الجزيرة.نت - 10/19/2026 5:46:53 PM - GMT (+3 )
لم يُلقِ كتبه وأفكاره على أرفف المكتبات، وإنما تحرك وسط المفكرين والساسة والأجيال الجديدة يبشّر بفكر عربي إسلامي جديد لتحرير العالم العربي والإسلامي، وفي قلبه قضية تحرير فلسطين. إنه المفكر المصري الراحل عادل حسين، الذي كان عنوانا لفترة بالغة الحساسية في تحولات الفكر والثقافة، لا في مصر وحدها، بل في العالم العربي بأسره، طوال حياته الثرية التي امتدت بين عامي 1932 و2001.
تركّز فكر عادل حسين على سؤال الاستقلال السياسي والاقتصادي في العالم العربي والإسلامي، ورأى أن نبذ التبعية الاقتصادية هو الشرط الأول لتحقيق ذلك، لكن هذا الشرط لا يكتمل في فكر حسين إلا ببناء رؤية عربية إسلامية متمايزة عن تجارب الحضارات الأخرى.
وقد طوّر هذا التصور لاحقا عبر مفهوم "الاستقلال الحضاري"، إذ رأى أن هذا الاستقلال شرط لإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية مستقلة. وفي سبيل ذلك اعتمد منهجا تأصيليا في مشروعه الفكري، فكان عليه أن يبدع نظريا في مناقشة النظريات والتوجهات السائدة في علمَي الاقتصاد والاجتماع والتفاعل معها، رافضا ادعاءها أنها معارف عالمية تتجاوز الانحيازات الحضارية.
في المقابل، قدّم عادل حسين أطرا وقواعد عامة يمكن أن تُبنى عليها تجارب تنموية مستقلة في دول العالم الثالث، ولم يرَ أن علينا الانتظار حتى تتبلور نظرية بديلة للنظريات العامة كالماركسية والرأسمالية. لذلك يبدو طبيعيا أن يشيع في كتاباته استخدام مصطلحَي "الممارسة النظرية" و"المناهج"، إذ كان الرجل باحثا عن الخاص العربي والإسلامي بين النظريات العامة، عبر أدوات البحث العلمي لا التفكير الفلسفي المجرد.
وقد لخصت المسيرة الفكرية لعادل حسين التفاعل بين ثلاثة "أجيال فكرية" في الحركة الوطنية المصرية، إذ تشكّل الجيل الأول في إطار مهمة طرد الاحتلال البريطاني قبل 1952، بينما اهتمّ الجيل الثاني بتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية والوحدة العربية في المرحلة الناصرية، ثم جاء الجيل الفكري الثالث الذي انتمى إليه عادل حسين ليشكّل رؤية مفادها أنْ لا إمكانية لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي ونبذ التبعية وتحقيق النهضة إلا بالعودة إلى الأصول الحضارية العربية والإسلامية، وبتشكيل سلطة وطنية ديمقراطية قادرة على حشد الطاقات الإنسانية وتفعيلها وحماية نفسها من الاختراق الخارجي.
لا يمكن فهم أي فكر أو تقييمه إلا بمراجعة الأحداث الكبرى التي عايشها ذلك الفكر وتفاعل معها. ومن يتتبع تطور أفكار عادل حسين المدوّنة في كتاباته عبر أربعة عقود يجده دقيقا في وصفه لتطوره الفكري، إذ شدّد على أنه "طور ويطور مفاهيمه ومناهجه أثناء ممارسته النظرية الطويلة، فما اعتمده اليوم يغاير ما بدأ منه". ولذا يبدو ضروريا التشديد على أن فهم عادل حسين يتطلب تتبّع تبلور أفكاره عبر الزمن.
إعلان
كانت مصر قد انفتحت قسريا على الغرب بعد الاحتلال العسكري البريطاني سنة 1882، ما أوصل الاحتكاك الحضاري مع الغرب، الذي بدأ مع غزو نابليون (1798-1801)، إلى ذروته. وكانت تجربة الإغراق في الديون إلى درجة السيطرة الاقتصادية، وصولا إلى الاحتلال العسكري، أحد محركات التفكير وفهم خطط الاحتلال لدى النخبة الفكرية المصرية، وهنا ظهرت أعمال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم تحركات مصطفى كامل ومحمد فريد.
وجاءت ثورة 1919 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى فأنجبت تجربة حزب الوفد، وتلا ذلك ظهور أحزاب اشتراكية بداية من سنة 1921. وظهرت كتابات مفكري عصر النهضة الليبرالي، كطه حسين وأحمد لطفي السيد وعلي عبد الرازق، ثم تشكلت جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928، وحركة مصر الفتاة سنة 1933، ونشبت الانتفاضة ضد تعطيل الدستور سنة 1935، وعاد الشيوعيون عشية الحرب العالمية الثانية إلى تشكيل تنظيماتهم بعد مرحلة من القمع، فيما سُمّي "الحركة الثانية". وأدت الحرب العالمية الثانية إلى إضعاف المستعمر البريطاني، فكانت مرحلة الانتقال من اليقظة إلى الإدراك والتحضير للقرار. وكان القرار هو الاستقلال وطرد قوات الاحتلال البريطاني.
تلك المرحلة من الانفتاح القسري على الغرب سرّعت الحراك الفكري والسياسي في مصر. وبحكم أن الغزو والاحتلال كانا عسكريين، كان طبيعيا أن تغلب على الفكر والحركة حتميةُ طرد الاحتلال وتحقيق الاستقلال. وقد كانت لعادل حسين تجربة في العمل السياسي في مطلع حياته مع حزب مصر الفتاة ذي الميول الإسلامية، وهو حزب أسّسه وتزعّمه شقيقه الأكبر أحمد حسين عام 1933، ونشط ضد الاحتلال البريطاني. وهكذا تابع أفكار تلك المرحلة بجميع تجلياتها، فتشرّب تجربة هذا الجيل الذي تربّى فيه فتيّا حتى صار شابا، وهو جيل البحث عن الاستقلال السياسي ومقاومة الاحتلال.
في تلك الحقبة ارتبط مفهوم الاستقلال بتحرير الأرض وطرد المحتل، فيما لم يتبلور البعد الحضاري الفكري للاستقلال في تلك المرحلة المبكرة، إذ لم تكن تفاعلاتها كافية لتشكيل أبنية نظرية واضحة لنهضة مستقلة حضاريا. ولذا ظهرت التحولات في الأفكار لاحقا، وكأننا أمام استعادة للتجربة الفلسفية التي كان فيها ظهور الفلسفة المثالية ممهدا لظهور الفلسفة المادية الجدلية، فالشيء يُعرف بضده.
تحقق الاستقلال السياسي في مصر بصورته الكاملة عام 1956، سابقا الوعي العام بضرورة الاستقلال الحضاري. وقد أجاد مالك بن نبي رسم المسار الذي يمر به الإنسان المسلم في التعامل مع تحدي الغزو الحضاري، وكيف ينتقل من التقليد إلى الوعي، متخذا الاقتصاد مثالا. يقول ابن نبي في كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد" إن المسلم "لم يكن عندما فتح عينيه في عالم الاقتصاد بعد أن نالته الصدمة الاستعمارية، سوى قِنٍّ يُسخَّر لكل عمل يريده المستعمر… فلم تكن له في هذه الأعمال صلة موضوعية بعالم الاقتصاد، ولا تربطه بعمله صلة ذات طابع مشروع، فلم يكن هو (المنتِج) الذي يرعى حقه، ولا (المستهلك) الذي تُرعى حاجته".
إعلان
ويستطرد موضحا: "لقد كان أداة عمل مستمر فقط، فلم يتكوّن لديه وعي اقتصادي، ولا تجربة ولا خبرة في عالم اقتصادي غريب عليه بكل مفاهيمه وبنائه ومصالحه الأجنبية. ثم من ناحية أشمل، ومهما كان حظه في محيطه الاستعماري، كان يجري عليه قانون التقليد كما يجري على كل كائن فَقَد صلته بعالمه الأصيل، ففقد أصالته. فكان عندئذ أميل لتقليد (الحاجات) منه إلى تقليد (الوسائل)، لأنه فقد وعيه الحضاري أيضا، فيصير في مرحلة أولى مقلدا بقدر استطاعته للحاجة التي أفرزتها حياة غيره، دون أن يفكر في صنع وسيلة إشباعها، ثم في مرحلة ثانية، إذا تحقق استقلال بلاده، يصير إلى تقليد الحاجات الواردة وتقليد الوسائل المستوردة كيفما اتفق له".
"كانت مسألة طبيعة النظام السياسي في مصر محور جدل خلال الخمسينيات والستينيات"
بعد جلاء القوات البريطانية رفع النظام الجديد في مصر شعارات الاستقلال السياسي والاقتصادي على الصعيدين الوطني والعربي. وفي تلك المرحلة انتمى عادل حسين إلى التنظيمات الماركسية المصرية، فانفتح على مدارس التحليل الماركسي، واتجه إلى دراسة الاقتصاد والاجتماع، وترسّخ لديه الإيمان بالعدالة الاجتماعية. وبذلك انضمّ إلى الجيل الذي اختار الماركسية إطارا للإجابة عن أسئلة الاستقلال والتنمية.
وقد كانت مسألة طبيعة النظام السياسي محور جدل خلال الخمسينيات والستينيات، إذ تصادمت رؤى نخب الحكم مع تيارات ذات خيارات فكرية مغايرة، كالإسلاميين والماركسيين. وخلال تلك الفترة تعرّض عادل حسين للاعتقال، ما عزّز لديه التحوّل من الدفاع المجرد عن الحرية إلى الدعوة إلى بناء نظام سياسي ديمقراطي يضمنها.
تلقى عادل حسين وجيله الصدمة الكبرى في هزيمة عام 1967، وما حدث من ارتداد على مستوى السيادة والاستقلال الوطني في الحقبة التالية للهزيمة. أحدثت هذه التحولات زلزالا عاتيا في أوساط النخب الثقافية المصرية، وأعادت الحوار الفكري إلى نقطة البداية. وقد نظر عادل حسين إلى تراجع تجربة التحرر الناصرية باعتباره انتكاسة عربية لا مصرية فقط، إذ عدّ الناصرية حركة بدأت من مصر وناضلت من أجل نهضة الأمة العربية المستقلة وتوحيدها وتحررها في مواجهة السيطرة الأجنبية.
وبينما كان الغالب على الصراع الفكري سابقا الاختلافَ حول التيارات الفكرية الكبرى في الحضارة الغربية، مثل الماركسية والليبرالية والشمولية، طرح عادل حسين قضية الاستقلال والتبعية باعتبارها أساس الاختلاف والصراع الفكري. وبينما اشتد النقاش حول تحرير السوق وتصفية شركات القطاع العام، أثار إشكاليات البعد الوطني والقومي للتنمية، ونبّه إلى خطر رفع سيطرة الحكومة الوطنية عن التجارة والشركات لمصلحة سيطرة الحكومات الأجنبية. وفيما كانت مفاهيم علمَي الاقتصاد والاجتماع الغربيين وقواعدهما مسلّمات في العالم العربي، عمل حسين على كشف انحيازاتها الحضارية، وطرح رؤى علمية وحضارية بديلة.
"طرح عادل حسين قضية الاستقلال والتبعية باعتبارها أساس الاختلاف والصراع الفكري"
في تلك المرحلة وضع عادل حسين واحدا من أهم كتبه، وهو "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية (1974-1979)" في جزأين، ليكشف الأفكار والنظريات والآليات التي أدت بالاقتصاد المصري إلى الارتداد من الاستقلال إلى التبعية، مركزا على الديون بصورة خاصة. وطوّر حسين رؤاه وأفكاره باتجاه وضع أسس ومناهج لبناء فكري نظري عربي جديد يُحيّد التأثيرات الفكرية الماركسية والليبرالية المنحازة حضاريا ومنهجيا إلى الغرب في علمَي الاقتصاد والاجتماع، وذلك في كتابه "نحو فكر عربي جديد" الذي أصدره سنة 1985.
حينئذ حان وقت بلورة رؤية فكرية ونظرية متكاملة، فكتب عن الإسلام الحضاري، وعن الارتباط بين الدين والتراث والتنمية والنهضة، وحدد ملامح النظام السياسي القادر في رأيه على تحقيق النهضة وحماية الاستقلال. وعبّرت كتبه اللاحقة، مثل "التنمية الاجتماعية بالغرب أم بالإسلام؟" و"الإسلام دين وحضارة"، عن أفكاره الناضجة في تلك المرحلة.
إعلان
كانت تلك المرحلة أيضا مرحلة العودة من الاغتراب والاستلاب الحضاري بالنسبة إلى سرب كامل من المفكرين، وقد وصفها المستشار الراحل طارق البشري ذات مرة بأنها تشبه "الإعارة للعمل في الخارج والعودة مرة أخرى لأرض الوطن"، فقد كانت مرحلة النضج والوصول إلى خلاصة فكر أجيال بحثت عن الذات الحضارية. وشهدت هذه المرحلة حوارا ثريا بين النخب لتشكيل نسق نظري قادر على الإجابة عن أسئلة النهضة الفكرية الشاملة، وبناء منظومة يصعب اقتلاعها والانقلاب عليها تحت ضغط الاستعمار.
يتحدث المستشار الراحل طارق البشري عن تلك التجربة التي جمعته بعادل حسين قائلا: "اجتمعنا، كمثقفين ومهتمين بالفكر السياسي والاجتماعي على اختلاف تخصصاتنا العلمية والمهنية، جماعة، فيها عادل حسين رحمه الله، ومحمد عمارة، وأنا، ورفقة طيبة من أمثالنا لا يزيدون على العشرة إلا قليلاً جداً… كنا نجتمع كل ثلاثة أسابيع بمنزل أحدنا لنناقشَ موضوعاً فكريا مُعَدا سلفا، أو كتاباً محدداً. وكان الهدف واضحاً، وصريحاً، وهو أن يضع كلُّ منا فِكرَه أمامَ نفسه وأمام إخوانه؛ ليتناقشوا معاً بشأنه، ونتداول معاً فيما هو قائمٌ، وما نأخذ، وما نترك، وما نعتمده متمسكين به، وما نتركه لعدم الحاجة إليه، وما نقاومه، وذلك بدراسة نقدية وتمحيص إيجابي".
ويضيف قائلا: "كان ثلاثتنا (عادل حسين ومحمد عمارة وأنا) هم مَن استطاعوا أنْ يَخْرُجُوا مِن هذا الحوار الدائر لسنين عديدة، بهذا (الترابط الفكري الكثيف) الذي يَعْتَبر أن الاستقلالَ الوطني ليس سياسيا فقط، وليس اقتصاديا فقط، ولكنه أيضاً ينبغي أن يُستكملَ بـ (استقلال حضاري ثقافي) فيما يتعلق بـ (المرجعية السائدة)، وأن الإسلامَ ليس عقيدة دينية فقط، ولكنه أيضا هو الثقافة السائدة في المجتمع، بحيث لا يُرجَى قيامُ نظامٍ ديمقراطي حقيقي باشتراك شعبي عام ومؤسسات شعبية أهلية فعَّالة وباقية، إلا بأن يكون الإسلامُ هو الثقافةَ العامةَ والمرجعيةَ الأساسية لدى هذه الحركات والمكونات والمؤسسات الشعبية. ومن ثَمَّ، فلا حركة وطنية مضمونة البناء بفاعلية إلا بديمقراطية شعبية، ولا شيء من ذلك باق وفعال إلا بالثقافة العامة السائدة، بحسبانها مكوناً ركيناً من مكونات وأركان التشكل الجمعي المطالِب والممارس للاستقلال وللوطنية".
هكذا اكتمل تشكيل السبيكة الذهبية لفكر عادل حسين، وباتت مصقولة بوعي ورؤية ودقة بحثية، إذ كان عقلا لا يتوقف، أضاف إلى التأمل القدرة البحثية العلمية وجرأة نقد الذات وتقييمها، دون أن يهاب تغيير البدايات التي انطلق منها.
بين الاستقلال والعزلة
اعتبر عادل حسين أن الاستقلال الوطني هو القيمة العليا، وأن التحرر من التبعية هو المبدأ الحاكم والجامع لإمكانية النهضة، إذ إن الاستقلال هو ما يمكّن من ممارسة السيادة الكاملة ورفض التبعية للخارج أو الخضوع لسلطة استعمارية.
وشدد حسين على أن سؤال الاستقلال الوطني ليس من قبيل السؤال عمّا إذا كنا نستفيد من الفكر الغربي أم لا، أو عمّا إذا كان التفاعل بين الحضارات والمجتمعات ضرورة، مؤكدا أن مثل تلك الأسئلة كان جائزا طرحها في بداية القرن التاسع عشر، عندما تجسد الخطر لدى بعض النخب في سيادة الجمود والتقوقع. أما السؤال الآن، في رأيه، فينبغي أن يكون عن شروط الاستفادة وشروط التفاعل. يقول حسين: "هذا هو السؤال الذي نطرحه، ومشروعيته تُستمد من مخاطر ضياع الهوية وضياع القدرة على الإبداع الذاتي والمبادرة".
"يرى حسين أن الاستقلال لا يعني الانعزال، لكنه يضمن وضع قواعد تمنع تحوّل العلاقات الخارجية إلى سيطرة مطلقة لطرف على الآخر"
وأكد عادل حسين كذلك، في كتابه "نحو فكر عربي جديد"، أن الاستقلال يجب ألا يتضمن "دعوة للانعزال عن العالم الخارجي"، لكنه نبّه أيضا إلى "ضرورة وضع قواعد للعلاقات الخارجية تمنع تحول التفاعل بين طرفين، إلى سيطرة من جانب طرف على آخر". فالاستقلال الوطني مرهون بتحقيق التنمية والتخلص من التبعية في الاقتصاد، وهذا بدوره مرهون في نظره بـ"الوحدة العربية"، إذ إن "هدف التنمية المستقلة هو بالتحديد ما يعجز عنه أي قطر عربي على حدة، سواء أكان هذا بسبب التشوه الكامن في كل هياكل الاقتصاد أم بسبب النقص الموضوعي في الموارد الطبيعية والبشرية اللازمة للجهد التنموي الشامل".
ورغم تبنّي عادل حسين مفهوم الاستقلال الحضاري الشامل، فإنه لم يدعُ إلى انعزال أو إلى صراع حضاري، بل إلى تفاعل بين الأمم. وقد انتقد مفهوم صراع الحضارات الذي قدّمه صمويل هنتنغتون، وشدد على تورط هنتنغتون في مغالطات، أهمها أنه افترض في خط تحليله الأساسي وحدة أوروبا والولايات المتحدة مسلّمةً دائمة، واعتبر أن اليابان ستظل في مرحلة الاستقطاب الحضاري، وأنها أقرب إلى الولايات المتحدة منها إلى الصين وشرق آسيا، دون أن يقدم أي تبرير مقنع. كما تعامل هنتنغتون مع انعزال الهند عن باقي الحضارات الآسيوية بوصفه مسلّمة، وكذلك عَزْل أفريقيا جنوب الصحراء عن منطقة الحضارة الإسلامية.
إعلان
ويرى حسين أن هنتنغتون، وإن اعترف بأن الصراع الحضاري قد لا يصل بالضرورة إلى الحرب الشاملة، لم يذكر منهج الحوار وسيلةً للتعارف والتفاهم بأمل اجتياز بعض الخلافات الموروثة، ولم يهتم بالأثر السلبي الجسيم لسيطرة الغرب على مجمل علاقاته الدولية مع الحضارات الأخرى. وحين أشار هنتنغتون إلى أن المجموعة الإسلامية، دون سائر الكتل الحضارية، لا تتحلق حول قطب محوري أو دولة محورية، تجاهل، بحسب حسين، الآليات المضادة التي توفرها العقيدة الإسلامية، وتجاهل إمكانات الدور الخاص والمحتمل للأمة العربية في سد هذه الثغرة.
ولم يركّز عادل حسين على قضية التنمية المستقلة فحسب، وإنما قدّمها في إطار نظرية متكاملة للاستقلال الحضاري بكل أبعاده الفكرية والمفاهيمية. فالاستقلال الحضاري "يدخل ضمنه كل ما أبدعه ويبدعه البشر ويمارسه الإنسان لإشباع حاجاته المادية والفكرية والروحية".
لذلك شدد حسين على أن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بمشروع إسلامي محوره العالم العربي، ذلك "أن الكتلة العربية بالذات تمثل نواة صلبة لسائر الكتل الإسلامية الأخرى، وهي تحمل كثيرًا من أوراق ترشيحها واعتمادها لحمل أمانة القيادة، وذلك لأسباب يأتي في مقدمتها أنها صاحبة الهيبة والمكانة الخاصة لدى جمهور المسلمين، باعتبارها صاحبة الأرض المقدسة والمباركة، ويأتي في الأسباب أيضًا اللغة العربية (لغة القرآن الكريم والسنة المشرفة) بكل ما تحمله من فقه وتراث أصيل متميز… ولكن رغم هذه الاعتبارات المقدرة، فإن الدور القيادي ليس قدرًا ولا إرثًا".
إن النهضة إذن عملية مركبة، "فإذا كان فرض السيطرة الغربية والصهيونية على مقدراتنا عملية مركبة أسهم في إنتاجها ما هو أيديولوجي واقتصادي وعسكري، فكذلك حال النهضة، ومدخلها الاستقلال، فالاستقلال عملية مركبة في الاتجاه المضاد، وكذلك الطريق إلى الاستقلال عملية مركبة تضم ما هو أيديولوجي وما هو سياسي وعسكري واقتصادي".
من هنا حذّر حسين من النظر إلى الاستقلال الحضاري بوصفه مشروعا للحاق العرب بالحضارة الحديثة، أي النظر إليه بوصفه مشروعا لبناء حضارة غربية يتكلم أهلها العربية، فلا ينبغي الخلط بين التنمية المستقلة على أساس حضاري ومفهوم التحديث، إذ يقول في "نحو فكر عربي جديد" إن "القسم الغالب من نخبنا الحاكمة سياسيا وفكريا استوعبته الحضارة الغربية بشكل أو آخر، فأزيح هدف الاستقلال الحضاري العربي، وحل محله مصطلح التحديث الذي يعني عند أصحابه أن نكرر ما فعله الغرب خطوة خطوة كي نصل إلى ما وصل إليه".
لذلك يمثل مفهوم الاستقلال الحضاري، كما يشرح حسين في كتابه "التنمية الاجتماعية بالغرب أم بالإسلام؟"، أساسا لنظرية تنمية متكاملة بديلة للنظريات الليبرالية والماركسية. فالاختلاف الجوهري بين العرب والغربيين من حيث منطلق التنمية يرتبط، في رأيه، بالثقافة وبالبناء الديني والقيمي للإنسان. ففي الغرب تأخذ التنمية طابعا اقتصاديا يغلب حتى على الطابع الاجتماعي، بسبب ارتكاز تصوراتها على مفهوم المنفعة المادية، ولذا يُعرَّف سؤال التنمية بوصفه سؤالا عن زيادة المنفعة المادية. أما التنمية في الفكر الحضاري العربي والإسلامي فهي ذات طابع اقتصادي واجتماعي، بل إنساني أيضا، إذ ترتكز على الفطرة الإنسانية والقيم الدينية والأخلاقية.
ويتسع مفهوم عادل حسين للاستقلال الحضاري ليشمل تجارب النهوض في دول العالم الثالث، لا التجربة العربية أو الإسلامية وحدها. فبينما يجري التركيز على أن نهضة الصين تعود إلى الانفتاح على الغرب بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972، يُثني عادل حسين على نموذج الممارسة النظرية المستقلة لماو تسي تونغ، باعتباره استخدم بعض المكونات الواردة في الفكر الغربي بعد تطويعها وتطويع شروط عملها وفقا لظروف الصين، إذ يقول: "إن كتابات ماو تسي تونغ، رغم بساطتها البادية، تعتبر أعمق دراسات اجتماعية حديثة من منظور غير غربي، وهي درس عظيم ينبغي أن نتعلم منه، ومعيار نجاح هذه الممارسة النظرية واضح. ففضلا عن التماسك المنطقي للبنية الناشئة، فإنها ساعدت الحركة الاجتماعية في تحقيق ما استهدفته، ففجرت نهضة شاملة، ووضعت الأساس لمشروع دولة عظمى".
وفق ذلك يرفض عادل حسين اعتماد مفاهيم مثل متوسط دخل الفرد ومعدل النمو مقياسا للتنمية، لأنها لا تتسق مع مفهوم التنمية الحضارية المستقلة. فالتنمية لا تتحقق عبر اندماج المجتمعات النامية في الأسواق الصناعية الغربية، بل تعتمد، في منظوره ومنظور مدرسة التبعية التي ينتمي إليها، على السوق المحلي، فهي عملية داخلية مقوماتها الأساسية محلية لا خارجية. أما وصفات الخبراء الأجانب ونصائحهم فمبنية على مفاهيم وخبرات تناسب مجتمعاتهم.
وإذ حذّر حسين من فخ الديون، الذي كان أبرز أدوات الاحتلال والتبعية في عهد الخديوي إسماعيل ثم في عهدي الرئيسين السادات ومبارك لاحقا، فقد شدد أيضا على ضرورة اعتماد نمط استهلاكي يتلاءم مع الثقافة الإسلامية ومع التنمية المستقلة وتحدياتها. فإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين لا يتحدد وفق مستوى القدرة الاقتصادية فقط، بل وفق القيم الحضارية الحاكمة لتلك التنمية أيضا.
العلاقة بين الديمقراطية والتحرر والتنميةتميزت كتابات عادل حسين بالتكامل والتواصل في نسيجها العام، لتقديم رؤى نظرية لمشروع فكري شامل للنهضة والتحرر العربي والإسلامي. وإذ أكد أن الاستقلال السياسي والاقتصادي والتخلص من التبعية هي أسس بناء مشروع حضاري نهضوي عربي إسلامي، فقد قدّم أيضا رؤية فكرية لبناء النظام السياسي القادر على تحقيق النهضة والتنمية، وعلى توفير المشاركة والحماية الشعبية للنظم الوطنية وتجربتها التحريرية في الوقت نفسه، في مواجهة الضغط والاختراق الاستعماري.
وقد خصص للديمقراطية الفصل السادس من كتابه "نحو فكر عربي جديد" تحت عنوان "المحددات التاريخية والاجتماعية لقضية الديموقراطية"، وناقش فيه قضية استيراد النماذج الكلية الجاهزة للنظم السياسية، واعتبر ذلك دليلا على ندرة الإبداع وافتقار إلى القدرة على التأليف النظري المتجدد، ولذلك رفض استيراد الليبرالية نسقا متكاملا، أو استيراد نموذج كامل كالنموذج السوفياتي أو الصيني.
وأرجع حسين قيام حكم شمولي في الدول التي وصفها بالراديكالية، مثل سوريا والعراق في ظل حكم البعث، إلى أسباب عديدة، من بينها الفكر السياسي المستورد من النظم الشيوعية، وهو فكر ربط ربطا محكما بين مواجهة الأخطار الخارجية وقيام نظم استبدادية قمعية.
ويرى حسين أن المنطق يقتضي أن تضع النخبة أجهزة الدولة في خدمة هدفها الساعي إلى توحيد الإرادة المستقلة للأمة العربية، على أساس من استعادة المبادرة لتطوير رسالتها الحضارية العربية الإسلامية، "فبدون التنبه والحرص على ضرورة التنمية لجوهر ما تعنيه الديموقراطية السياسية يكون المشروع حاملا في داخله عوامل الهزيمة". وجوهر الديمقراطية السياسية من وجهة نظره هو أن تستوعب صفوف النخبة السياسية والفكرية، بدرجة أو بأخرى، أغلب العناصر المؤهلة للقيادة في هذا المشروع، الذي يتطلب مهارات متنوعة قادرة على إدارة الصراع القاسي والمعقد.
وفي دراسته الأخيرة "الاستقلال الوطني والقومي"، وفي سياق طرحه الديمقراطية بديلا للشمولية، حذّر حسين من الدور الغربي الذي يعمل على تحويل الديمقراطية إلى أداة للتبعية. فالغرب، في رأيه، لا يريد ديمقراطية حقيقية ولا يعنيه أمر حقوق الإنسان، وإنما يرى في الدعوة إلى التعددية والديمقراطية طريقا لتفريق وحدة الأمة وتمكين نفوذه في ظل العولمة وما تنشئه من أوضاع اقتصادية واجتماعية، حتى يصير الحكم دُولة بين أتباعه. فإذا عجزت الديمقراطية عن تحقيق أهدافه انقلب عليها، وهدم ما أقامه بلا تردد.
أما الديمقراطية الأصيلة عنده فليست مجرد انتخابات وبرلمانات، وإنما دولة مؤسسات متكاملة، سياسية وعسكرية وأمنية، تعمل في إطار مجتمع مدني واسع في قلبه قطاع خاص وطني. والمؤسسات المنتخبة، مع مؤسسات المجتمع المدني، درع قادر على منع طغيان المؤسسات العسكرية والأمنية، لكنها يجب أن تظل بدورها بمنأى عن الاختراق الأجنبي.
أما الهواجس الأمنية للأنظمة الوطنية فهي في نظره هواجس وهمية أو مجرد ذريعة تبرر الاستبداد. صحيح أن الأنظمة الوطنية تواجه بالفعل تحديات حقيقية وخطيرة، لكنها تستطيع في الوقت نفسه الجمع بين أمن النظام والشورى أو الديمقراطية المنظمة. ولذا دعا إلى فتح باب المشاركة الواسعة أمام النخب الوطنية، وإلى أن يسمح النظام السياسي بتجدد النخبة الحاكمة وتغييرها في إطار الاختيارات الوطنية المتاحة.
لكن فهم أبعاد فكر عادل حسين يظل غير مكتمل دون إدراك تجربته الختامية، حين قرر وضع مشروعه الفكري في تماس مباشر مع الواقع الميداني من خلال تجربة حزب العمل (1984-2000). كتب عادل حسين الأدبيات الفكرية الأساسية للحزب عبر موازنة شديدة الدقة والصعوبة، شرحها قائلا: "أسهم الحزب في تركيب العقيدة المركبة (الإسلامية والقومية)، وقد عالجنا من خلال هذه الرؤية العقدية كل القضايا المعاصرة. وفي الحقيقة، لم نكن نقصد إنشاء أيديولوجية لحزب، ولكن كنا نستهدف إنشاء أيديولوجية للأمة. وهو تحرك على الصعيد العربي والإسلامي، وكان له دور مشهود في المؤتمر القومي العربي والإسلامي، وعلى صعيد العلاقات مع القوى الإسلامية في السودان وتونس، وباتجاه التنظيمات الفلسطينية".
انعكس ذلك على اختيارات حسين لكوادر الحزب، إذ عمل بجهد بالغ لضم كوادر من مشارب واتجاهات متعددة، بعضها انتمى سابقا إلى جماعات إسلامية، وبعضها إلى تنظيمات يسارية، وبعضها قومي وناصري، وبعضها من النخبة الثقافية المسيحية. وبذلك شكّل نموذجا معبرا عن فكرته القائلة إن للحضارة الإسلامية مفهوما واسعا لا يقتصر على المسلمين، وعن إيمانه بأن النهضة لا بد لها أن تجتذب كل العناصر القادرة على إدارة الصراع المعقد والقاسي مع التبعية.
وعادل حسين واحد من جيل من المثقفين المصريين والعرب دفعتهم هزيمة 1967، ثم انفتاح السادات وصلحه مع إسرائيل، إلى مراجعة ما حملوه من أفكار. ففي الحلقة التي جمعته بطارق البشري ومحمد عمارة، وانضم إليها عبد الوهاب المسيري لاحقا، انتقل أكثر من واحد منهم من الماركسية أو الناصرية إلى أفق إسلامي حضاري. وسلك الطريق نفسه خارج مصر الفلسطيني منير شفيق، الذي ترك الحزب الشيوعي إلى الفكر الإسلامي. تأثرت هذه الحالة بالواقع الذي عاشته، ثم أثّرت فيه.
فقد صار حزب العمل في سنوات حسين شريكا للإخوان المسلمين في تحالفاتهم الانتخابية، ويُنسب إليه أنه صاغ شعار "الإسلام هو الحل" الذي رافق الإسلاميين في مصر عقودا. وكان لحزبه، كما يقول هو، دور في التقريب بين القوميين والإسلاميين، وهو تقارب انعقد في ظله المؤتمر القومي الإسلامي الأول في بيروت عام 1994.
تولّى عادل حسين رئاسة تحرير صحيفة "الشعب"، لسان حزب العمل، بعد انتخابات عام 1984، ثم صار أمينا عاما للحزب، وخاضت الصحيفة في عهده معارك حادة مع نظام مبارك، منها حملاتها على التطبيع مع إسرائيل وعلى وزير الزراعة يوسف والي. وفي ربيع عام 2000 قادت "الشعب" حملة على رواية "وليمة لأعشاب البحر"، رأى فيها حسين دفاعا عن مسلّمات الإسلام لا معركة حزبية، فانتهت الأزمة بتجميد الحزب ووقف الصحيفة. ورحل عادل حسين في 15 مارس/آذار 2001، وقضية تجميد الحزب ووقف الصحيفة لا تزال منظورة أمام القضاء، حتى جاءت ثورة يناير التي أعادت الحياة الحزبية إلى مصر لفترة وجيزة.
إقرأ المزيد


