الجزيرة.نت - 10/22/2026 8:22:42 AM - GMT (+3 )
في ظهر يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1980، وقف شاب في غرفة مكتب داخل قصر القبة بالقاهرة، في يوم بلغ فيه العشرين من عمره. ارتدى بدلة رسمية علّق عليها وسام بهلوي، ولم يحضر أمامه سوى مصوريْن صحفيَّيْن. ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم، ووفقا لدستور إيران وتعديلاته، أعلن اعتبارا من هذا اليوم، 31 أكتوبر 1980، استعدادي لتحمل المسؤوليات الكاملة ملكا شرعيا لإيران". بهذه الكلمات أعلن رضا بهلوي نفسه "رضا شاه الثاني".
كان قبر أبيه في مسجد الرفاعي لم يكمل شهره الثالث. وفي المسجد نفسه رقد جده رضا شاه سنوات، بعد أن مات منفيا في جنوب أفريقيا عام 1944. خلع غزو أجنبي الجد عن عرشه، وأعاده انقلاب أجنبي إلى الأب قبل أن تقتلعه ثورة. أما الحفيد، فقد نصّب نفسه ملكا على بلد لا يستطيع أن يدخله.
بعد 46 عاما، في يناير/كانون الثاني 2026، سمع الرجل نفسه، وقد بلغ الخامسة والستين، هتافات باسمه في شوارع مدن إيرانية. "بهلوي سيعود"، هكذا ردد محتجون خرجوا على الغلاء ثم على النظام كله. بدا للحظة أن الانتظار الطويل يقترب من آخره. ثم جاءت الحرب. وفي يونيو/حزيران، بعد أن وقّعت واشنطن مذكرة تفاهم مع طهران، خرج نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ليقول إن الرئيس الأمريكي لم يقل قط إن هدفه تنصيب رضا بهلوي زعيما جديدا لإيران.
في قصة الابن صدى ثقيل لقصة عائلته. فكلما اقترب واحد من آل بهلوي من العرش عبر بوابة القوى الكبرى، أُغلقت البوابة نفسها في وجهه حين تغيرت حسابات من يحرسها. ولفهم ما جرى للابن، علينا أن نعود إلى العام الأخير في حياة أبيه.
ظهر يوم 16 يناير/كانون الثاني 1979، صعد محمد رضا بهلوي إلى طائرته في مطار مهرآباد متجها إلى أسوان، حيث استقبله الرئيس أنور السادات. كان ابنه في الولايات المتحدة منذ ما قبل سقوط العرش، يتدرب ليصبح طيارا مقاتلا. وبعد أسابيع انتصرت الثورة في فبراير/شباط، وبدأت العواصم تغلق أبوابها في وجه الشاه واحدة تلو الأخرى.
إعلان
ظل الرجل 9 أشهر "لاجئا غير مرغوب فيه"، إلى أن أُخبر بأن علاج سرطان الغدد الليمفاوية الذي ينهش جسده لا يتوفر إلا في المستشفيات الأمريكية. وفي خريف ذلك العام حطت طائرته في نيويورك قادمة من المكسيك. كانت واشنطن قد تخلت عنه حين اندلعت الثورة، ثم استقبلته على مضض. وكان أشد ما في الأمر مرارة أن يستجدي تأشيرة علاج من الدولة التي خدمها عمره كله، وأنفق مليارات الدولارات على سلاحها، وفتح بلاده قاعدة لاستخباراتها في وجه خصومها.
جاءت الموافقة تحت ضغط هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسبق وصاحب اليد الطولى في علاقة واشنطن بطهران لعقود، وديفيد روكفلر، رجل المال الذي جمعته بالشاه صداقة شخصية، ومعهما أصدقاء آخرون من النخبة الأمريكية رفضوا أن يتركوا حليفهم يموت على أبواب واشنطن. أُودع الشاه جناحا خاصا في مستشفى "نيويورك-كورنيل"، وسُجّل ملفه الطبي باسم مستعار هو "ديفيد نيوسوم"، وهو للمفارقة اسم وكيل وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك. تلقى العلاج الكيميائي خلف ستائر ثقيلة. لم يزره مسؤول رفيع واحد من إدارة الرئيس جيمي كارتر، ولم تُلتقط له صورة رسمية توحي بأنه لا يزال حليفا لواشنطن.
لم يمر وقت طويل حتى صار وجوده عبئا على الإدارة. تجمهر الطلاب الإيرانيون المعارضون حول المستشفى يهتفون "الموت للشاه"، ثم جاءت الضربة الأكبر يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، حين اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران وطالبوا بتسليم الشاه ثمنا للإفراج عن الدبلوماسيين المحتجزين.
أمام الأزمة، دفعت واشنطن ضيفها إلى المغادرة ما إن تحسنت حالته قليلا. وتولى هاميلتون جوردان، كبير موظفي البيت الأبيض، إقناعه بالانتقال إلى جزيرة "كونتادورا" في بنما، البلد الواقع تحت النفوذ الأمريكي. غير أن الحكومة البنمية رأت في وجوده ورقة تساوم بها، ومع حديث عن طلب طهران تسليمه، طار الشاه في مارس/آذار 1980 عائدا إلى مصر، البلد الوحيد الذي أبقى أبوابه مفتوحة له منذ رحيله.
في القاهرة تنقل بين المستشفيات، وخضع في مستشفى المعادي العسكري لجراحة لاستئصال الطحال. وفجر 27 يوليو/تموز 1980 توقف قلبه. لُفّ نعشه بعلم إيران الإمبراطوري في جنازة عسكرية سار السادات في مقدمتها، ودُفن في مسجد الرفاعي، حيث رقد جثمان أبيه رضا شاه بعد وفاته في منفاه بجنوب أفريقيا عام 1944، قبل أن يُنقل إلى إيران عام 1950.
حمل الابن من ذلك العام درسا لن يفارقه. فالقوة التي ثبّتت عرش أبيه هي نفسها التي أغلقت بابها في وجهه حين صار عبئا. وبعد ثلاثة أشهر من الجنازة، وقف في قصر القبة يعلن نفسه ملكا.
إعلان في القاهرة وإرث من طهرانأعدّت الإمبراطورة فرح ديبا إعلان ابنها بدقة، إجراء دستوريا يحفظ لآل بهلوي شرعيتهم في المنفى، بعد أن تمسكت بدور الوصية على العرش منذ وفاة زوجها. واجتذبت المحاولة منذ يومها الأول أنصارا من "التغريبيين"، وهي نخبة تشكل وعيها في كنف إصلاحات الشاه والبعثات التعليمية إلى الغرب، ومن طبقات وسطى صدمها التحول الديني بعد الثورة. وجد هؤلاء في عودة الملكية ملاذا لهوية قومية تستند إلى أمجاد فارس القديمة، وصورة لإيران تضاهي أوروبا في أسلوب حياتها.
إعلان
في المقابل، اصطدم الخطاب بجدار صلب من التيارات التي صنعت ثورة 1979، وفي مقدمتها اليسار. فهؤلاء لم ينسوا أن انقلابا مدعوما من الغرب عام 1953 هو الذي أعاد والد رضا إلى عرشه حاكما مطلقا. وصار ذلك الانقلاب في الذاكرة الجمعية "الخطيئة الأولى" التي وصمت العائلة بالتبعية للخارج. ومن هنا صار كل حراك يقوده "شاه في المنفى" برعاية دولية يبدو تكرارا لارتهان الإرادة الشعبية للأجنبي، حتى في نظر من يرفضون النظام القائم في طهران.
ولهذه الوصمة جذور أبعد من 1953، تعود إلى الطريقة التي وصلت بها العائلة إلى العرش أول مرة، ثم خرجت منه.
حين انتهت الحرب العالمية الأولى لم يكن للبهلوية اسم ولا عرش. كان رضا خان، الذي يحمل حفيده اسمه اليوم، قائدا في فرقة القوزاق التابعة للبلاط تحت سلالة القاجار التي حكمت إيران منذ أواخر القرن الثامن عشر. أسس الروس تلك الفرقة وأشرفوا عليها، ثم انفرط إشرافهم بعد الثورة البلشفية عام 1917. وبعد عامين وُقّعت اتفاقية بين إيران وبريطانيا رآها إيرانيون كثر مهينة، إذ وضعت مقدرات الدولة تحت وصاية بريطانية شبه كاملة، وأثارت اعتراض قوى أخرى رأت فيها احتكارا بريطانيا للبلاد.
ليلة 21 فبراير/شباط 1921، قاد رضا خان ما بين 3 و4 آلاف جندي إلى طهران بحسب الروايات، ولم يلق مقاومة تُذكر من دولة قاجارية منهكة. دخلت قواته العاصمة وأسقطت الحكومة دون دماء. وفور إحكام قبضته، أُلغيت الاتفاقية البريطانية، ووُقّعت معاهدة صداقة مع روسيا السوفياتية لتأمين الحدود الشمالية.
حكم العسكري البلاد بخلفيته الصارمة، فوحّدها تحت سلطة مركزية بقبضة حديدية. وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول 1925، صوّت البرلمان على خلع السلالة القاجارية، ثم تُوّج رضا خان ملكا في أبريل/نيسان 1926 باسم "رضا شاه بهلوي"، وهو اسم اختاره ليصل نفسه بأمجاد فارس القديمة.
مع منتصف الثلاثينيات صار حكمه استبدادا مطبقا. أسكت المعارضة وقيّد الصحافة، فتزايد الغضب في أوساط رجال الدين والمثقفين. وفي الخارج مشى على حبل مشدود بين بريطانيا، التي قبضت على النفط عبر الشركة "الأنجلو-إيرانية"، والسوفيات الذين راقبوا حدودهم المتاخمة لشمال إيران. ولموازنة الطرفين استعان بألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فانهار الرهان. صارت إيران في حسابات الحلفاء ممر إمداد لا غنى عنه لإنقاذ الجبهة السوفياتية أمام التقدم النازي. وكان خط السكة الحديد، الذي بناه الشاه رمزا لاستقلاله، هو الطريق الوحيد لإيصال العتاد إلى موسكو. وحين رفض رضا شاه طرد الخبراء الألمان كما طالبت لندن وموسكو، اجتاحت القوات البريطانية البلاد من الجنوب والسوفياتية من الشمال يوم 25 أغسطس/آب 1941. وفي غضون أسابيع أُرغم الشاه على التنازل عن العرش والرحيل إلى منفاه الأخير.
سمحت القوى التي أطاحت بالأب لابنه الشاب بالجلوس على الكرسي، بشرط أن يضمن تدفق النفط وأمن ممر الإمداد. وفي سبتمبر/أيلول 1941 جلس محمد رضا على العرش. ولم يمض عام حتى أرسلت واشنطن قواتها لتشغيل السكة الحديد، فصارت إيران ساحة تتقاطع فيها مصالح ثلاث قوى كبرى. ولما بدأت الحرب الباردة عادت البلاد إلى قلب العاصفة، إذ رفض السوفيات الانسحاب من الشمال في أزمة أذربيجان، ولم يتراجعوا إلا في مايو/أيار 1946 تحت ضغوط دولية قادتها واشنطن.
ترسخت في نفس الشاه الشاب قناعة بأن بقاءه مرهون برضا البيت الأبيض. غير أن الحماية التي أمّنت حدود مملكته هي ذاتها التي فجّرت داخلها. فقد غلى الشارع غضبا من قبضة الشركة الأنجلو-إيرانية على ثروة البلاد، وتبلورت حركة قومية طالبت باستعادة النفط، فوجد الشاه نفسه بين نداء الشارع وظل الحلفاء الذين ثبّتوا ملكه.
إعلان
وُضع هذا الخيار على المحك في يوليو/تموز 1952. كان رئيس الوزراء محمد مصدق، الزعيم القومي الذي أمّم النفط وهزّ الشركات الغربية، قد طالب بالإشراف على وزارة الحرب، فرفض الشاه واستقال مصدق، وعُيّن أحمد قوام مكانه. راهن الشاه على الحرس القديم والدعم الخارجي، لكن الرهان تحطم في انتفاضة ملأت الميادين بعد أيام، فأُعيد مصدق إلى منصبه بصلاحيات أوسع، وتولى وزارة الحرب بنفسه.
أدرك الحلفاء في واشنطن ولندن أن اللعبة الدستورية لم تعد تكفي لتحجيم الرجل. وفي أغسطس/آب 1953 نفّذت المخابرات الأمريكية والبريطانية العملية "أياكس"، فأطاحت بمصدق وأعادت الشاه، الذي كان قد فر إلى الخارج، إلى سلطة مطلقة. ذلك هو الانقلاب الذي سيلاحق ابنه بعد نصف قرن.
واشنطن.. صناعة الحنين
احتاج إعلان القاهرة إلى مال كي يتحول إلى شيء أقرب إلى الفعل السياسي. وتشير تقديرات إلى أن "مؤسسة بهلوي" امتلكت قبل الثورة أصولا بنحو 3 مليارات دولار، في قطاعات منها السيارات والبناء والفنادق والمصارف. وحين صادر النظام الجديد المؤسسة وحوّلها إلى "مؤسسة المستضعفين"، لم يبق للعائلة في المنفى إلا ما استطاعت إخراجه أو إخفاءه قبل سقوط العرش. كان ذلك جزءا يسيرا مما ملكته، لكنه كفى ليمنح الابن في سنواته الأولى غطاء ماليا يجمع به دائرة من الموالين.
ومع ذلك، أبقى رضا مسافة بينه وبين السياسة في سنوات المنفى الأولى، وعاش طالبا. أنهى دراسته الجامعية في العلوم السياسية عام 1985، وتزوج في العام التالي ياسمين اعتماد أميني، واستقر الزوجان في ضواحي واشنطن، حيث درست زوجته في جامعة جورج واشنطن. قرّبه المكان من مركز القرار الأمريكي، فبدأ نشاطا إعلاميا أبرزه بث تلفزيوني سري تسلل إلى شاشات الإيرانيين عام 1986، وهم في خضم الحرب مع العراق. قال فيه عبارته الشهيرة "سأعود". وقيل لاحقا إن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) رتبت ذلك البث، لكن رضا نفى ذلك.
في التسعينيات انتقلت المواجهة إلى الأقمار الصناعية. أطلق ملكيون إيرانيون مستقرون في لوس أنجلوس قنوات فضائية بالفارسية موجهة إلى الداخل، وصار رضا ضيفا منتظما على إحداها، بتمويل من ثروة العائلة ومن إيرانيين أثرياء في المنفى. حاولت السلطات قمع هذا البث، فصادرت في عام 2001 وحده آلاف الأطباق اللاقطة. ومع ذلك تسللت الأطباق إلى بيوت شرائح واسعة، حتى صارت هذه القنوات نافذة شبه وحيدة على خطاب سياسي يخالف رواية الدولة.
صوّرت تلك الشاشات عهد الشاه زمنا ذهبيا للانفتاح والرفاه. وتركت خارج الصورة الكثير مما عاشه آباء المشاهدين.
فبعد أن هدأت المعارضة في أعقاب 1953، أطلق الشاه عام 1963 برنامج "الثورة البيضاء"، فوزع أراضي ومنح المرأة حق الاقتراع، في استعراض للحداثة أراد به أن يرضي البيت الأبيض أكثر مما أراد تطوير البلاد. واستفز البرنامج رجال دين رأوا فيه تكريسا للتبعية، وفي طليعتهم آية الله روح الله الخميني، الذي هاجم الإصلاحات ثم أدان خضوع الشاه لواشنطن بعد منح الحصانة للخبراء العسكريين الأمريكيين. فنفاه الشاه عام 1964.
غاب الخميني، وأحكم الشاه قبضته. وفي عام 1967 تُوّج "شاهنشاه"، أي ملك الملوك، وفي المراسم نفسها نُصّب ابنه رضا، ابن السابعة، وليا للعهد رسميا. وفي عام 1971 أنفق مبالغ طائلة على احتفال في الصحراء قرب آثار "برسبوليس"، بمناسبة مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية، ليصل عائلته بملوك فارس القدماء. ثم جاءت طفرة النفط عام 1973 فتضخمت طموحاته.
بينما احتفلت النخب في الخيام الملكية، كان الغلاء يلتهم أقوات الفقراء الذين لم ينالوا من ثروة النفط سوى الفتات. وكان جهاز المخابرات "السافاك" يمارس قمعا دمويا ومنظما ضد كل صوت معارض. ولذلك حين بدأت الاحتجاجات عام 1978، لم تجد واشنطن مفرا من التخلي عن حليفها، وتركته وحيدا أمام الغضب حتى غادر مطار مهرآباد في يناير/كانون الثاني 1979. وبعد أسبوعين عاد الخميني من منفاه إلى المطار نفسه.
لم يعش جيل الشباب الذي تابع تلك القنوات شيئا من هذا. وجد فيها نافذة على نمط حياة مفقود، ومع انسداد أفق المعارضة في الداخل صار رضا بهلوي عند شريحة منهم أيقونة لحلم بدولة حديثة.
يوم 24 يناير/كانون الثاني 2001، كسر رضا بهلوي عزلته بخطاب دعا فيه إلى ملكية دستورية ديمقراطية، وقدم نفسه بديلا "مدنيا" جاهزا للحكم. كان قد أتم الأربعين، وصار يحمل مشروعا عُرف باسم "البديل الديمقراطي". وجّه في الخطاب نداء إلى أطياف المعارضة كافة، الإسلامية المعتدلة منها والليبرالية والقومية، كي تتجاوز خلافات الماضي وتتحد ضد النظام. وطرح نموذج "الملكية البرلمانية" على غرار السويد وبريطانيا، يجلس فيه الملك على قمة الدولة ولا يحكم، وتبقى السلطة الفعلية لبرلمان منتخب. واقترح أن يُحسم مستقبل البلاد في استفتاء تحت إشراف دولي.
إعلان
بعد أشهر غيّرت هجمات 11 سبتمبر/أيلول بوصلة السياسة الأمريكية. تعاونت واشنطن وطهران في البداية تعاونا غير مباشر ضد حركة طالبان، ثم انقلب المشهد مطلع 2002 حين صنّف الرئيس جورج بوش الابن إيران ضمن "محور الشر"، وتبنت إدارته خطاب "تغيير النظام". واشتدت في الوقت نفسه الضغوط الدولية على طهران بسبب برنامجها النووي.
وجد بهلوي في "الحرب على الإرهاب" فرصة لم تتح له من قبل. قدّم نفسه للبيت الأبيض بديلا يتقن لغة الغرب، بعيدا عن الراديكالية الدينية والقومية المتطرفة، ولاقت فكرة الاستفتاء صدى عند المحافظين الجدد. وبلغ الزخم ذروته يوم 19 مايو/أيار 2003، حين قدم السيناتور الجمهوري سام براونباك مشروع قانون يخصص أموالا أمريكية لدعم رؤية بهلوي للاستفتاء. وبعد ثلاث سنوات أُقر "قانون دعم الحرية في إيران" لتمويل المعارضة الإيرانية في الخارج.
في تلك السنوات، وبحسب تقارير مركز أبحاث الكونغرس، وصلت رسائل بهلوي المسجلة وبث إذاعي من كاليفورنيا إلى أعداد متزايدة من الإيرانيين. أراد من ذلك أن يبني قاعدة "افتراضية" تعوّض غيابه عن الأرض، ويستند إليها إن انهار النظام.
ثم وضع صيف 2009 طموحه أمام أصعب اختبار. انفجرت احتجاجات واسعة في طهران، لكن من قادها رجال من داخل عباءة النظام نفسه. هتف الملايين لمير حسين موسوي، الذي كان "رئيس وزراء الحرب" بين عامي 1981 و1989، وهي الحقبة التي شهدت تصفية أنصار الملكية. رأى فيه الملكيون شريكا في "الخطيئة الأولى" لثورة 1979، ورأى موسوي في "الحركة الخضراء" سبيلا لترميم الجمهورية من داخلها.
حاول بهلوي أن يركب الموجة. وقال للصحفيين في نادي الصحافة الوطني بواشنطن إن لديه معلومات بأن الجيش وأجهزة الاستخبارات مستعدة لتغيير الأوضاع. غير أن المتظاهرين رفعوا صور موسوي، ولم تظهر صوره بينهم. وكشف ذلك أن المعارضة في الداخل قادرة على صنع رموزها، وأن "عقدة 1953" ما زالت جدارا يمنع التيارات القومية واليسارية من قبوله زعيما.
وزادت الإدارة الأمريكية الجديدة موقفه حرجا. فقد مال الرئيس باراك أوباما إلى الدبلوماسية والتعامل مع الجمهورية الإسلامية واقعا سياسيا، ورفض التدخل الصريح لدعم الاحتجاجات خشية أن تُوصم بأنها صناعة أمريكية. أحبط ذلك رهان بهلوي على دور أمريكي حاسم، وكشف أن تأثيره محصور في دوائر المتعاطفين مع الملكية في الخارج وشريحة صغيرة من الشباب في الداخل.
الطريق إلى طهران عبر تل أبيبقبل تلك الحرب بعامين، يوم 17 أبريل/نيسان 2023، وصل رضا بهلوي إلى إسرائيل في أول زيارة علنية له. استضافته وزيرة الاستخبارات غيلا غمليئيل ورافقته طوال الرحلة، فالتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس إسحاق هرتسوغ، وحضر افتتاح إحياء ذكرى المحرقة في متحف "ياد فاشيم"، ثم وقف يصلي عند حائط البراق معتمرا القلنسوة اليهودية. وزار أيضا الحاخام ليو دي، المستوطن في "إفرات" بالضفة الغربية المحتلة، الذي قُتلت زوجته وابنتاه قبل أيام في هجوم. حينها وصفته الحكومة الإسرائيلية بأنه "أبرز إيراني يزور إسرائيل في التاريخ". أما فلسطين فلم يذكرها بكلمة، ولم يدخل المسجد الأقصى.
لم يأت بهلوي إلى أرض مجهولة. فقد اعترفت إيران في عهد أبيه بإسرائيل اعترافا واقعيا في مارس/آذار 1950، وتجنبت الاعتراف الرسمي خشية الشارع الإيراني والجيران العرب. وفي يوليو/تموز 1951 أغلقت حكومة مصدق القنصلية الإيرانية في القدس. ثم عاد الشاه على ظهر انقلاب 1953، فبنى مع تل أبيب علاقة اقتربت من التحالف. اشترت إسرائيل نسبة كبيرة من نفطها من إيران، وكل نفطها في بعض السنوات، وتدفق جزء منه عبر خط أنابيب إيلات-عسقلان. وتكشف برقيات الخارجية الإسرائيلية، التي نشرها موقع "+972" الإسرائيلي، صفقات سلاح بعشرات ملايين الدولارات، وصلات وثيقة مع "السافاك"، الجهاز الذي كان يطارد معارضي الشاه في الداخل.
ثم جاءت الثورة فقطعت الحبل. في 11 فبراير/شباط 1979 قررت إسرائيل إجلاء آخر ممثليها من طهران، وبعد أيام كان ياسر عرفات أول زعيم أجنبي يلتقي الخميني، وتسلمت منظمة التحرير الفلسطينية مقر البعثة الإسرائيلية. منذ ذلك اليوم صار العداء لإسرائيل ركنا في خطاب الجمهورية الإسلامية، وصار الحنين إلى صداقة الشاه معها، عند بعض خصومها، جزءا من الحنين إلى الملكية نفسها.
وفي حرب يونيو/حزيران 2025، لم يقل الابن كلمة لإدانة القصف المستمر الذي قُتل فيه أكثر من 935 شخصا بحسب الأرقام الإيرانية، كثير منهم مدنيون. وقال سينا طوسي، الباحث في مركز السياسة الدولية بواشنطن، إن بهلوي كان "الشخصية المعارضة الوحيدة فعلا" التي أيدت تلك الحرب. ورأى الباحث تريتا بارسي أن إسرائيل تستعمله لتمنح حربها "غلالة من الشرعية"، فتقول للعالم إن الإيرانيين يريدون أن يُقصفوا.
بعد الحرب صار الدعم الإسرائيلي معلنا. أرسل بهلوي وفدا من الخبراء إلى إسرائيل ضمن ما سماه "مشروع ازدهار إيران"، فاستقبلته غمليئيل، وقد صارت وزيرة للعلوم والتكنولوجيا، وقالت لقناة "إيران إنترناشيونال" إن إسرائيل تدعم بهلوي. كان ذلك، بحسب القناة، أول تأييد صريح له من وزير إسرائيلي. وطرح مستشاره سعيد قاسمي نجاد فكرة "اتفاقيات كورش" على غرار اتفاقيات أبراهام، ثم تبناها بهلوي نفسه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، واعدا بأن تذهب موارد إيران بعد سقوط الجمهورية الإسلامية إلى السلام مع جيرانها.
طوال تلك الشهور كانت إسرائيل تشن حرب إبادة على غزة. وبهذا أعاد بهلوي إلى خصومه أقوى حججهم ضده. فالرجل الذي يقدم نفسه بديلا ديمقراطيا يحمل اسم عائلة تلاحقها تهمة التبعية للخارج منذ 1953، وها هو يطلب السند من حكومة مستمرة في ارتكاب جرائم حرب ليست بعيدة عن بلاده.
"بهلوي سيعود".. والحرب التي أغلقت الباببعد سنوات من التهميش في حقبة أوباما والاتفاق النووي، انبعث الأمل مع دونالد ترمب واستراتيجية "الضغط الأقصى" التي تبناها ضد طهران. سارع بهلوي إلى الواجهة، وخاطب الإدارة الأمريكية على منصة "إكس" بعبارة "ساعدوا الإيرانيين في تحرير أنفسهم واجعلوا إيران عظيمة مرة أخرى". تعمّد بهلوي التناص مع شعار ترمب الشهير (MAGA)، باحثا عن أرضية مشتركة بين تيار "ماغا" والحنين الملكي الإيراني.
ومع تصاعد الحشد ضد طهران، تموضع بهلوي في صف المؤيدين لـ"الضغط الأقصى". وبينما هدد ترمب بالضربات العسكرية، عرض بهلوي فكرة "صندوق الإضراب"، أي استخدام أصول إيرانية مجمدة لتمويل العصيان المدني في الداخل، ليكون هو الوسيط الذي يمنح ترمب انتصارا دون غزو بري.
وحين تعرضت إيران في يونيو/حزيران 2025 لحرب إسرائيلية استمرت 12 يوما، تبعتها ضربات أمريكية على مواقع نووية رئيسية، رأى بهلوي في الحرب فرصة لتغيير النظام، وأبدى استعداده لقيادة البلاد. بدا لكثيرين أنه يراهن على تدمير بلده طريقا إلى العرش. واستعاد خطابه في الأذهان نموذج أحمد الجلبي في العراق، المعارض الذي وعد واشنطن باستقبال حافل بالورود، وانتهى بلا قاعدة شعبية حقيقية.
لكن الشارع فاجأ الجميع بعد شهور. أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 خرجت احتجاجات على الغلاء، وسرعان ما تحولت إلى مطالب بإنهاء حكم رجال الدين. وفي السادس من يناير/كانون الثاني 2026 أطلق بهلوي أول دعوة صريحة للتحرك، طالب فيها الإيرانيين بالهتاف في ساعة محددة مساءين متتاليين. وجاء الرد في أحياء من طهران ومدن أخرى. تردد شعار "يحيا الملك"، وهتف محتجون "بهلوي سيعود"، وهي العبارة نفسها التي قالها هو قبل 40 عاما في البث السري. وقال بهلوي بعدها إن ملايين الإيرانيين هتفوا باسمه.
كانت تلك أقرب لحظة بلغها من العودة منذ 1979. ومع ذلك ظل حجم تأييده في الداخل عصيا على القياس، وانقسم الإيرانيون حوله بحدة. فالأقليات القومية تذكر قمع أبيه لغاتها وتراثها باسم العظمة الفارسية، وما زال شعار رفعه محتجو 2022 حاضرا، "الموت للظالم، شاها كان أو مرشدا". وحتى ترمب قال لرويترز في منتصف يناير/كانون الثاني إن بهلوي يبدو لطيفا جدا، لكنه لا يعرف كيف سيكون أداؤه داخل بلده.
ثم جاء فجر 28 فبراير/شباط 2026. شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، وقتلت الضربة الأولى المرشد علي خامنئي. كان بهلوي من أعلى الأصوات المؤيدة للتدخل العسكري، وعاد ليقول إنه مستعد لقيادة إيران بعد سقوط الجمهورية الإسلامية.
غير أن الحرب أنتجت عكس ما تمناه. فقد ظهر لواشنطن أن النظام يقوم على بنية عسكرية معقدة، تضم بحسب تقديرات غربية جيشا نظاميا من نحو 400 ألف جندي وحرسا ثوريا من 190 ألفا، إلى جانب شبكة "الباسيج" المتشعبة. وكانت إيران قد أعادت بناء نفسها منذ حرب الثمانينيات "دولة حصار" تتقن حروب الاستنزاف والمواجهات غير المتكافئة، فبدت فكرة إسقاط النظام بالغارات الجوية وهما. وأيقظت الحرب ذاكرة إيرانية شديدة الحساسية تجاه التدخل الأجنبي، تمتد جذورها إلى انقلاب 1953 وإلى ما قبله من مقاومة للتغلغل الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر. ورغم السخط الواسع على النظام، اصطف كثيرون دفاعا عن بلدهم في وجه القصف.
توقفت العمليات الواسعة في أبريل/نيسان رغم استمرار الاعتداءات المتفرقة والتلويح بشبح الحرب، ومع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي واقتراب الانتخابات النصفية، سعى ترمب إلى تجنب حرب برية تكلف مليارات الدولارات كما جرى في العراق. وفي 14 يونيو/حزيران أعلن مذكرة تفاهم مع طهران، وُقّعت إلكترونيا بعد ثلاثة أيام، تضمنت وقف إطلاق النار وأمن الملاحة في مضيق هرمز ورفعا تدريجيا للعقوبات، وفتحت مسارا تفاوضيا مدته 60 يوما نحو اتفاق نهائي.
لم يجد بهلوي لنفسه مكانا في الصفقة. وبحسب رويترز، تعهدت واشنطن باحترام سيادة إيران والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية، ورفضت علنا فكرة عودته. ثم جاء تصريح فانس ليغلق الباب. ردّ بهلوي بهجوم على الاتفاق، ووصفه بأنه "خاطئ أخلاقيا ومضلل استراتيجيا"، وربط بينه وبين إعدام طهران محتجَّيْن اعتُقلا في انتفاضة يناير/كانون الثاني.
في مطلع يوليو/تموز، أقامت طهران جنازة لخامنئي استمرت أسبوعا، وحشدت لها جموعا غفيرة في استعراض للولاء للجمهورية الإسلامية، قبل أن يُدفن في مشهد. وكان ابنه مجتبى قد خلفه مرشدا. خرج النظام من الحرب منهكا ومثقلا بإعادة الإعمار، لكنه بقي، وجلس أعداؤه معه إلى طاولة التفاوض.
يتم رضا بهلوي عامه السادس والستين في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026. لقد مضت 46 سنة على إعلانه تنصيب نفسه ملكًا في قصر القبة، ولما تطأ قدمه إيران بعد.
إقرأ المزيد


