الجزيرة.نت - 10/20/2026 5:10:42 PM - GMT (+3 )
في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لخفض انبعاثات النقل البحري والحد من بصمته الكربونية، تفتح تركيا نافذة على تجاربها في تطوير الملاحة المستدامة، من خلال تقنيات الدفع الكهربائي والهجين، واستخدام مصادر بديلة للطاقة، ومشاريع تستهدف تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري داخل الموانئ.
وكانت هذه التجارب محور زيارات ميدانية لوفد صحفي دولي يضم 20 صحافيا يمثلون 15 دولة، من بينها المغرب ومصر، في إسطنبول، ضمن برنامج "في الطريق إلى كوب 31: مستقبل مستدام "، الذي تنسقه دائرة الاتصال بالرئاسة التركية بالشراكة مع وزارة البيئة والتوسع العمراني والتغير المناخي، للتعريف بالتجارب التركية في مجالات المناخ والطاقة النظيفة وحماية البيئة.
وشملت الجولة زيارة جمعية صناع السفن الأتراك، حيث اطّلع الوفد على توجهات صناعة السفن نحو خفض الانبعاثات، إلى جانب زيارة ميدانية مرتبطة بتجربة القاطرات الكهربائية، أتاحت للصحافيين معاينة القاطرة "جِساش باور " خلال جولة بحرية في خليج توزلا، والتعرف على طريقة عملها وإمكاناتها التشغيلية.
وتكتسب هذه الزيارات أهميتها من نقل النقاش حول التحول الأخضر من مستوى التعهدات المناخية إلى التطبيقات العملية، مع إبراز الفرص التي تتيحها التكنولوجيا النظيفة، والتحديات التي يفرضها تعميمها على مستوى الاستثمار والتشغيل والبنية التحتية المينائية.
قالت ميهتاب أوزدمير، الأمينة العامة لجمعية صناع السفن الأتراك، إن خفض الانبعاثات البحرية يتطلب مقاربة تشمل دورة حياة السفينة، من التصميم والبناء إلى التشغيل وإعادة التدوير.
وأوضحت، في تصريح لـ "الجزيرة نت "، أن الصناعة التركية تطور سفنًا كهربائية وهجينة، وتبحث استخدام أنواع بديلة من الوقود وطاقة الرياح، مؤكدة أن تسريع التحول البيئي يستلزم تعاون أحواض بناء السفن ومالكيها ومشغليها.
إعلان
وأشارت إلى أن الانتقال نحو سفن أقل انبعاثا يتطلب مقاربة تشمل مختلف مراحل التصنيع والاستخدام، بدل الاقتصار على إدخال تقنيات جديدة بصورة منفصلة.
وخلال الزيارة، قدم هاكان ألكيش، المسؤول في شركة "جِساش "، شروحات حول القاطرات الكهربائية ومكوناتها وطريقة عملها، والفوارق بينها وبين القاطرات التقليدية العاملة بالديزل، كما أتيحت للوفد معاينة القاطرة خلال جولة بحرية في خليج توزلا، بما أتاح الاطلاع عن قرب على أدائها في ظروف التشغيل الفعلية.
وتندرج هذه التجربة ضمن توجه أوسع نحو كهربة بعض الأنشطة المينائية، ولا سيما العمليات التي تتطلب حركة متكررة ضمن نطاق جغرافي محدود نسبيا، فالقاطرات البحرية تؤدي دورا أساسيا في مساعدة السفن على المناورة والرسو، وهي عمليات تستهلك الطاقة وتستدعي تشغيل محركات ذات قدرة مرتفعة.
توفير في الوقود وتحديات في التشغيل
وفي حديثه عن الفوارق التشغيلية بين القاطرات الكهربائية ونظيراتها التقليدية، عرض هاكان ألكيش تقديرات للشركة تشير إلى إمكانية تحقيق توفير في استهلاك الوقود بنحو 50 في المئة مقارنة بالقاطرات العاملة بالديزل، إلى جانب انخفاض تكاليف الصيانة والإصلاح.
ووفق المعطيات المقدمة خلال الزيارة، قد تصل تكاليف صيانة القاطرات التقليدية إلى خمسة أضعاف تكاليف صيانة القاطرات الكهربائية، غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات صادرة عن الشركة، ولا يمكن تعميمها على جميع القاطرات والموانئ من دون الاطلاع على أساس المقارنة، وظروف التشغيل، وأسعار الوقود والكهرباء، وتكاليف البطاريات والصيانة على المدى الطويل.
فالكلفة الإجمالية للقاطرة الكهربائية لا تتوقف على استهلاك الطاقة وحده، بل تشمل أيضا ثمن الاقتناء، وتجهيزات الشحن، وتحديث البنية التحتية، وعمر البطارية وتكلفة استبدالها عند الحاجة. لذلك، فإن تقييم الجدوى الاقتصادية يستلزم مقارنة شاملة بين الاستثمار الأولي والمصاريف التشغيلية طوال العمر الافتراضي للقاطرة.
كما أن نجاح هذه التكنولوجيا يرتبط بقدرة الميناء على تنظيم دورات الشحن بما يتلاءم مع وتيرة العمل، وضمان توافر الطاقة اللازمة من دون تعطيل الخدمات المينائية، ومن هنا، لا يمثل التحول إلى القاطرات الكهربائية مجرد استبدال لمحرك بآخر، بل يستدعي تكييف منظومة الطاقة والتشغيل داخل الميناء.
ولا يعني تشغيل القاطرات بالكهرباء اختفاء الانبعاثات بالكامل؛ إذ يرتبط الأثر المناخي بمصدر الكهرباء المستخدم، وبالانبعاثات الناتجة عن تصنيع البطاريات والتعامل معها عند انتهاء عمرها.
وكلما ارتفعت حصة الطاقة المتجددة، أمكن تعزيز المكاسب المناخية. لذلك، يتطلب تطوير الموانئ الخضراء الجمع بين كهربة المعدات والطاقة الشمسية والرياح، مع قياس النتائج الفعلية بدل الاكتفاء بالأهداف المعلنة.
هل تستطيع الموانئ العربية الاستفادة من التجربة التركية؟بالنسبة إلى الموانئ العربية، من طنجة المتوسط والدار البيضاء إلى الموانئ المصرية والخليجية، قد تمثل القاطرات الكهربائية خيارا يستحق الدراسة ضمن خطط خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء في المناطق المينائية.
لكن نقل التجربة التركية لا يعني اعتماد نموذج واحد في جميع الموانئ, إذ تختلف ظروف التشغيل وحركة السفن واحتياجات السحب، كما تتباين قدرات الشبكات الكهربائية وتكاليف الطاقة وتجهيزات الشحن المتاحة.
إعلان
ويحتاج أي مشروع للتحول إلى القاطرات الكهربائية إلى دراسة مسبقة تحدد عدد القاطرات المطلوبة، وقدراتها التشغيلية، وساعات العمل اليومية، والمدة اللازمة لإعادة الشحن، وقدرة الشبكة على تلبية الطلب الإضافي على الكهرباء.
كما ينبغي أن تشمل الدراسة مقارنة بين الكلفة الإجمالية للقاطرات الكهربائية والتقليدية، وتقدير الانبعاثات على امتداد دورة حياتها.
إقرأ المزيد


