الجزيرة.نت - 10/21/2026 9:36:57 PM - GMT (+3 )
لم يكن التتويج بجائزة الكرة الذهبية دائما مجرد انعكاس للأرقام المتراكمة على مدار موسم كامل؛ ففي محطات تاريخية، برزت مباريات ولحظات استثنائية أسهمت في تعزيز حظوظ لاعبين، وأعادت رسم ملامح المنافسة على الجائزة الفردية الأرفع في كرة القدم.
هدف في ملحق مونديالي، أو أداء لافت في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، أو قيادة منتخب إلى إنجاز تاريخي في بطولة كبرى، كلها لحظات تجاوزت حدود المستطيل الأخضر لتستقر في ذاكرة الجماهير والإعلام والمصوتين. لكن هل كانت تلك اللحظات حاسمة فعلا في تحديد الفائز، أم أنها اكتسبت قيمتها لأنها جاءت امتدادا لموسم استثنائي؟
سجلات الجائزة تقدّم إجابات متباينة، من الجدل الذي أحاط بتتويج كريستيانو رونالدو في عام 2013، إلى الفارق الضئيل بين رودري وفينيسيوس جونيور في عام 2024، مرورا بتجربتي كاكا ومودريتش، وصولا إلى موسم عثمان ديمبيلي في عام 2025.
رونالدو 2013.. ثلاثية أشعلت الجدلكان الفرنسي فرانك ريبيري أحد أبرز المرشحين للفوز بالكرة الذهبية في عام 2013، بعدما أسهم في قيادة بايرن ميونخ إلى ثلاثية الدوري الألماني وكأس ألمانيا ودوري أبطال أوروبا. لكن كريستيانو رونالدو خطف الأضواء في الملحق الأوروبي المؤهل إلى كأس العالم 2014، حين سجل ثلاثية قاد بها البرتغال إلى الفوز على السويد 3-2 في مباراة الإياب، بعدما أحرز هدف الفوز في لقاء الذهاب الذي انتهى (1-0).
تزامنت تلك الليلة مع توقيت بالغ الحساسية؛ إثر الإعلان عن تمديد فترة التصويت على الجائزة حتى 29 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أن كان مقررا إغلاقها في 15 من الشهر ذاته. ورغم تبرير "فيفا" القرار بانخفاض نسبة المشاركة، إلا أنه أثار جدلا واسعا لتزامنه مع تألق رونالدو، لا سيما مع منح المصوتين الذين أدلوا بأصواتهم مسبقا حق تعديل اختياراتهم خلال فترة التمديد.
وفي يناير/كانون الثاني 2014، تُوّج رونالدو بالجائزة بعدما حصد 27.99% من الأصوات، متقدما على الأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي نال 24.72%، فيما حل ريبيري ثالثا بنسبة 23.36%.
إعلان
وبلغ الفارق بين رونالدو وميسي 3.27 نقطة، مقابل 4.63 نقطة بينه وبين ريبيري. ورغم أن النتيجة لا تثبت أن ثلاثية السويد أو تمديد التصويت حسمت الجائزة، فإن تزامن الحدثين جعل نسخة عام 2013 إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخها. وقد رأت تقارير صحفية معاصرة أن تمديد التصويت عزز حظوظ رونالدو، وهو تفسير يستند إلى توقيت القرار، لا إلى دليل قاطع على كيفية تأثيره في الأصوات فعليا.
كاكا 2007.. ليلة "أولد ترافورد" كانت السرفي عام 2007، قدّم البرازيلي كاكا واحدة من أبرز محطاته الأوروبية عندما سجل هدفين في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا أمام مانشستر يونايتد، في مباراة انتهت بخسارة ميلان (2-3) على ملعب "أولد ترافورد". ثم أضاف هدفا في لقاء الإياب، الذي فاز فيه الفريق الإيطالي (3-0)، ليبلغ النهائي ويواصل طريقه نحو اللقب.
لم تكن هاتان المواجهتان مجرد محطة عابرة؛ فقد جسّدتا قدرة كاكا على صناعة الفارق في أكبر المواعيد، وأسهمتا في ترسيخ صورته بوصفه النجم الأبرز في مشوار ميلان الأوروبي. لكن تتويجه بالكرة الذهبية استند أيضا إلى حصيلة موسم كامل، تُوّج خلاله بدوري أبطال أوروبا، وأنهى البطولة هدافا برصيد 10 أهداف.
وحصد كاكا 444 نقطة في التصويت، متقدما على البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي جاء ثانيا بـ277 نقطة، والأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي حل ثالثا بـ255 نقطة. وبلغ الفارق بين كاكا والوصيف 167 نقطة، في نتيجة عكست تفوقا واضحا في تقييم المصوتين.
وتبرز هذه الحالة كيف يمكن لمواجهات مباشرة بين المرشحين أن تترك أثرا في صورة اللاعب، خصوصا عندما تأتي ضمن مشوار يقوده إلى لقب كبير. فليلة أولد ترافورد لم تكن كافية وحدها لتفسير فوز كاكا، لكنها كانت إحدى اللحظات التي جسّدت موسمه الاستثنائي.
مودريتش 2018.. إنجاز تجاوز الحدودلم تكن لحظة واحدة محددة وراء تتويج الكرواتي لوكا مودريتش بالكرة الذهبية في عام 2018؛ بل تضافرت إنجازات النادي والمنتخب لتمنحه أفضلية في عام شهد نهاية هيمنة ميسي ورونالدو على الجائزة، التي تقاسما الفوز بها خلال السنوات العشر السابقة باستثناء تتويج كاكا في عام 2007.
مع ريال مدريد، أحرز مودريتش لقب دوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة تواليا، وفي كأس العالم قاد كرواتيا إلى النهائي للمرة الأولى في تاريخها، ونال جائزة أفضل لاعب في البطولة، رغم خسارة المنتخب أمام فرنسا (2-4) في المباراة النهائية.
وفي التصويت، جمع مودريتش 753 نقطة، متقدما على رونالدو، الذي حل ثانيا بـ476 نقطة، والفرنسي أنطوان غريزمان، الذي جاء ثالثا بـ414 نقطة، وبلغ الفارق بين الفائز والوصيف 277 نقطة كاملة.
وفي المقابل، ودّعت البرتغال بقيادة رونالدو والأرجنتين بقيادة ميسي كأس العالم من دور الـ16، بعدما خسرت البرتغال أمام أوروغواي والأرجنتين أمام فرنسا. وقد حرم ذلك النجمين من مواصلة المشوار نحو لقب المونديال، في وقت كان فيه مودريتش يقود منتخب بلاده إلى إنجاز تاريخي.
لا يمكن اختزال تتويج النجم الكرواتي في خروج منافسيه فحسب؛ فقد جمع بين النجاح الأوروبي برفقة ريال مدريد والتألق الدولي مع منتخب بلاده. وهنا تبرز أهمية اللحظات الفارقة؛ فقد لا تكون مباراة واحدة هي الفيصل في حسم الجائزة، لكن نتائج المواعيد الكبرى قادرة على إعادة ترتيب المشهد وتغيير الانطباع العام عن المرشحين للجائزة.
رودري 2024.. 41 نقطة كانت كافيةقدّمت نتيجة الكرة الذهبية لعام 2024 مثالا واضحا على تقارب المنافسة؛ إذ تُوّج الإسباني رودري بالجائزة بعدما جمع 1170 نقطة، متقدما بفارق 41 نقطة فقط على البرازيلي فينيسيوس جونيور، الذي حل ثانيا.
إعلان
وكانت بطولة كأس أمم أوروبا إحدى المحطات البارزة في موسم رودري، بعدما أسهم في قيادة إسبانيا إلى اللقب القاري، ونال جائزة أفضل لاعب في البطولة تقديرا لمستوياته طوال المنافسات. وحتى في النهائي أمام إنجلترا، الذي انتهى بفوز إسبانيا (2-1)، لم يكمل لاعب الوسط المباراة، إذ غادر الملعب بين الشوطين بسبب الإصابة.
في المقابل، قدّم فينيسيوس موسما مميزا مع ريال مدريد، توج خلاله بلقبي دوري أبطال أوروبا والدوري الإسباني. لذلك لم تكن المنافسة مواجهة بسيطة بين لاعب متألق وآخر أقل منه؛ بل مقارنة بين ملفين قويين، لكل منهما إنجازاته ومبرراته.
ومع فارق لا يتجاوز 41 نقطة، تبدو النتيجة حساسة تجاه اختلاف تقييم المصوتين للأداء الفردي والإنجازات الجماعية. لكن هذا التقارب لا يثبت أن بطولة أمم أوروبا حسمت الجائزة لرودري، كما لا يسمح بتحديد مباراة بعينها بوصفها نقطة التحول. الأدق أن تألقه في البطولة القارية عزز ملفه في منافسة متقاربة، ضمن موسم ناجح مع مانشستر سيتي ومنتخب إسبانيا.
ديمبيلي 2025.. حين اجتمعت اللحظة مع الأداءيمثل تتويج الفرنسي عثمان ديمبيلي بالكرة الذهبية في عام 2025 حالة اجتمعت فيها اللحظات الكبرى مع حصيلة موسم استثنائي. فقد حصد لاعب باريس سان جيرمان 1380 نقطة، وحصل على المركز الأول لدى 73 مصوتا من أصل 100، متقدما على الإسباني لامين جمال، الذي جمع 1059 نقطة، بفارق بلغ 321 نقطة. وحل البرتغالي فيتينيا ثالثا بـ703 نقاط.
وجاء التتويج بعد موسم استثنائي لباريس سان جيرمان، تُوّج فيه بلقب دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، إثر فوزه على إنتر ميلان (5-0) في النهائي. كما نال ديمبيلي جائزة أفضل لاعب في البطولة، في حصيلة عززت ملفه الفردي وجمعت بين الألقاب والتألق في المواعيد الحاسمة.
غير أن اختزال تتويج ديمبيلي في هذه المباراة أو في نهائي دوري الأبطال وحده يتجاهل الأداء الذي قدمه على امتداد الموسم. ويكشف الفارق البالغ 321 نقطة مع جمال عن اتساع الفجوة في تقييم المصوتين، لكنه لا يثبت أن اللحظات الحاسمة فقدت تأثيرها؛ فقد جاءت تلك اللحظات متكاملة مع موسم ناجح، لا بديل عنه. وعلى خلاف المنافسات المتقاربة، لا توفّر هذه النتيجة وحدها أساسا للقول إن مباراة محددة رجّحت كفة ديمبيلي، لكنها تؤكد أن ملفه العام حظي بتأييد واسع.
بين سحر اللحظة وحصيلة الموسمتؤكد هذه المحطات أن اللحظات الفارقة تصنع فارقا بنسب متفاوتة؛ فثلاثية رونالدو تزامنت مع تمديد التصويت، بينما رسخت مواجهتا كاكا ضد مانشستر يونايتد موسمه الاستثنائي، في حين جمع مودريتش بين المجد الأوروبي وإنجاز المونديال، وعزز رودري وديمبيلي حظوظهما عبر الألقاب والأداء الحاسم.
غير أن هذه الأمثلة لا تعني أن مباراة واحدة قادرة وحدها على صناعة الفائز؛ إذ إن تأثير اللحظة يرتبط ارتباطا وثيقا بسياقها، وقوة المنافسين، وسجل المرشح، بحيث يشتد أثرها عند تقارب المنافسات ويتراجع حين يتفوق أحد الأطراف بوضوح.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية + مواقع التواصل الاجتماعي
إقرأ المزيد


