سياسة الرغبة.. كيف يؤيد الإنسان السلطة التي تستغله وتقمعه؟
الجزيرة.نت -

كيف يختار الإنسان سلطة تسعى إلى قمعه؟ وكيف يدافع عن أوضاع سياسية واجتماعية تهدر مصالحه، وربما تهدد حياته ومستقبل أبنائه؟ ولماذا يتحول شخص يعاني الفقر أو التهميش أو الاستغلال إلى مدافع متحمس عن النظام الذي ينتج معاناته؟

تنقض هذه الأسئلة مبدأً أساسيًا من مبادئ الفكر العقلاني الحديث، هو الاعتقاد بأن الإنسان كائن عقلاني يحسب مصالحه المادية ثم يختار ما يحققها. فإذا كان العامل يتضرر من انخفاض الأجور، فالمفترض أن يؤيد النقابات والسياسات التي تحمي حقوقه. وإذا كان المواطن يعاني القمع، فالمنتظر أن يطالب بالحرية. وإذا كانت الطبقات الفقيرة تتحمل العبء الأكبر من السياسات الاقتصادية، فالمنطق يقتضي أن تصوت ضد القوى التي تتبناها.

قصص مقترحة list of 3 itemsend of list

غير أن التاريخ السياسي يكشف مفارقات هذا التصور أكثر مما يشهد له. فقد وقفت قطاعات واسعة من الجماهير، مرارًا، إلى جانب قوى سلطوية أو شديدة المحافظة، حتى حين تعارضت سياساتها بوضوح مع مصالح تلك الجماهير. لذلك صار سؤال "الخيار اللاعقلاني" أحد الأسئلة المؤسسة للفكر السياسي النقدي الحديث، ولا سيما منذ صعود السياسة الجماهيرية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

نقل التصنيع أعدادًا كبيرة من البشر إلى المدن، وأدخل العمال والطبقات الوسطى الجديدة إلى المجال السياسي. وساعد انتشار الصحافة والراديو والسينما، ثم التلفزيون، على إنهاء الاحتكار المعرفي الذي تمتعت به النخب التقليدية. غير أن دخول الجماهير إلى السياسة لم يقد بالضرورة إلى انتصار قوى التحرر والمساواة، كما توقعت تيارات التنوير والاشتراكية. فقد فتح الباب أيضًا أمام القومية المتطرفة والفاشية والشعبوية السلطوية.

كشفت الموجة الثورية التي اجتاحت ألمانيا بين عامي 1918 و1919 حدود التصور القائل إن تفاقم الاستغلال يقود العمال تلقائيًا إلى الثورة. فقد انحازت قطاعات من العمال إلى السلطة القائمة، ووقف آخرون موقف المتفرج أمام قمع الحركة الثورية ومقتل قائديها روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت. ولم تحقق حركة مجالس المصانع في مدينة تورينو الإيطالية، بين عامي 1919 و1920، نتائج أفضل، إذ بقيت معزولة نسبيًا عن المراكز الصناعية الأخرى، وانتهت في تورينو نفسها إلى تسويات محدودة.

بينيتو موسوليني (يسار) وأدولف هتلر، رمزا الفاشية والنازية اللتين حشدتا الجماهير بإذكاء النزعة العسكرية القومية (شترستوك)

بعد سنوات قليلة، استطاعت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية حشد قطاعات شعبية واسعة في صفهما، كما وقفت الجماهير وراء النزعة العسكرية القومية التي اجتاحت اليابان منذ مطلع الثلاثينيات. وحتى البلدان الديمقراطية الأنجلوساكسونية، كبريطانيا والولايات المتحدة، عرفت حركات فاشية جذبت آلاف الأنصار، مثل اتحاد الفاشيين البريطانيين بقيادة أوزوالد موزلي. لم تكن هذه الحركات مجرد مؤامرات حاكتها النخب أو واقعًا فرضته على الجماهير. صحيح أنها استفادت من دعم كبار الصناعيين والمؤسسات العسكرية والنخب المحافظة، لكنها امتلكت أيضًا قدرة حقيقية على إثارة الحماسة الشعبية.

إعلان

ولم يقتصر الأمر على المجتمعات الأوروبية والأمريكية. ففي بلدان الجنوب العالمي، ظهر لاحقًا نموذج الانقلاب العسكري الشعبوي الذي يجمع بين القمع الشديد وخطاب يدعي تمثيل الأمة أو إنقاذ الشعب. في تشيلي مثلًا، سبقت الانقلاب الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973 سلسلة من الأزمات والإضرابات، شاركت فيها نقابات عمالية وقطاعات من الطبقات الوسطى، ضد حكومة تبنت سياسات اجتماعية لصالح هذه القطاعات نفسها. ومهدت تلك الاضطرابات المناخ لاستيلاء الجيش على السلطة، وانتهى الانقلاب بمقتل الرئيس المنتخب سلفادور أليندي داخل القصر الرئاسي فيما قيل إنه انتحار.

وتكررت لاحقًا صور مختلفة من هذا النموذج في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا. وهكذا خرج من الجدل الأوروبي عن الفاشية والثورة سؤال يخص العالم كله. لماذا تقبل الجماعات المقهورة أن تصير قاعدة اجتماعية لقهرها؟

الشرطة تعتقل متظاهرًا معارضًا لسلفادور أليندي خلال مظاهرة في شوارع سانتياغو عام 1972 (الفرنسية)
من المصلحة إلى الأيديولوجيا

حاولت الماركسية تفسير الوعي السياسي انطلاقًا من البنية المادية للمجتمع. رأى ماركس وإنجلز أن البشر يدخلون، وهم ينتجون حياتهم، في علاقات اجتماعية واقتصادية محددة، وأن نمط الإنتاج السائد يترك أثرًا عميقًا في القانون والدين والأخلاق والفلسفة والفنون وغيرها من صور الوعي الاجتماعي، وهي الصور التي أطلقا عليها اسم "الأيديولوجيا".

يمكن تصور العلاقة بين الأيديولوجيا والبنية التحتية، أي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، على نحوين مختلفين. الأول ينظر إلى الأيديولوجيا بوصفها أشكالًا زائفة من الوعي تصنعها الطبقة السائدة وتروجها لخدمة أهدافها، فتُختزل أشكال الوعي كلها إلى المصالح المادية. وفق هذا التصور، يكون الفرد الذي يدافع عن النظام القائم ضحية لوعي زائف، فهو يجهل مصلحته الحقيقية، أو يعرف الواقع معرفة شوهتها الدعاية. وتصبح المهمة السياسية الأساسية كشف الحقيقة، على افتراض أن العامل حين يعرف أنه مستغَل، والمواطن حين يعرف أنه مقموع، والفقير حين يعرف أن فقره نتاج نظام اجتماعي، سيختارون التغيير.

أما التصور الثاني فيرى في الأيديولوجيا، أو عالم الأفكار، عالمًا قائمًا بذاته من إبداع العقل البشري، يتأثر بالمصالح المادية دون أن يعكسها كالمرآة. فالقانون والدين والأخلاق إبداعات بشرية حقيقية، يصنعها الإنسان وهو متصل بواقعه الاجتماعي. وما تفعله الطبقة السائدة هو أن تنتقي من أشكال الوعي الاجتماعي ما يلائم مصالحها.

رأى ماركس (يسار) وإنجلز (وسط) أن البشر يدخلون في علاقات اجتماعية واقتصادية يحددها نمط الإنتاج، وأن هذا النمط يترك أثره في القانون والدين والأخلاق وغيرها (غيتي)

أدرك فلاسفة ماركسيون أوروبيون رفضوا قراءة الماركسية قراءة اقتصادية آلية، مثل الألماني كارل كورش والمجري جورج لوكاتش والإيطالي أنطونيو غرامشي، أن الأيديولوجيا ستار لا يسقط بمجرد إظهار الحقيقة. إنها عالم كامل من المعاني والقيم والتصورات والعادات التي تمنح المجتمع تماسكه، وتجعل النظام القائم يبدو طبيعيًا أو ضروريًا أو عصيًا على التجاوز.

إعلان

وفي هذا التصور، صارت الهيمنة الثقافية، بالمعنى الذي صاغه غرامشي، أوسع من خداع تمارسه السلطة على الشعب. إنها القدرة على تشكيل ما يبدو بديهيًا. فالناس لا يولدون عارفين بما يُعد نجاحًا أو فشلًا، وبما يجعل الإنسان محترمًا، وبالعمل الجدير بالتقدير، وبمن يستحق القيادة، وبالأدوار التي تناسب الرجال أو النساء. إنهم يتعلمون هذه المعايير في العائلة والمدرسة ودور العبادة ومؤسسات العمل ووسائل الإعلام.

ووسع مفكرو مدرسة فرانكفورت هذه الفكرة. فقد رأى ماكس هوركهايمر، أحد أبرز وجوه المدرسة، أن وظيفة النظرية النقدية تتجاوز تحليل الواقع الاجتماعي إلى نقد الأشكال الثقافية والفكرية التي تمنع الإنسان من إدراك الواقع في كليته، وتجعله يتكيف مع أوضاع كان يمكن تغييرها. وبهذا تمنح النظرية الإنسان بعدًا إضافيًا، فهو يفهم الواقع، ويدرك معه أنه قابل للتغيير.

لكن مفهوم الوعي الزائف بقي قاصرًا عن تفسير ظاهرة أساسية. ماذا لو لم تكن الجماهير مخدوعة تمامًا؟ ماذا لو كانت تعرف حقيقة النظام القمعية، لكنها مع ذلك ترغب في السلطة؟ هنا انتقل النقد من سؤال الوعي إلى سؤال اللاوعي، ومن تحليل الأفكار التي يعلنها الإنسان إلى تحليل الرغبات والمخاوف التي تحركه. فالسلطة تخفي الحقيقة عن الإنسان، وتشارك أيضًا في إنتاج إنسان يجد في الخضوع أمانًا، وفي القائد صورة للقوة التي يفتقدها في حياته. وبذلك تنتقل مهمة النقد من إنارة الوعي إلى كشف اللاوعي.

رأى ماركس أن الإنسان يعاني بسبب الاستغلال الاجتماعي الذي يحرمه من التحكم في عمله ومنتجاته وحياته. لكن ظهور التحليل النفسي مع سيغموند فرويد كشف عن ساحة أخرى للمعاناة هي الحياة النفسية الخاصة. بدأ فرويد بدراسة الهستيريا، أي ظهور أعراض جسدية لا يفسرها خلل عضوي واضح، كالشلل أو فقدان الإحساس بعد تجربة نفسية قاسية، مع سلامة الأعصاب والعضلات. وقاده ذلك إلى الاعتقاد بأن الأفكار والرغبات لا تختفي حين يرفضها الوعي، فهي تُكبت وتواصل عملها في اللاوعي.

لا يستطيع الإنسان إشباع كل رغباته، ولا حتى الاعتراف بها جميعًا، لأنها قد تتعارض مع الأخلاق أو صورة الذات أو مطالب المجتمع (غيتي)

لا يستطيع الإنسان إشباع رغباته كلها، ولا حتى الاعتراف بها جميعًا، لأنها قد تتعارض مع الأخلاق أو صورة الذات أو مطالب المجتمع. لذلك تُقصى بعض الرغبات من الوعي، لكنها تعود في صور ملتوية، فتظهر في الأحلام وزلات اللسان والنسيان والنكات والأفعال المتكررة، وفي أعراض الوسواس والخوف المرضي والهستيريا.

تكمن مهمة التحليل النفسي في إعادة هذه المواد المكبوتة إلى الوعي، كي يتمكن الإنسان من التعامل معها بطريقة أقل إيلامًا، فالسعادة الكاملة ليست في متناوله. والذات عند فرويد ساحة صراع بين قوى غريزية مختلفة تتحرك في اللاوعي، ويصعب عليها أن تعرف ما تريد.

يقيم فرويد تصوره للنفس على التمييز بين "الهو"، وهو مجال الدوافع والرغبات، و"الأنا" التي تتعامل مع الواقع، و"الأنا الأعلى" التي تمثل القواعد والمحرمات والمُثل الأخلاقية التي استدخلها الإنسان. وتتشكل هذه البنية، وفق التصور الفرويدي، داخل العلاقات الأسرية الأولى، ولا سيما من خلال ما سماه "عقدة أوديب". فالأم هي موضوع الحب والرغبة الأول عند الطفل، بينما يظهر الأب صاحبًا للسلطة والحدود. ومع النضج، يستدخل الطفل سلطة الأب، فتتحول الأوامر الخارجية إلى ضمير داخلي يراقبه ويحاسبه. ولا يحتاج الأب بعد ذلك إلى الحضور الدائم، لأن صوته صار جزءًا من نفس الطفل. ثم يتسع هذا الصوت ليشمل أوامر المجتمع كله، من الدين والعرف والقانون إلى توقعات العائلة ومقاييس النجاح والاحترام.

في كتابه "قلق في الحضارة"، رأى فرويد أن الحضارة لا تقوم دون تقييد الرغبات، فالحياة المشتركة تقتضي منع الإنسان من إطلاق عدوانيته أو إشباع نزواته بلا حدود. وتتجه الطاقة الغريزية، عبر عملية "التسامي"، نحو العمل والفن والعلم وبناء المؤسسات. لهذا كان فرويد متشائمًا إزاء إمكان السعادة الكاملة. فالحضارة تحمي الإنسان، وتفرض عليه في الوقت نفسه قدرًا من الحرمان والذنب. وكل تقدم اجتماعي يُشترى، جزئيًا، بالتنازل عن بعض الإشباع.

إعلان

اعترض كثير من الماركسيين على هذه الرؤية، ورأوا فيها فكرًا محافظًا يحول المعاناة الاجتماعية إلى مرض نفسي فردي. فالعامل الذي ينهكه المصنع يعاني لأن الواقع نفسه ظالم، وليس لأنه فشل في التكيف معه. والإنسان الذي يشعر بالعجز أو الاكتئاب قد يحتاج، إلى جانب العلاج الذي يعيده إلى العمل، إلى تغيير الشروط الاجتماعية التي تنتج عجزه وكربه. كذلك بدا مفهوم التسامي، في نظر النقاد، قابلًا للتحول إلى دعوة للامتثال، تطالب الإنسان بأن يكبت رغباته ويعمل ويضحي، وتحمّله وحده ذنب إخفاقه، وتعفي النظام الاجتماعي الذي يطالبه بالمزيد ويمنحه القليل.

رأى فرويد أن الحضارة لا تقوم دون تقييد الرغبات، فالحياة المشتركة تقتضي منع الإنسان من إطلاق عدوانيته أو إشباع نزواته بلا حدود (بيكسابي)
الشخصية السلطوية

كان المحلل النفسي الماركسي فيلهلم رايخ من أوائل من حاولوا الوصل بين نقد الاستغلال ونقد الكبت. ولم يقصر التحليل النفسي على علاج الأفراد، فاستخدمه أداة لفهم الطريقة التي يتسرب بها النظام الاجتماعي إلى أعماق الشخصية. رفض رايخ تفسير صعود النازية بأن هتلر خدع الجماهير الألمانية. فالدعاية لا تنجح في فراغ، ولا تستطيع أن تخلق من العدم كل المشاعر التي تستثيرها. إنها تنجح لأنها تلاقي مخاوف ورغبات وإحباطات موجودة أصلًا، فتمنحها لغة وصورة وهدفًا.

يجسد القائد، في شخصيته وخطابه، ميولًا عاطفية متناقضة عند جمهوره. فهو يقدم نفسه في الوقت نفسه أبًا حازمًا، ورجلًا بسيطًا من عامة الشعب، وبطلًا استثنائيًا، وضحية للمؤامرات، وممثلًا للأمة كلها. ولا تضر التناقضات المنطقية هذا الخطاب بالضرورة. فقد يخاطب القائد العمال بلغة العدالة، وأصحاب الأعمال بلغة الاستقرار، والطبقات الوسطى بلغة النظام، والمحافظين بلغة الأخلاق، والقوميين بلغة المجد. وما يجمع هذه الرسائل قدرتها على إثارة الخوف والغضب والفخر، أكثر من أي برنامج متماسك.

يلتف الجمهور حول القائد لأنه رأى فيه إجابة عاطفية عن شعوره بالضياع أو الإهانة أو فقدان المكانة، ونادرًا ما يكون اقتناعه بتفاصيل البرنامج الاقتصادي هو ما يجمعه حوله. عندئذ يقل أثر نقد أخطاء القائد، لأن العلاقة به لم تقم على الحساب العقلاني وحده.

اهتم رايخ خصوصًا بالطبقة الوسطى الدنيا، كصغار التجار والموظفين والمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمهنيين محدودي المكانة. تحتل هذه الطبقة موقعًا هشًا، فهي تخشى السقوط إلى صفوف الفقراء والعمال، وتحلم بالصعود إلى الطبقات الميسورة. ولا يدفعها وضعها بالضرورة إلى التضامن مع الطبقات الأدنى، لأنها ترى فيها الصورة التي تخشى أن تصير إليها. وهي تعجز غالبًا عن منافسة كبار الرأسماليين، فتتجه منافستها إلى الداخل. يتنافس صغار التجار فيما بينهم بالتزلف إلى أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، ويتصارع الموظفون على الترقي بالتزلف إلى المديرين. وهكذا يسعى كل فرد إلى استرضاء السلطة بإثبات أنه أكثر التزامًا وانضباطًا من زملائه، ولا يخطر له أن يقارعها.

ينتج هذا الموقع الطبقي شخصية تميل إلى الخضوع لمن هم في الأعلى، والتشدد مع من هم في الأسفل. وهي تعجب بالسلطة لأنها تطمح إلى نيل جزء منها، وتتمسك بالتزمت الأخلاقي لأنه يعوضها قيمة وتفوقًا في ظل الإفقار والتهميش، وتعوض هشاشتها الاجتماعية وإقصاءها السياسي بالمبالغة في الانتماء القومي.

تحتل الطبقة الوسطى الدنيا موقعًا هشًا، فهي تخشى السقوط إلى صفوف الفقراء والعمال، وتعوض هشاشتها بالمبالغة في الانتماء القومي (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

لهذا كانت الطبقة الوسطى الدنيا، في تجارب عديدة، حاملًا اجتماعيًا مهمًا للأيديولوجيا السلطوية. فهي تقدم نفسها نموذجًا للمواطن المجتهد الذي يحترم العائلة والدولة والقانون، حتى حين تعجز هذه الدولة عن حماية مصالحه. وبعد رايخ بسنوات، درس فريق من الباحثين يتقدمهم تيودور أدورنو، أحد وجوه مدرسة فرانكفورت، هذا النمط في الولايات المتحدة، ونشروا نتائجهم عام 1950 في كتاب "الشخصية التسلطية"، الذي منح الظاهرة اسمها الشائع.

يقدم فرويد، في كتابه "علم نفس الجماهير وتحليل الأنا"، تصورًا يساعد على فهم العلاقة بين الفرد والقائد. تقوم الجماعة على تمثل أفرادها مثلًا أعلى مشتركًا، قد يكون عقيدة أو وطنًا أو قائدًا. ومن خلال هذا التمثل، يشعر كل فرد بأنه صار جزءًا من كيان أكبر منه. والجماعة تمنح أعضاءها الأمان، وتمنحهم معه إحساسًا مستعارًا بالقيمة. يستطيع الإنسان الضعيف أن يشعر بالقوة لأنه ينتمي إلى أمة قوية، والمهمش أن يشعر بالمجد لأنه يتبع قائدًا مهيبًا، والعاجز أن يتخيل نفسه شريكًا في القرارات العظيمة التي تتخذها الدولة.

إعلان

يمكن للفرد بذلك أن يعوض الإهانات التي يتعرض لها في حياته اليومية بالتوحد مع جماعة متخيلة. قد يكون فقيرًا، لكن وطنه عظيم. وقد يكون بلا أثر سياسي، لكنه يؤيد سلطة مطلقة القدرة والنفوذ. وقد يعجز عن مواجهة مديره أو موظف صغير في مؤسسة حكومية، لكنه يشارك، عبر الشاشات، في استعراض القوة ضد أعداء الأمة.

لهذا تحتاج الأنظمة التي تنتج التهميش إلى إثارة المشاعر الوطنية باستمرار. فكلما ضاقت قدرة الإنسان على التحكم في واقعه، زادت حاجته إلى تخيل نفسه جزءًا من قوة كبرى. وكلما شعر بالضآلة، صار أقرب إلى التماهي مع زعيم يقدم نفسه أقوى رجل في العالم.

ويشتد هذا الاحتياج في المجتمع الحديث بسبب تفكك شبكات الأمان التقليدية. فقد عاش الإنسان طويلًا داخل جماعات متماسكة من العائلة الممتدة والقرية والطائفة والجيرة. قيدت هذه الجماعات الفرد وحريته وخصوصيته، لكنها وفرت له في الوقت نفسه هوية واضحة وشبكة للدعم. ثم قدمت دولة الرعاية الحديثة بديلًا جزئيًا، بالتعليم العام والرعاية الصحية والتأمينات والمعاشات وفرص العمل المستقرة. غير أن العقود الأخيرة شهدت تراجع كثير من هذه الشبكات تحت ضغط الخصخصة وخفض الضرائب وتقليص الإنفاق العام وتحويل الخدمات الأساسية إلى سلع.

وحين تتفكك شبكات الأمان التقليدية والحديثة معًا، يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام السوق والمرض والبطالة والشيخوخة. عندها تصير الجماعة السياسية المتخيلة غطاءً لإنسان عارٍ من الأمان. وهو ينتمي إليها لأنها تمنحه شعورًا بأنه ليس وحيدًا، سواء حققت مصالحه أم لم تحققها.

كلما شعر الإنسان بالضعف والتهميش، زادت حاجته إلى الانتماء إلى قوة أكبر (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)
العائلة الأبوية

تقع العائلة الأبوية في قلب تحليل رايخ للشخصية السلطوية. فالعائلة إحدى المؤسسات الأساسية التي يعيد المجتمع من خلالها إنتاج قيمه وعلاقات سلطته، وهي أبعد ما تكون عن مساحة خاصة منفصلة عنه. في العائلة التي يحتكر فيها الأب القرار والموارد والعقاب، يتعلم الطفل مبكرًا أن الحب والأمان مرتبطان بالطاعة. فالأب هو الحامي والمعيل، وهو في الوقت نفسه مصدر الخوف. ولا يستطيع الطفل الاستغناء عنه أو مواجهته، فيضطر إلى تكييف مشاعره ورغباته بما يضمن رضاه.

تتشكل بذلك علاقة مزدوجة بالسلطة، قوامها الإعجاب والخوف. ولأن الطفل يعجز عن توجيه غضبه نحو الأب، فقد يزيحه إلى من هم أضعف منه، كإخوته الأصغر أو النساء أو الخدم أو الأقليات. وقد تستمر هذه البنية في الشخصية البالغة، فتظهر في صورة فرد شديد الخضوع لرؤسائه، شديد القسوة على مرؤوسيه. يتجبر على الضعيف ويجبن أمام القوي، ويرى الطاعة فضيلة حين يكون خاضعًا، والتجبر ضرورة حين يصير صاحب سلطة.

ولا تعيد العائلة السلطوية إنتاج الطاعة بالعقاب وحده. فهي تعلم الطفل "الاشتراط العاطفي"، أي تنظيم عواطفه بما يناسب توقعات من يرعاه. يتعلم الطفل أن يخفي غضبه وحزنه ورغباته العفوية، وأن يقدم مكانها الصورة التي يحبها والداه. ووصف المحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوت نتيجة هذه العملية بمفهوم "النفس الزائفة". فالنفس الحقيقية تنمو حين يجد الطفل بيئة تتقبل عفويته وتمنحه مساحة للتعبير عن رغباته. أما حين يُطلب منه باستمرار أن يتكيف مع رغبات الكبار، فإنه يبني شخصية وظيفتها الأساسية إرضاؤهم. قد يبدو هذا الطفل مؤدبًا وناجحًا ومطيعًا، لكنه يكبر عاجزًا عن معرفة ما يريده حقًا. يتردد في اتخاذ القرارات، ويبحث دائمًا عن موافقة سلطة خارجية، ويشعر بالتناقض تجاه اختياراته، لأنه لم يتعلم التمييز بين رغبته وما يرغب فيه الآخرون نيابة عنه.

تتشكل بذلك شخصية منسحقة لا تسعى إلا إلى استرضاء الآخرين. يدفع القهر الإنسان، في هذه الحالة، من التكيف إلى النفاق، ومن النفاق إلى فقدان الإحساس بالهوية والشخصية. يصير بارعًا في قراءة توقعات أصحاب السلطة وتقمص الشخصية المناسبة لكل موقف، فتتآكل شخصيته حتى يعجز عن معرفة الشخصية التي تخصه.

وترتبط العائلة الأبوية كذلك بالتبعية الاقتصادية للمرأة. فاحتكار الرجل للدخل يمكّنه من تحويل دوره معيلًا إلى سلطة أخلاقية واجتماعية. ولا تتوقف السيطرة عند توزيع الموارد، فهي تمتد إلى تنظيم أجساد النساء ورغباتهن. تُحصر المرأة المحترمة في أدوار الأم والزوجة والمربية، ويُطلب منها أن تتنكر لرغبتها الجنسية واستقلالها الفردي. وقد تعجز حتى عن الشكوى من عدم الرضا داخل العلاقة الزوجية، لأن الاعتراف بالرغبة يعرض صورتها الأخلاقية للريبة.

قد يقود اختزال المرأة في دور الأم إلى استعصاء عقدة أوديب، إذ تعجز الأم عن بناء ذات مستقلة عن أبنائها (بيكسابي)

يتحول تقديس الأمومة، في بعض السياقات، إلى تعويض رمزي عن إخضاع المرأة. تُمنح الأم منزلة أخلاقية عالية، شرط أن تتخلى عن ذاتها امرأةً لها رغبات وخيارات مستقلة. وفي الوقت نفسه، قد يتسامح المجتمع مع أشكال تجارية من الجنس تخدم امتيازات الرجال، ما دامت لا تهدد نظام العائلة والانضباط الاجتماعي.

وقد يقود إلغاء المرأة على هذا النحو، واختزالها في دور الأم، إلى استعصاء عقدة أوديب. فالأم التي تعجز عن رؤية ذاتها خارج أبنائها تحول حبها لهم إلى سجن، وتطالبهم دومًا بالالتصاق بها وتعويضها عن ذاتها المستقلة التي ضيعتها من أجلهم.

ويُلاحظ أن النساء كن تاريخيًا أميل من الرجال إلى التصويت للقوى اليمينية. لكن هذا الاتجاه تغير منذ الثمانينيات في المجتمعات الغربية الرأسمالية مع ازدياد استقلال المرأة داخل العائلة، بينما بقي ميل النساء إلى اليمين قائمًا في بلدان الأطراف والجنوب العالمي والبلدان الخارجة من الشيوعية.

ففي دراسة رونالد إنغلهارت وبيبا نوريس الواسعة، التي حللت مسوحًا أُجريت في 60 دولة خلال الثمانينيات والتسعينيات، ظهر أن النساء كن على يمين الرجال سياسيًا في ثلثي الدول قبل عام 1995. وبحلول منتصف التسعينيات، صارت النساء على يسار الرجال في 14 دولة من أصل 57، هي كل الديمقراطيات المستقرة في المسح باستثناء إسبانيا وكوريا الجنوبية، بينما ظل ميل النساء إلى اليمين راسخًا في ست دول، وتقارب الجنسان في 37 دولة.

في انتخابات 2024 الأمريكية، فاز ترمب بأغلبية أصوات الرجال، وفازت هاريس بأغلبية أصوات النساء (شترستوك)

وفي الانتخابات الأمريكية عام 2024، فاز دونالد ترمب بأغلبية أصوات الرجال، بينما فازت منافسته كامالا هاريس بأغلبية أصوات النساء، وفق استطلاعات الخروج. ويُظهر "يوروباروميتر"، وهو سلسلة مسوح للرأي العام تجريها المفوضية الأوروبية منذ مطلع السبعينيات، أن متوسط موقع النساء على مقياس اليسار واليمين (من 1 إلى 10) بلغ 5.61 عام 1973، متجاوزًا متوسط الرجال البالغ 5.25. وانقلب الوضع بحلول عام 1999، فصار متوسط الرجال 5.29 ومتوسط النساء 5.20. غير أن السنوات الأخيرة حملت إشارات معاكسة، إذ ارتفعت حصة النساء بين أنصار اليمين المتطرف في أوروبا من 15% عام 2018 إلى 20% عام 2023، وفق دراسة لمركز السياسات الأوروبي، وإن بقي أنصار هذا اليمين رجالًا في أغلبهم.

قد يبدو نقد العائلة الأبوية دعوة إلى تفكيك الأسرة أو رفض الأخلاق، غير أن المسألة أعقد من ذلك. فالفحص التاريخي والأنثروبولوجي يبين أن العائلة النووية الحديثة ليست الشكل الطبيعي أو الأبدي لتنظيم القرابة والتنشئة. في مجتمعات ما قبل الحداثة، كانت العائلة ممتدة في الغالب، يعيش فيها الأجداد والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبناؤهم. ولم يكن الطفل يعتمد على أبيه وأمه وحدهما، فقد كانت تحيط به شبكة واسعة من مقدمي الرعاية والأقران.

كان الأطفال يقضون وقتًا أطول خارج البيت، في القرية أو الحي أو الحقول، بعيدًا عن المراقبة المباشرة. ولم تكن حياتهم منظمة بالكامل حول المدرسة والواجبات والأنشطة والتدريبات. ولا يعني ذلك أن طفولة الماضي كانت آمنة أو رحيمة دائمًا، فقد عرفت معدلات مرتفعة من المرض والعنف والعمل المبكر والحرمان. لكنها اختلفت في توزيع الرعاية، وفي درجة حضور الوالدين في تفاصيل حياة الطفل.

جاءت العائلة النووية الحديثة بمكاسب مهمة، منها زيادة الاستثمار في تعليم الطفل وصحته، والاعتراف التدريجي بحقوقه، وانخفاض معدلات الوفيات، وتراجع بعض أشكال العنف التقليدي. لكنها رفعت كذلك مستوى المراقبة والضغط، وحمّلت الأب والأم مسؤولية شبه كاملة عن نجاح الأبناء، وعزلت الطفل أكثر عن شبكات القرابة والجماعة.

جعلت العائلة النووية الحديثة الطفل أكثر عزلة عن شبكات القرابة والجماعة (غيتي)

وفي مجتمعات يتأخر فيها سن الزواج لأسباب اقتصادية، ويبقى الجنس خارج الزواج محرمًا اجتماعيًا، تمتد سنوات الكبت إلى مراحل عمرية لم تعرفها المجتمعات القديمة بالصورة نفسها. ويقع الشباب تحت ضغط مزدوج، فالإعلام والسوق يحفزان الرغبة بلا توقف، والنظام الأخلاقي والاجتماعي يمنع إشباعها منعًا صارمًا.

ومع ذلك، لا يصح أن نستنتج أن الحل في إلغاء العائلة. فهي تظل، رغم تناقضاتها، إحدى المساحات القليلة التي يمكن أن تقوم فيها العلاقات على الحب والولاء والرعاية، بعيدًا عن منطق التبادل التجاري والمنافسة. وتكتسب العائلة وظيفة تحررية حين تمنح أفرادها الأمان دون أن تطالبهم بإلغاء ذواتهم، وحين تعلم الطفل الاستقلال بدل الطاعة العمياء، وتربط الحب بالقبول بدل الامتثال. لذلك يبدو سؤال الإبقاء على العائلة أو هدمها سؤالًا في غير موضعه. السؤال هو أي عائلة نريد، وأي نوع من البشر تنتجه.

من الكبت إلى تحرير الرغبة

كانت الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية تحتاج إلى عامل منضبط يصل إلى المصنع في موعده، وينفذ المهام المتكررة، ويؤجل استهلاكه، ويدخر، ويحترم التسلسل الإداري. لذلك انسجمت مع أخلاق تمجد العمل والالتزام والاقتصاد في الإنفاق وكبت المتع. لكن أزمة الكساد العظيم التي بدأت عام 1929 كشفت عن حاجة مختلفة. فقد ظلت المصانع منضبطة وقادرة على إنتاج كميات ضخمة من السلع، لكن الاقتصاد انهار لأنه لم يجد من يشتري تلك السلع. لم يعد الإنتاج وحده كافيًا، وصار الاستهلاك عنصرًا مركزيًا في استمرار الاقتصاد.

أسهمت سياسات رفع الأجور والإنفاق العام والتأمينات والمشروعات الحكومية في توسيع القدرة الشرائية، وأحدث انتشار الراديو والسينما، ثم التلفزيون، ثورة في الإعلان والتسويق. وظهر عالم العلامات التجارية والمشاهير والموضة. وكان إدوارد بيرنيز، ابن أخت فرويد وأحد مؤسسي صناعة العلاقات العامة الحديثة، من أوائل من أدركوا إمكان توظيف التحليل النفسي في التسويق. ففي حملته الشهيرة لتشجيع النساء على التدخين عام 1929، ربط السجائر بفكرة تحرر المرأة، وقدمها بوصفها "مشاعل للحرية".

في حملته الشهيرة لتشجيع النساء على التدخين، ربط إدوارد بيرنيز السجائر بفكرة تحرر المرأة، وقدمها بوصفها "مشاعل للحرية" (فليكر)

لم يكن بيرنيز يبيع التبغ وحده، فقد باع معه معنى رمزيًا، وحوّل رغبة النساء في الاستقلال والمساواة إلى رغبة في شراء سلعة. وهنا ظهرت إحدى أنجع آليات الرأسمالية المعاصرة، فالإعلانات تلتقط رغبات موجودة أصلًا وتربطها بمنتجات محددة. قد يشتري الإنسان السيارة لأنها ترمز إلى النجاح والرجولة والاستقلال، فيما تأتي وظيفتها وسيلةً للانتقال في المرتبة الثانية. ويشتري الثوب لأنه يعده بالجاذبية والقبول. وقد يتابع حساباته على المنصات بحثًا عن الاعتراف والمكانة أكثر مما يطلب المعلومات.

تحولت الرأسمالية تدريجيًا من نظام يطالب الإنسان بكبت رغباته إلى نظام يأمره بالاستمتاع. كان الخطاب القديم يقول "اعمل وادخر وتخلَّ عن المتعة"، أما الخطاب الجديد فيقول "استمتع لأنك تستحق، وحقق ذاتك، وعش التجربة، ولا تفوّت الفرصة". ويرى الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أن الأمر الجديد بالاستمتاع لا يقل قسوة عن الأمر القديم بالكبت. فحين يصير الاستمتاع واجبًا، يشعر الإنسان بالذنب إن لم يكن سعيدًا أو ناجحًا أو جذابًا. وإذا عجز عن الاستمتاع بحياته، اتهم نفسه بأنه لم يعرف كيف يعيش، ولم يسأل عن الشروط الاجتماعية التي تحاصره.

أعاد المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان قراءة فرويد في ضوء التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وركز على دور اللغة في تشكيل الذات والرغبة. يولد الطفل باحتياجات جسدية، كالطعام والدفء والحماية، لكنه لا يستطيع إشباعها بنفسه، فيتوجه إلى الآخر بالبكاء والإشارة، ثم بالكلام. وحين يدخل الاحتياج إلى اللغة يصير "مطلبًا".

قد يحتاج الطفل إلى الحليب، لكنه حين يطلبه يطلب معه حضور الأم واهتمامها وحبها. يمكن إعطاؤه الحليب فتُشبع حاجته، ويظل المطلب المركب عصيًا على الإشباع الكامل. هنا تنشأ فجوة بين الاحتياج والمطلب الذي يتضمن طلبًا غير محدود للحب والاعتراف.

يسمي لاكان ما يتولد من هذه الفجوة "الرغبة". والرغبة عنده إحساس دائم بالنقص، أكثر منها حاجة إلى شيء محدد يمكن امتلاكه. يعتقد الإنسان أن المال أو الحب أو النجاح أو الشهرة سيملأ هذا النقص، لكنه حين يصل إلى ما يريد يكتشف أن الرغبة انتقلت إلى موضوع آخر. يحقق المال أو الحب أو الإنجاز قدرًا من الإشباع بلا شك، لكن الإنسان يجد نفسه بعد ذلك راغبًا في شيء جديد. فالاكتمال النهائي مؤجل باستمرار، والرغبة مشروع لا يكتمل. لا مبلغ من المال يمنح الذات أمانًا مطلقًا، ولا علاقة عاطفية تلغي كل وحدة أو شك، ولا نجاح مهني يقضي نهائيًا على الحاجة إلى الاعتراف.

تتشكل الذات داخل ما يسميه لاكان "النظام الرمزي"، أي اللغة والقوانين والأعراف والمفاهيم التي تمنح الأشياء معانيها. لا يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه مباشرة، فهو يتعرف إليها عبر الأسماء والصور التي يقدمها له الآخرون. وحين يقول شخص إنه ناجح أو فاشل، محترم أو منحرف، رجل حقيقي أو امرأة صالحة، فإنه يستخدم معايير لم يخترعها وحده. لذلك يسمي لاكان النظام الرمزي "الآخر الكبير"، أي ذلك الحضور الاجتماعي المتخيل الذي نحاول إرضاءه وننتظر منه الاعتراف.

نرغب، في جانب مهم من حياتنا، فيما نتخيل أن الآخر يرغب فيه. نبحث عن المهنة التي يعدها المجتمع مرموقة، والجسد الذي تعده الثقافة جذابًا، ونمط الحياة الذي تعرضه الشاشات بوصفه السعادة. ولهذا لا يقدر الإنسان على تفسير رغباته تفسيرًا كاملًا. فقد يحب شخصًا لأنه يجسد في لاوعيه مجموعة من الصور والتجارب والوعود القديمة. وقد يخاف من شيء لأنه صار بديلًا رمزيًا لشيء آخر. فاللاوعي، بعبارة لاكان الشهيرة، مبني مثل اللغة، يعمل بالتكثيف والإزاحة، أو بالاستعارة والكناية بلغة اللسانيات.

الإشباع النهائي سيناريو لا يتحقق في حياتنا الواقعية، ومع ذلك نمضي أعمارنا في محاولة الوصول إليه (غيتي)

يبني الإنسان حياته حول سيناريوهات يتخيل أن تحققها سيقوده إلى الإشباع النهائي، وهذه السيناريوهات هي ما يسميه لاكان "الفانتازيا"، كأن يقول المرء لنفسه "حين أحصل على هذه الوظيفة، أو أتزوج هذا الشخص، أو أبلغ هذا القدر من الشهرة، سأصير كاملًا". وتنجح الرأسمالية المتأخرة لأنها تبيع الفانتازيا مع الأشياء. في الإعلان، يشتري البطل بنطال جينز، ثم يخرج فتقع في حبه فتاة جميلة لأنه يرتديه، ثم يذهب إلى الشركة فينبهر به مديره وعملاؤه بسببه، وفجأة ينتهي شراء بنطال جينز إلى حلم بالثراء والزوجة الجميلة والأولاد. ما باعه الإعلان هنا هو الفانتازيا كاملة، وجودة البنطال تفصيل ثانوي. فالسلعة توحي بأنها المفتاح الذي سيفتح باب الحياة الكاملة، وتتجاوز بذلك وعدها بإشباع حاجة محددة.

الجنوب العالمي والفُصام الرأسمالي

اعترض جيل دولوز وفيليكس غوتاري على تصور الرغبة نقصًا. ففي كتابهما "ضد أوديب"، عدّا الرغبة قوة منتجة. فالبشر، في نظرهما، ينتجون عبر رغباتهم علاقات ومؤسسات وتقنيات وعوالم اجتماعية كاملة، ولا يقتصر أمرهم على افتقاد أشياء يسعون إليها.

ورفض دولوز وغوتاري كذلك اعتبار العائلة نقطة البداية التي ينبني عليها المجتمع. فالمجتمع، في نظرهما، هو الذي ينتج شكل العائلة الملائم لتنظيمه الاقتصادي والسياسي. ولم تنشأ العائلة الأبوية الحديثة عن طبيعة إنسانية ثابتة، فقد ارتبطت بنظام احتاج إلى نقل الملكية وضبط العمل وتنظيم الجنسانية وإنتاج أفراد منضبطين.

تتميز الرأسمالية، وفق هذا التصور، بقدرتها على تفكيك الأشكال التقليدية وإطلاق تدفقات الرغبة، ثم إعادة ضبطها داخل السوق. فهي تحطم الحواجز التي تمنع الناس من الانتقال والعمل والاستهلاك، ثم تحول الحرية الناتجة إلى فرصة جديدة للتراكم. تدعو الإنسان إلى التحرر من تقاليد القرية والعائلة والمهنة الموروثة، ثم تطلب منه أن يعيد تعريف نفسه مشروعًا اقتصاديًا. وتسمح له بأن يختار هويته وأسلوب حياته، لكنها تعرض كل اختيار في صورة سلعة.

ومن هنا جاء العنوان الفرعي لمشروعهما المشترك، "الرأسمالية والفصام". ويستعير الفيلسوفان الفصام، دون أن يقصدا المرض الذي يعالجه الأطباء، لوصف حركة الرأسمالية حين تفك الروابط والرموز القديمة التي كانت تضبط الرغبة، فتطلقها بلا مرجع ثابت. لكن الرأسمالية تنزع في الوقت نفسه إلى الكبت، وإلى إنتاج شخصيات عُصابية متوترة صارمة، تعيد ضبط ما أُطلق.

ولهذا تجمع الرأسمالية بين إطلاق الرغبة وتقييدها. فهي تحتاج إلى إنسان يرغب بلا توقف كي يستهلك ويبتكر وينتج، لكنها لا تحتمل انفلات الرغبة الكامل، لأنه يعطل قدرة الإنسان على الإنتاج. ومن ثم يتحول الأمر بالاستمتاع والاستهلاك في الإعلان إلى أمر جديد بالعمل المتصل المضني وإهمال الحياة الشخصية والعائلية، كما في نصائح بعض رواد الأعمال ومدربي التنمية البشرية الذين يطالبون الشباب بالعمل 16 ساعة يوميًا طوال الأسبوع، وبنسيان عائلاتهم إن أرادوا النجاح أو الحفاظ على وظائفهم. لا كبت كامل هنا ولا تحرير كامل. ما يجري هو إدارة للرغبات تحفظ استمرار النظام.

وتزداد المسألة تعقيدًا في بلدان الجنوب العالمي، حيث تتجاور أنماط اجتماعية تنتمي إلى مراحل مختلفة. ففي المدينة الواحدة قطاعات تعمل في الاقتصاد الرقمي العالمي، إلى جوار مجتمعات لا تزال تقوم على العائلة الممتدة والعمل غير الرسمي والقيم التقليدية. لذلك لا تنتقل هذه المجتمعات ببساطة من مجتمع الكبت إلى مجتمع تحرير الرغبة. إنها تجمع بينهما.

في الجنوب العالمي، تتجاور داخل المدينة الواحدة قطاعات الاقتصاد الرقمي العالمي ومجتمعات تحكمها العائلة الممتدة والعمل غير الرسمي والقيم التقليدية (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

تُستثار الرغبات الاستهلاكية عبر الإعلانات والمنصات الرقمية، بينما تبقى القيود الاجتماعية على الجسد والعلاقات شديدة. يُطلب من الشاب أن يبدو ناجحًا ومواكبًا للعالم، في وقت يعجز فيه عن الحصول على مسكن أو وظيفة أو تأسيس أسرة. والمجتمع الذي يحتفي بجسد العارضة أو الفنانة ويقدمه أيقونة فنية وجمالية هو نفسه الذي قد تُسجن فيه فتاة أو تُنتهك لأنها ارتدت فستانًا قصيرًا.

تواجه المرأة صورًا لا حصر لها عن الجاذبية والحرية وتحقيق الذات، لكنها قد تظل خاضعة لسلطة اقتصادية وعائلية تحول دون اتخاذها قراراتها الأساسية. أما الأب الذي فقد جزءًا من قدرته الاقتصادية تحت ضغط التضخم والبطالة، فقد يتمسك بسلطته الأخلاقية داخل البيت تعويضًا عن تراجع مكانته خارجه.

وعلى المستوى السياسي، تنتشر شخصية تخضع لكل أشكال السلطة الرسمية، وتمارس القسوة على من تستطيع التحكم فيهم. وتُستثار المشاعر الوطنية تعويضًا عن الإقصاء من صناعة القرار وتردي الخدمات وانسداد فرص الترقي. لا يعرض الخطاب السلطوي على المواطن مشاركة حقيقية، ويكتفي بمنحه فرصة التماهي مع الدولة. فالمواطن يصير قويًا بالتصفيق لاستعراض قوة السلطة، وتبقى حقوقه خارج المعادلة. وهنا تتحول الأمة من جماعة مواطنين إلى صورة ضخمة للقائد، ويتحول الولاء للوطن إلى طاعة للحكومة.

الذات الإنجازية

يقوم جانب أساسي من الرأسمالية المعاصرة على ترسيخ وعي دائم بالرغبة نقصًا. ترى الذات نفسها كيانًا غير مكتمل، فتندفع إلى العمل والإنجاز بحثًا عن لحظة متخيلة من الاكتمال. يتحول الجهد إلى وعد، والنجاح إلى فانتازيا تقول إن السعادة النهائية تنتظر عند عتبة الثراء أو الشهرة أو الاعتراف.

ارتبط هذا التحول بتغير عميق في طبيعة العمل. فقد تراجع الوزن النسبي للعمل الصناعي التقليدي، وصعد العمل الذهني والإبداعي والخدمي الذي يؤديه المبرمج وصانع المحتوى والمصمم والمحلل المالي والمستشار والعامل المستقل.

كان العامل الصناعي يرى المصنع مكانًا خارجيًا يبيع فيه قوة عمله. أما العامل الذهني فيميل إلى رؤية العمل تعبيرًا عن شخصيته وهويته وموهبته. هو يقول "أنا كاتب"، ونادرًا ما يقول "أعمل كاتبًا". ويربط قيمته الذاتية بجودة ما يصممه أو يبرمجه أو يصنعه من محتوى، وبمدى انتشاره، ولا يرى في ذلك مهام منفصلة عنه.

تتلاشى بذلك الحدود بين وقت العمل ووقت الحياة. والذي يذوب هنا هو الحياة في العمل، والعكس لا يحدث. يحول العمل المرن والعمل عن بعد والعمل الحر اليوم بأكمله إلى مساحة إنتاج متصلة، فتختفي ساعة الحضور والانصراف، وتحل محلها قوائم المهام والتنبيهات والمنصات والرسائل التي لا تتوقف.

كان عامل المصنع يعرف غالبًا أن المصنع ليس طريق خلاصه الشخصي. أما العامل المعاصر فيحلم بالنجاة عبر مشروعه الخاص أو فكرته اللامعة أو حسابه الذي سيحقق الانتشار. لذلك لا يحتاج دائمًا إلى مراقب خارجي، فهو مراقب نفسه وسيدها وجلادها في آن.

يقيس إنتاجيته، ويتابع أرقام المشاهدة والتفاعل، ويقارن نفسه بالآخرين، ويؤنب ذاته على الراحة. وكلما أصابه الإرهاق بحث عن دورة جديدة في إدارة الوقت أو تطوير الذات أو زيادة التركيز، ولم يسأل هل المطالب المفروضة عليه قابلة للتحمل أصلًا.

لقد أتاحت هذه الأنماط لبعض الأفراد فرصًا حقيقية للتحرر من أشكال قديمة من القهر المهني. لكنها أطلقت أيضًا منافسة لا تهدأ. يحتاج صانع المحتوى كل يوم إلى خوض معركة جديدة مع عشرات الآلاف كي يحتفظ بمكانه في الضوء. ويجد المبرمج والكاتب والمصمم والعامل الحر أنفسهم في سباق مستمر مع السوق والخوارزميات والزمن.

وتقدم الدراما صورًا لهذا العالم. في المسلسل الكوري "لعبة الحبار"، يعود أغلب المتسابقين إلى اللعبة بإرادتهم بعد أن أتيح لهم الخروج منها، مع أنهم يعرفون أن أيًا منهم قد يكون ضحية المرحلة المقبلة، وأن النجاة النهائية وهم كبير. يشبه هذا العالم مسابقة لا ينجو فيها إلا عدد قليل، ويخسر فيها الجميع شيئًا من أعمارهم وأعصابهم وثقتهم بأنفسهم. ولا مجال للتوقف والسؤال عن جدوى السباق، لأن آلة التحفيز لا تسكت.

يشبه هذا العالم مسابقة "لعبة الحبار"، إذ يخسر الجميع شيئًا من أعمارهم وأعصابهم وثقتهم بأنفسهم، ولا مجال للتوقف والسؤال عن جدوى السباق، لأن آلة التحفيز لا تسكت (غيتي)

غير أن هذا التحفيز هو القمع نفسه وقد انتقل إلى الداخل. لم يعد السيد بحاجة إلى ضرب العامل كي يعمل، فالعامل يجلد نفسه باسم تحقيق الذات. وكانت السلطة تقول له "عليك أن تطيع"، فصارت تقول "تستطيع أن تصبح كل ما تريد". فإذا أخفق، بدا إخفاقه دليلًا على كسله أو افتقاره إلى الموهبة، وغابت عن الصورة قسوة النظام الذي وضعه في سباق غير متكافئ.

يسمي الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان هذا النمط "الذات الإنجازية"، في كتابه عن "مجتمع الإرهاق" الصادر عام 2010. وهي ذات تشعر بأنها مطالبة من الداخل بإثبات قيمتها باستمرار، أكثر مما تشعر بأنها مدفوعة من الخارج. يتشكل لديها صوت داخلي صارم يراقب الأداء، ويقارن الحاضر بصورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه. لذلك تعيش النجاح تأجيلًا مؤقتًا للشعور بالنقص، ولا تستقر عنده. وما إن تحقق هدفًا حتى ينتقل القلق إلى هدف آخر، لأن أصل المشكلة ارتباط تقدير الذات بالإنجاز، وغياب الإنجاز جزء منها فقط. وحين تتوقف عن العمل أو الإنتاج، قد يطفو شعور بالذنب أو الفراغ أو انعدام القيمة، كأن وجودها نفسه يحتاج إلى تبرير دائم.

تتماهى هذه الذات مع صورتها المهنية حتى يصعب الفصل بين "من أنا" و"ما أنجزه". لذلك تستقبل الفشل جرحًا نرجسيًا يصيب صورة الإنسان عن نفسه، ويتجاوز كونه تعثرًا محدودًا. وتدفعها حاجتها إلى الاعتراف إلى مراقبة ردود فعل الآخرين، والبحث عن التقدير والثناء والمؤشرات التي تؤكد أنها مرئية وناجحة وجديرة بالقبول. وقد تتحول المقارنة بالآخرين إلى آلية نفسية يومية تستنزفها، لأنها تقيس ذاتها دائمًا على نموذج أكفأ أو أشهر أو أكثر حضورًا. وهكذا ينشأ توتر مستمر بين الذات الواقعية والذات المثالية، وبين ما تحقق فعلًا وما تعتقد أنه كان ينبغي أن يتحقق.

ومع الوقت تصير الراحة صعبة نفسيًا، لأنها تفتح مساحة للصمت الداخلي الذي تحاول الذات تجنبه بالانشغال. فقد يكون الإفراط في العمل وسيلة دفاع ضد القلق أو الشعور بالهشاشة أو الخوف من عدم الأهمية، إلى جانب كونه تعبيرًا عن الطموح. وتتحول الذات إلى رقيب قاسٍ على نفسها، تؤنبها على التعب، وتفسر الإرهاق ضعفًا، وتطالبها بالمزيد كلما اقتربت من حدودها. لذلك قد تنتهي الذات الإنجازية إلى الاحتراق النفسي أو الاكتئاب أو فقدان الدافعية. تبدو من الخارج نشطة مندفعة، وتعيش في الداخل شعورًا مزمنًا بعدم الكفاية، فلا تمنح نفسها القبول إلا مكافأة مؤقتة على الإنجاز.

مقاومة الحلم السلطوي

كان القلق الأساسي عند دولوز وغوتاري من تصور الرغبة نقصًا أنه قد يخدم السلطة الاجتماعية، فالإنسان حين يرى نفسه ناقصًا وبحاجة إلى الاكتمال، يحاول تعويض نقصه بالتماهي مع السلطة واستهلاك المزيد من السلع. لكن الفيلسوفين لم يلتفتا إلى أن علاج هذا الخطر يمر بالاعتراف به. فالإنسان يحتاج دومًا إلى الاقتراب من الآخر الكبير أو المثل الأعلى الاجتماعي، وهو في هذا المسعى معرض للسقوط في فانتازيا السلطوية والشمولية والهندسة الاجتماعية والنزعة الاستهلاكية والتطرف الديني والشوفينية، إذ يبدو كل مسار منها طريقًا إلى الاكتمال. ولا إجابة جاهزة عن الحلم السلطوي داخل الإنسان غير المقاومة المستمرة.

الإنسان حين يرى نفسه ناقصًا وبحاجة إلى الاكتمال، يحاول تعويض هذا النقص بالتماهي مع السلطة واستهلاك المزيد من السلع (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

نقل المعلومات الصحيحة إلى الجماهير جزء من مقاومة السلطة، وللحقيقة أهميتها. لكن إثبات أن القائد يكذب، أو أن السياسات الاقتصادية تضر بالناس، لا يكفي وحده. ينبغي أن نفهم الحاجة العاطفية التي يلبيها القائد، والخوف الذي تستثمر فيه الجماعة، والفراغ الذي تملؤه الأيديولوجيا.

تبدأ المقاومة من بناء أشكال أخرى للأمان والانتماء، كعائلة لا تقوم على الطاعة، ومدرسة لا تكافئ الامتثال، وعمل لا يلتهم الحياة، ودولة تحمي الإنسان من السوق بدل أن تتركه وحيدًا أمامه، وسياسة تمنح المواطن قدرة حقيقية على الفعل بدل أن تكتفي بدعوته إلى التماهي مع قوة الحاكم.

وتبدأ كذلك من الاعتراف بأن الحلم السلطوي ليس مرضًا يصيب الآخرين وحدهم. يسكن داخل كل إنسان ميل إلى الهرب من القلق نحو اليقين، ومن الشعور بالضعف نحو جماعة تمنحه قوة مستعارة، ومن الحرية المعقدة نحو طاعة تعفيه من المسؤولية، وهو الميل الذي درسه المحلل النفسي الألماني إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية" عام 1941. ولا صيغة نهائية تقضي على هذا الميل، ولا مجتمع يبلغ التحرر الكامل. فكل علاقة وكل مؤسسة وكل هوية معرضة للتحول إلى سلطة تطالب الإنسان بإلغاء نفسه.

ولهذا تبقى الحرية ممارسة مستمرة لا تكتمل، قوامها مساءلة الرغبات التي تبدو لنا أكثر خصوصية وعفوية، بأن نسأل لماذا نريد ما نريد، ومن علمنا أن النجاح يأخذ هذه الصورة، ولماذا يمنحنا خضوعنا للقوة شعورًا بالأمان، وأي جزء من ذواتنا نحاول تعويضه حين نذوب في قائد أو جماعة أو مهنة أو سلعة.

والقضاء على الرغبة ليس هو الجواب، فالحياة نفسها حركة من الرغبات والعلاقات والآمال. الجواب في تحريرها من الفانتازيا التي تعدنا بالاكتمال، وفي بناء عالم يستطيع الإنسان أن يعيش فيه نقصه وضعفه دون أن يحتاج إلى سيد يحميه، أو عدو يكرهه، أو سباق يلتهم حياته.



إقرأ المزيد