإسقاطه.

ويؤدي تأطير العدو أسطوريا، في الحالتين، إلى خسارة المعركة قبل أن تبدأ. فمع غياب الفهم الحقيقي للعدو بوصفه واقعا ماديا قائما أمامنا، تتحول المواجهة إلى صراع عبثي يخوضه العقل العربي ضد أشباح صنعها بنفسه. وإذا كانت الحقيقة تقع غالبا بين أسطورتين، فإن الحقيقة هنا، وربما هي الأكثر إزعاجا، أن إسرائيل قابلة للهزيمة، لكنها ليست بالضرورة آيلة إلى سقوط تلقائي.

نحو وعي مادي بالصراع

غني عن القول إن هذه المقالة تفارق تماما أي مسعى للاستسلام أمام الهيمنة الإسرائيلية، أو لإنكار الأزمات الطاحنة التي تضرب إسرائيل داخليا منذ ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول. فغرضها لا يتعدى تصحيح رؤية العقل العربي لإسرائيل ومستقبلها، بقراءة تضع إسرائيل في واقعها المادي الصارم، وتؤسس لشرط المواجهة الحقيقية على الأرض بوصفها أمرا لا مفر منه.

إن مواجهة هذا السرطان الاستيطاني التدميري تتطلب إعادة تعريف الصراع وفق قواعد القوة المادية الصلبة، ومقاربة إسرائيل بوصفها آلة عسكرية تعيد تشكيل الشرق الأوسط وتهيمن عليه. وفي هذا الطريق، يمثل إسقاط وهم "السقوط الحتمي" الخطوة الأولى نحو وعي تحرري يرى الأشياء على حقيقتها. فنهاية إسرائيل لا تتحقق إلا بصياغة أدوات اشتباك سياسية واقتصادية ومكانية تفكك بنية الاحتلال تدريجيا، وتعيد بناء القوة العربية المضادة، أما النبوءات والأمنيات المريحة فتُترك للمنجمين.

ويقودنا هذا الفهم المادي للصراع إلى لحظة 7 أكتوبر/تشرين الأول، التي تستمد جزءا من قيمتها الإستراتيجية من كونها فعلا مغرقا في ماديته، تأسس مباشرة على إدراك دقيق وصارم للشروط المادية للمواجهة. فقد جاء الطوفان بعد تجهيز طويل، واستعداد عسكري ولوجستي، وقراءة عميقة للعدو، وتعامل العقل المخطط له مع إسرائيل بوصفها كيانا صلبا يتطلب الكسر العسكري المباشر ولا يفهم غير لغة القوة. ولهذا قدم هذا الاشتباك حالة فارقة ونموذجا عمليا لفهم طبيعة دولة إسرائيل وطبيعة المعركة معها، ولتفكيك تكوينها العسكري والسياسي والاقتصادي ببناء قوة مادية مقابلة، تقطع جذريا مع ثقافة الانتظار العربية السائدة.

وهكذا يصبح الدرس الأهم لـ7 أكتوبر/تشرين الأول استبدال سؤال "متى تسقط إسرائيل؟" بسؤال "كيف يتغير ميزان القوى على نحو يُسقط الاحتلال الإسرائيلي؟".



إقرأ المزيد