الجزيرة.نت - 10/21/2026 9:16:47 PM - GMT (+3 )
Published On 21/10/2026
تلتقي الدعوة الصينية إلى تطوير الممرات القطبية، مع الإستراتيجية الأوروبية الجديدة، عند أهمية البنية التحتية، وتفترقان في تعريف المخاطر المحيطة. ففي الطرح الصيني تندرج الممرات ضمن شبكة نقل تدعم التجارة والتنمية، بينما يجمع الاتحاد الأوروبي بين توسيع الربط وحماية المنشآت الحيوية، بالتعاون مع شركائه وبالتكامل مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومن هذا التقاطع، ينتقل مركز التنافس من اختصار زمن الرحلات إلى شروط التشغيل المتمثلة في توفير قدرات الملاحة والرصد والحماية، وتحديد الجهات التي تتحكم فيها وقواعد استخدامها.
في كلمة ألقاها لي تشيانغ، رئيس مجلس الدولة الصيني، بعاصمة طاجيكستان في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ونشرتها وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" دعا إلى بناء منظومة ممرات نقل دولية مستقرة وقادرة على الصمود.
ووضع تطوير الممرات القطبية وممر النقل الدولي العابر لبحر قزوين ضمن هذا التوجه، مع توسيع النقل متعدد الوسائط الذي يجمع وسائل نقل مختلفة لزيادة القدرة الاستيعابية وتحفيز الصناعات على امتداد المسارات.
وتحدد هذه الكلمة توجها سياسيا لعمليات الربط، من دون إعلان مشروع قطبي بعينه أو تخصيص تمويل وجدول تنفيذي له.
وفي اليوم نفسه، أعلن الاتحاد الأوروبي إستراتيجيته القطبية الجديدة، وحسب صحيفة الاقتصاد اليومية تجمع الإستراتيجية 4 أولويات: الأمن والقدرة على الصمود، مواجهة تغير المناخ، الازدهار الاقتصادي، توفير فرص للسكان المحليين.
كما تشمل هذه الإستراتيجية تطوير بنى النقل والطاقة والاتصالات الرقمية وحماية المنشآت الحيوية ورفع الاستعداد للطوارئ والقدرات العملياتية، وهكذا تظل التنمية جزءا من التصور الأوروبي داخل إطار يمنح الحماية الأمنية وزنا واضحا.
وتوضح تفاصيل أوردتها صحيفة "هوان تشيو" -نقلا عن تقارير غربية- الأدوات المقترحة لهذا الإطار من خلال تعزيز أسطول كاسحات الجليد الأوروبي وإعداد ترتيبات للشراء المشترك لكاسحات الجليد وتقاسم قدراتها، وإنشاء مركز للأمن البحري لمراقبة نشاط الأسطول والغواصات الروسية، ومد كابل بحري بين غرينلاند والقارة الأوروبية، مع تصور لتوسيعه لاحقا إلى كندا واليابان وكوريا الجنوبية.
إعلان
وتبين هذه العناصر أن قابلية الممر للاستخدام تتصل بمنظومة أوسع من تجاوز المسافة البحرية، فكاسحات الجليد لإسناد عمليات العبور، والكابلات البحرية لتوفير الاتصال، وقدرات الطوارئ لدعم الأمن والسلامة، أما الرصد فتختلف وظائفه بين متابعة المناخ ومراقبة التحركات العسكرية.
ومع اجتماع هذه الوظائف في منطقة واحدة، تصبح ملكية التجهيزات وإدارتها وحمايتها مؤثرة في شروط استخدام الممر، ويتداخل الاستثمار التجاري مع حسابات الأمن.
تعريفات متنافسة للخطرجاو جون جيه:
تعديل الإستراتيجية الأوروبية الجديد يعيد تعريف القطب بوصفه منطقة أمن أمامية لأوروبا، بعد أن كان التركيز على المناخ والتنمية المستدامة
ويظهر الخلاف في النظرة إلى النشاط الصيني الروسي، فقد نقلت صحيفة "هوان تشيو" عن مقابلة مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، قولها إنه على الدول الغربية منع الصين وروسيا من الهيمنة على منطقة القطب الشمالي والسيطرة على الطرق البحرية التي فتحت حديثا فيه، بشكل يمنع تحوّلها إلى نقطة اختناق إستراتيجية أخرى في التجارة العالمية.
وفي المقابل، تنتقد الصحيفة الإستراتيجية الأوروبية باعتبارها محكومة بمنطق المواجهة، وتنقل عن جاو جوِن جيه، الباحث بمعهد الدراسات الأوروبية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، تفسيره بأن تعديل الإستراتيجية يعيد تعريف القطب بوصفه منطقة أمن أمامية لأوروبا، بعد أن كان التركيز على المناخ والتنمية المستدامة.
ويرى جاو أن الاتحاد الأوروبي يشدد في وثيقة التعديل الجديدة على القضايا العسكرية والأمنية، بهدف الحصول على الأولوية والمبادرة الإستراتيجية في تنمية موارد القطب الشمالي واستكشاف طرق الشحن.
ويقدم الخطاب الرسمي لرئيس مجلس الدولة الصيني الممرات باعتبارها رافعة لاستقرار سلاسل الإمداد والتنمية، ويتقاطع معه تصريح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية -الذي نقلته "هوان تشيو"- ودعا فيه إلى إبقاء القطب مجالا للتعاون المتبادل وتجنب المواجهة.
وتكشف المقارنة اختلافا على تعريف المشاركة المشروعة والمخاطر المقبولة، مع حضور المصالح التجارية والأمنية في المشهد نفسه.
أما الجدوى التجارية فتحتاج إلى تمييز إضافي، إذ تذكر الصحيفة أن خط نقل الحاويات القطبي بين الصين وأوروبا بدأ التشغيل المنتظم في أغسطس/آب 2026 عبر الممر الشمالي الشرقي، وهذه خطوة تشغيلية تختلف عن الدعوات السياسية لتطوير الممرات، لكنها تظل محدودة الدلالة في غياب بيانات كافية تتيح تقدير تنافسية الطريق على نطاق واسع.
تتكثف المفارقة في مضيق "بيرينغ" الذي يفصل بين قارّتَي آسيا وأميركا الشمالية، حيث تتجاور تصورات الربط بين روسيا وألاسكا مع تعزيز الحضور العسكري.
ففي تقرير آخر لصحيفة "هوان تشيو" نقلت فيه عن تقارير غربية أن روسيا أعادت تنشيط قواعد وأنشأت مطارات ومحطات رادار في مناطقها القطبية.
كما أوردت الصحيفة تدريبات عسكرية أمريكية في أغسطس/آب تحمل الاسم الرمزي "تندرا ميرلين" في ألاسكا وتحديدا محيط مدينة "نوم" امتدت إلى المنطقة المحيطة بجزيرة "سانت لورانس" التي تقع عند نقطة اختناق حيوية بين بحر "بيرينغ" والمحيط المتجمد الشمالي، إضافة إلى مناورات عسكرية أمريكية كندية مشتركة في سبتمبر/أيلول شمال ألاسكا وبحر "بيرينغ".
حسب تقرير صحيفة "هوان تشيو" اقترح كيريل ديمترييف، الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بناء نفق "بوتين ترمب" في مضيق "بيرينغ" لربط البلدين واستكشاف الموارد الطبيعية بشكل مشترك، ضمن تصورات تشمل وصل الولايات المتحدة وكندا وروسيا والصين بالسكك الحديدية.
إعلان
ونقلت الصحيفة عن وكالة الأنباء الروسية أن موسكو تأمل استكمال التصميم الفني للنفق بنهاية 2026، وأن ديميترييف كشف عن توقيع اتفاق لمواصلة روسيا في التخطيط لممر النقل بين "تشوكوتكا" و"ألاسكا".
ومع ذلك، لا تخفي هذه الخطة التعاونية الطموحة التنافس الجيوسياسي الكامن في ظل الوضع المعقد في مضيق بيرينغ.
وتساعد قراءة جانغ ياو، نائب مدير اللجنة الأكاديمية لمركز شنغهاي هوانتاي الدولي للأبحاث الإستراتيجية، في تفسير حدود التعاون، فقد صرح للصحيفة بأن الموقع والموانئ وكاسحات الجليد تمنح روسيا أفضلية مبكرة في التحكم بالممرات، تقابلها قيود اقتصادية وتكنولوجية، بينما تمتلك الدول الغربية موارد أكبر تتوزع بين أولويات متباينة وخلافات داخلية.
وتفتح هذه الصورة مجالا لبنية تجارية مشتركة، خصوصا حول ضمان الملاحة والإنقاذ وحماية البيئة، لكن تحويلها إلى واقع عملي يتوقف على حيثيات التفاهم بشأن إدارة القدرات الداعمة للعبور.
فحين تشكّل الخرائط والكابلات وكاسحات الجليد أدوات محتملة للسيطرة، يصبح الاعتماد المتبادل مصدرا للريبة، إذ تكشف التقارير أن مستقبل الممرات معلّق بقدرة الأطراف على التوفيق بين الحماية وإتاحة الاستخدام وهي معادلة تحددها قواعد التشغيل والثقة بقدر ما تحددها جغرافيا المكان.
إقرأ المزيد


