الجزيرة.نت - 10/21/2026 8:09:44 PM - GMT (+3 )
امتدت تداعيات قضية المخالفات المالية لمانشستر سيتي الإنجليزي إلى خارج المؤسسات الرياضية، بعدما تدخلت هيئة الرقابة على المحاسبة والتدقيق في بريطانيا لفحص حسابات النادي، ومراجعة عمل الشركة التي تولت تدقيقها خلال السنوات التسع التي شهدت مخالفات مالية تتجاوز قيمتها 1.2 مليار دولار، وفق ما خلصت إليه لجنة مستقلة تابعة للدوري الإنجليزي الممتاز.
وأعلن مجلس التقارير المالية البريطاني (FRC)، المسؤول عن تنظيم مهنة التدقيق المالي، أنه استعاد صلاحية النظر الرقابي في حسابات مانشستر سيتي يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي، بعد يوم واحد من نشر القرار الأساسي للجنة المستقلة التي أدانت النادي بانتهاك القواعد المالية للدوري الإنجليزي بين موسمي (2009-2010) و(2017-2018).
ووفقا لما كشفته صحيفة "ذا أثلتيك" البريطانية، اليوم الأربعاء، فإن الهيئة الرقابية بدأت استفسارات أولية لتحديد ما إذا كانت هناك أسباب كافية لفتح تحقيق رسمي في عمليات تدقيق حسابات النادي، التي تولتها شركة "بي دي أو" (BDO)، إحدى أكبر شركات المحاسبة في بريطانيا.
ويفتح هذا التطور مسارا جديدا للقضية، يتناول مدى التزام مدققي الحسابات بالمعايير المهنية المعتمدة في بريطانيا، بعدما خلصت لجنة الدوري الإنجليزي إلى أن مانشستر سيتي قدم بيانات مالية لا تعكس حقيقة إيراداته ونفقاته طوال نحو عقد من الزمن.
كيف وصلت القضية إلى مدققي حسابات سيتي؟بدأ التحرك الجديد عقب صدور قرار اللجنة المستقلة في 29 سبتمبر/أيلول الماضي، الذي خلص إلى أن مانشستر سيتي استخدم عقودا تجارية وصفتها اللجنة بأنها "صورية" لزيادة إيراداته المسجلة وخفض نفقاته الفعلية، بما مكنه من إظهار وضع مالي أفضل مما كان عليه والالتفاف على قواعد الإنفاق المعتمدة في الدوري الإنجليزي والاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا".
وكشفت اللجنة أن جزءا كبيرا من الأموال المسجلة ضمن عائدات الرعاية التجارية لم يكن مصدره الشركات الراعية نفسها، وإنما مجموعة أبوظبي المتحدة للاستثمار والتطوير، التي كانت تملك النادي، إذ كانت الشركات تدفع جزءا من قيمة عقود الرعاية، بينما تتولى المجموعة المالكة تغطية المبالغ المتبقية.
إعلان
ولم تقتصر المخالفات التي رصدتها اللجنة على عقود الرعاية، بل شملت ترتيبات أخرى لخفض النفقات المسجلة، من بينها معاملات مرتبطة بحقوق الصور التجارية للاعبين، ومدفوعات تحملتها المجموعة المالكة خارج حسابات النادي.
وقدرت اللجنة إجمالي أثر هذه الترتيبات على إيرادات سيتي ونفقاته بأكثر من 900 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 1.2 مليار دولار، خلال الفترة التي شملها التحقيق.
لكن النتيجة التي أثارت اهتمام الجهات الرقابية البريطانية كانت ما توصلت إليه اللجنة بشأن الحسابات السنوية للنادي، إذ رأت أنها تضمنت بيانات غير صحيحة، وأن الوضع المالي الحقيقي أُخفي عن الجهات المنظمة لكرة القدم وعن مدققي الحسابات أنفسهم.
وهنا برز سؤال يتجاوز حدود القضية الرياضية: كيف تمكنت شركة تدقيق مستقلة من المصادقة على حسابات النادي طوال تلك السنوات من دون اكتشاف حقيقة المعاملات التي أدانتها اللجنة لاحقا؟
هل أخفقت شركة التدقيق في اكتشاف المخالفات؟تتولى شركة "بي دي أو" تدقيق حسابات مانشستر سيتي منذ عام 2007، أي قبل استحواذ مجموعة أبوظبي المتحدة على النادي بعام واحد، واستمرت في أداء هذه المهمة خلال الفترة التي شملتها مخالفات الدوري الإنجليزي، ولا تزال الشركة مسؤولة عن تدقيق حساباته.
وخلصت اللجنة المستقلة إلى أن مدققي حسابات النادي لم يكونوا على علم بما وصفته بأنه "مخطط التمويل المقنع"، وأن سيتي قدم إليهم صورة مضللة عن الطبيعة الحقيقية للأموال الواردة من عقود الرعاية التجارية.
وتعني هذه النتيجة أن اللجنة لم تعتبر شركة التدقيق طرفا مشاركا في المخطط، لكنها تطرح تساؤلات بشأن الإجراءات التي اتبعتها الشركة للتحقق من مصادر الأموال وصحة العقود والمعاملات الواردة في البيانات المالية.
وتوضح صحيفة "فايننشال تايمز" أن تدخل مجلس التقارير المالية يتيح فحص ما إذا كانت "بي دي أو" قد مارست القدر المطلوب من الشك المهني، وطلبت أدلة كافية للتحقق من المعلومات التي قدمتها إدارة النادي، أو كان بوسعها اكتشاف مؤشرات تستدعي مزيدا من التدقيق.
ويمثل ذلك فارقا أساسيا في تحديد المسؤولية؛ فعدم علم المدقق بوجود معاملات مضللة لا يعفيه تلقائيا من واجباته المهنية، مثلما أن اكتشاف أخطاء في الحسابات بعد سنوات لا يكفي وحده لإثبات تقصيره.
وسيتعين على الهيئة الرقابية، إذا قررت فتح تحقيق رسمي، دراسة الإجراءات التي اتخذتها شركة التدقيق والمعلومات التي كانت متاحة لها، وتحديد ما إذا كانت قد التزمت المعايير المطلوبة في فحص الحسابات.
ثغرة قانونية تحد من صلاحيات الهيئة الرقابيةورغم أهمية تدخل مجلس التقارير المالية، فإن قدرته على التعامل مع القضية تواجه قيودا قانونية، أبرزها أن مانشستر سيتي لا يُصنف بموجب التشريعات البريطانية ضمن "الكيانات ذات المصلحة العامة" (Public Interest Entities)، وهي فئة تشمل مؤسسات مثل الشركات المدرجة في البورصة والبنوك.
وبسبب هذا التصنيف، كانت مسؤولية الإشراف على تدقيق حسابات النادي تقع أساسا على معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW)، قبل أن يستعيد مجلس التقارير المالية صلاحية النظر في القضية يوم 30 سبتمبر/أيلول.
إعلان
ويتمتع المجلس بصلاحيات رقابية وتأديبية أوسع، لكنه لا يستطيع، في هذه الحالة، إجبار مانشستر سيتي على تقديم الأدلة والمستندات بالطريقة نفسها التي يملكها عند التحقيق في حسابات الكيانات الخاضعة لرقابته المباشرة.
كما تقتصر سلطته في معاقبة الأفراد على المنتمين إلى الهيئات المهنية للمحاسبة، الأمر الذي يضع مسؤولي النادي غير المسجلين في تلك الهيئات خارج نطاق إجراءاته التأديبية.
وفي المقابل، يستطيع المجلس التحقيق مع شركة "بي دي أو" والمسؤولين عن عمليات التدقيق، وفرض عقوبات مهنية أو مالية عليهم إذا ثبت إخلالهم بالمعايير المعتمدة.
وقد تقتضي تداعيات القضية إعادة إصدار الحسابات المالية للنادي عن السنوات المتأثرة بالمخالفات، لكن ذلك لا يعني أن الهيئة الرقابية تملك صلاحية فرض عقوبات رياضية أو غرامات تأديبية مباشرة على مانشستر سيتي بموجب هذا المسار.
البرلمان البريطاني يدخل على الخطوأثارت القيود المفروضة على الهيئة الرقابية انتقادات داخل البرلمان البريطاني، حيث طالب ليام بيرن، رئيس لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم، بمراجعة صلاحيات الجهات المسؤولة عن مراقبة الحسابات المالية للشركات الكبرى.
وكان بيرن قد دعا مجلس التقارير المالية، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إلى النظر في قضية مانشستر سيتي، قبل أن يتلقى ردا رسميا من الهيئة الثلاثاء الماضي يؤكد أنها تولت النظر في الملف وبدأت دراسة نتائجه.
واعتبر المسؤول البرلماني أن خطاب الهيئة يكشف ثغرات في قدرتها على إلزام النادي بتقديم الأدلة وملاحقة المسؤولين الذين لا يخضعون لقواعدها التأديبية.
وقال بيرن إن هذا الوضع "يثير تساؤلات جدية بشأن الصلاحيات المتاحة لمحاسبة الشركات ومديريها"، مطالبا الحكومة البريطانية بتوضيح أسباب التخلي عن إصلاحات سابقة كانت تستهدف سد هذه الثغرات، والخطوات التي تعتزم اتخاذها لتعزيز المساءلة.
وتطرح القضية بذلك تساؤلات أوسع عن المعايير التي تحدد خضوع المؤسسات للرقابة المشددة؛ فمانشستر سيتي ناد يتمتع بحضور اقتصادي وجماهيري عالمي، لكنه لا يدخل ضمن التعريف القانوني الذي يمنح مجلس التقارير المالية كامل صلاحياته الرقابية.
تحقيقات قد تستغرق سنواتوإذا قرر مجلس التقارير المالية الانتقال من الفحص الأولي إلى التحقيق الرسمي، فقد تواجه شركة "بي دي أو" إجراءات طويلة، بالنظر إلى تعقيد المعاملات المالية موضوع القضية وتعدد السنوات التي شملتها.
وسبق للمجلس أن فرض عقوبات على شركات محاسبة كبرى بسبب إخفاقات مهنية في عمليات التدقيق، ومن بينها "بي دي أو" نفسها، التي تعرضت خلال العامين الماضيين لإجراءات تأديبية في قضايا منفصلة عن مانشستر سيتي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فرض المجلس عقوبات على الشركة ومسؤولين سابقين عن عمليات تدقيق، بعدما كشف تحقيق عن قصور في أنظمة الإشراف والرقابة الداخلية سمح بصدور تقارير تدقيق غير مصرح بها.
وفي مايو/أيار 2026، فرض المجلس عقوبات مالية وتأديبية جديدة على الشركة وشريك مسؤول عن تدقيق حسابات مجموعة الإنشاءات "إن إم سي إن" (NMCN)، بسبب إخفاقات في جمع أدلة التدقيق وفحص الإيرادات والأرباح.
ولا ترتبط تلك المخالفات بحسابات مانشستر سيتي، لكنها توضح طبيعة الإجراءات التي يستطيع المجلس اتخاذها عندما يثبت تقصير شركة تدقيق في أداء واجباتها المهنية.
وتشير تجارب تحقيقات سابقة أجراها المجلس إلى أن بعض هذه القضايا يستغرق عدة سنوات قبل الوصول إلى قرار نهائي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمراجعة مستندات مالية متعددة والاستماع إلى إفادات أطراف شاركت في إعداد الحسابات وتدقيقها.
ماذا يعني ذلك لمستقبل مانشستر سيتي؟تجري المراجعة الرقابية الجديدة بالتوازي مع الاستئناف الذي قدمه مانشستر سيتي ضد قرار اللجنة المستقلة التابعة للدوري الإنجليزي، بعدما رفض النادي النتائج التي توصلت إليها وأكد امتلاكه أدلة تدعم موقفه.
إعلان
وكانت اللجنة قد أيدت 114 من أصل 115 اتهاما وجهها الدوري الإنجليزي إلى سيتي، بما في ذلك مخالفات خطيرة للقواعد المالية، بينما لم يصدر حتى الآن قرار نهائي بشأن العقوبات الرياضية التي قد تترتب على تلك النتائج.
ويؤكد النادي استمرار تمسكه ببراءته، معتبرا أن قرار اللجنة يتضمن أخطاء جوهرية في تطبيق القانون وتقييم الوقائع والأدلة.
ويختلف المسار الرقابي الجديد عن إجراءات الدوري الإنجليزي في الجهة التي يخضع عملها للفحص وطبيعة العقوبات الممكنة؛ إذ يركز مجلس التقارير المالية على المسؤولية المهنية عن تدقيق الحسابات، بينما تنظر مؤسسات كرة القدم في المخالفات التنظيمية وما يترتب عليها من جزاءات بحق النادي.
وبينما يواصل مانشستر سيتي الطعن في إدانته الرياضية، يبقى القرار التالي بيد مجلس التقارير المالية، الذي يتعين عليه تحديد ما إذا كانت نتائج اللجنة المستقلة توفر أدلة كافية لفتح تحقيق رسمي في عمل مدققي الحسابات.
وقد لا يغير هذا المسار وضع النادي في الدوري الإنجليزي مباشرة، لكنه يوسع نطاق المساءلة في قضية استمرت سنوات، ويضع أداء شركات التدقيق المالي أمام اختبار جديد بعدما مرت حسابات سيتي السنوية من دون اكتشاف المعاملات التي انتهت لجنة الدوري إلى إدانتها.
إقرأ المزيد


