الجزيرة.نت - 10/22/2026 5:55:37 AM - GMT (+3 )
أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر.
Published On 22/10/2026
|آخر تحديث: 05:27 (توقيت مكة)
شارِكْ
تضع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الدوحة، بالتزامن مع توقيع مذكرة بدر للتعاون الدفاعي بين قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، تطوير القدرات الدفاعية القطرية في واجهة النقاش.
لكن قراءة هذه الخطوات بوصفها استجابة ظرفية للتوترات الراهنة وحدها تقلل من دلالتها؛ فهي تأتي ضمن مسار أوسع بدأ قبل سنوات، ويتجه تدريجيا من اقتناء المنظومات العسكرية إلى بناء الخبرة والشراكات والقدرة الصناعية التي تساندها.
تعكس مباحثات ماكرون استمرار أهمية الشراكة الدفاعية القطرية الفرنسية. وأعلن الرئيس الفرنسي التوصل إلى اتفاقات لتحديث طائرات رافال القطرية القائمة، إلى جانب اتفاقات تتصل بالمركبات المدرعة، بما يعزز التعاون في مجالات تتطلب صيانة وتحديثا مستمرين للقدرات العسكرية.
وتأتي هذه الخطوات امتدادا لعلاقة دفاعية راسخة، لا باعتبارها بديلا عن بقية الشراكات التي تستند إليها قطر.
ولفهم هذا المسار، لا بد من التوقف عند برزان القابضة. أُنشئت الشركة عام 2016، وأُطلقت رسميا عام 2018 بوصفها شركة مملوكة لوزارة الدفاع، لتكون أداة وطنية لتطوير القدرات العسكرية والأمنية عبر الاستثمار والشراكات مع شركات دولية، ودعم البحث والتطوير، وبناء رأس المال البشري والتقني، والمساهمة في عمليات الشراء الإستراتيجي.
وأظهرت زيارة سمو الأمير لمركز البحث والتطوير التابع لبرزان، مشروعات التصنيع والتجميع العسكري، والشراكات بين الشركات القطرية والدولية، إلى جانب العمل في الأمن السيبراني والتقنيات المبتكرة. وهذا يوضح أن الدور المقصود يتجاوز كون الشركة وسيطا تجاريا لشراء المعدات.
الردع هنا ليس نقيضا للحوار؛ بل أحد الشروط التي تمنح الدولة مساحة أوسع لحماية خياراتها السياسية، وتقلل من إغراء اختبار قدرتها على الصمود. وتطوير الدفاع لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية، مثلما أن تفضيل التفاوض لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد
وتظهر الشراكة مع تركيا جانبا عمليا من هذا التوجه. فقد شملت الاتفاقات بين برزان وشركات تركية مجالات مثل البحث والتطوير، والإنتاج المشترك، ونقل التكنولوجيا، ودمج الأنظمة.
إعلان
كما شهد معرض ديمدكس في الدوحة مطلع عام 2026 اتفاقات تعاون بين برزان وعدد من الشركات التركية في مجالات الذخائر والهندسة والأنظمة والمنصات البحرية.
هذه المسارات لا تعني أن نقل التكنولوجيا أو التصنيع المشترك يتحقق بمجرد توقيع الاتفاق، لكنها تتيح بناء الخبرات والعلاقات الصناعية التي يمكن أن تتحول، مع التنفيذ والتدريب والاستثمار، إلى قدرة أكثر رسوخا.
وفي هذا السياق تأتي مذكرة بدر، فهي توسع إطار التعاون ليجمع بين دول تملك خبرات وقدرات دفاعية متفاوتة، وتفتح المجال للتعاون في الإنتاج والتدريب الفني والبحث والتطوير.
وتنبع أهميتها من إمكان ربط القدرات الصناعية والتقنية لدى الشركاء بمشروعات عملية، بما يدعم تنويع مصادر المعرفة والتعاون. لكن من المهم عدم تحميل المذكرة أكثر مما تحتمل: قيمتها الحقيقية ستتحدد بما ينتج عنها من برامج ومشروعات، وبمدى انتقال التعاون من النوايا العامة إلى التدريب والإنتاج ونقل الخبرة.
ولا يتعارض هذا التوجه مع استمرار قطر في دعم الحلول الدبلوماسية. فالدبلوماسية تظل خيارا أساسيا في السياسة الخارجية القطرية، لكن فاعليتها ترتبط أيضا بوجود دولة قادرة على حماية أراضيها ومصالحها ومواطنيها.
الردع هنا ليس نقيضا للحوار؛ بل أحد الشروط التي تمنح الدولة مساحة أوسع لحماية خياراتها السياسية، وتقلل من إغراء اختبار قدرتها على الصمود. وتطوير الدفاع لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية، مثلما أن تفضيل التفاوض لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد.
لا تختزل دلالة اتفاقات ماكرون ومذكرة بدر في المعدات أو العقود التي نتجت عنها. الأهم أنها تأتي ضمن تحول طويل الأمد نحو بناء منظومة دفاعية تجمع بين الجاهزية العسكرية، والتعاون الدولي، والبحث والتطوير، والتصنيع ونقل المعرفة
وتتغير طبيعة التهديدات بوتيرة تجعل تطوير القدرات عملية مستمرة لا محطة تنتهي بشراء طائرات أو منظومات دفاع جوي. فالمسيرات والصواريخ، والهجمات السيبرانية، والتهديدات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، تفرض على الدول تطوير وسائل الكشف والإنذار والاعتراض، وتعزيز حماية الشبكات والاتصالات، ورفع مستوى التنسيق بين القطاعات العسكرية والمدنية.
كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في منظومات الرصد واتخاذ القرار يفتح فرصا جديدة، لكنه يتطلب خبرات وطنية وإطارا واضحا للاستخدام والحوكمة والأمن التقني.
وقد أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والضغوط على خطوط الإمداد أن القدرة الدفاعية لا تقاس فقط بما تمتلكه الدولة في وقت السلم، بل أيضا بقدرتها على المحافظة على جاهزية تلك القدرات عند تعطل النقل أو تأخر وصول قطع الغيار والمعدات.
من هنا تبرز أهمية امتلاك عمق صناعي وتقني يتيح قدرا أكبر من الاستدامة والصيانة والإنتاج المحلي، مع ضرورة الواقعية: لا تستطيع دولة بمفردها تصنيع كل ما تحتاج إليه، ولا يكون الاكتفاء الذاتي الكامل هدفا عمليا بالضرورة. الهدف الأكثر قابلية للتحقق هو تقليل نقاط الضعف في الإمداد، وبناء قدرات محلية انتقائية، وتنويع الشركاء ومصادر التكنولوجيا.
إعلان
وهذا ما يفسر تمسك قطر بشبكة شراكات متعددة، تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا، إلى جانب التعاون الخليجي. فهذه الشراكات توفر خبرات وتقنيات ومظلات تعاون مختلفة، بينما تمنح المبادرات الصناعية المشتركة قطر فرصة لتطوير قاعدة معرفية وقدرات مساندة داخل الدولة.
لا تعني الشراكة مع طرف التخلي عن شريك آخر، بل تعكس سعيا إلى توسيع الخيارات وتوزيع الاعتماد، بحيث لا ترتبط الجاهزية الدفاعية بمصدر واحد أو مسار واحد.
لذلك، لا تختزل دلالة اتفاقات ماكرون ومذكرة بدر في المعدات أو العقود التي نتجت عنها. الأهم أنها تأتي ضمن تحول طويل الأمد نحو بناء منظومة دفاعية تجمع بين الجاهزية العسكرية، والتعاون الدولي، والبحث والتطوير، والتصنيع ونقل المعرفة.
وستقاس جدوى هذا التحول بقدرته على حماية المصالح القطرية ومواكبة التهديدات المتغيرة، مع إبقاء الدبلوماسية في موقعها المركزي. فالدولة التي تريد أن توسع فرص السلام تحتاج كذلك إلى قدرة تحمي أمنها، وتصون قرارها، وتمنحها مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


