خلفيات الدعم المصري للسعودية.. وحدوده
الجزيرة.نت -

هل كانت مفاجأة أن تطلب المملكة العربية السعودية الدعم العسكري المصري؟ وهل كان مفاجئا أن ترحب مصر بالطلب وتبحث في كيفية تنفيذه بسرعة؟

الإجابة عن السؤال مفتوحة على احتمالات كثيرة، تتوقف على من يطرح السؤال وأفكاره وهواه، لكن في كل الأحوال فإن الخلاصة المهمة هي التي وردت في البند الثاني من بيان مجلس الدفاع الوطني المصري الذي عُقد صباح الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول، وقرر نصا: "تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة للمملكة العربية السعودية الشقيقة للدفاع عن أمنها واستقرارها وصون مقدرات وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية".

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

هذه هي النتيجة، لكن ما هي التفاصيل أو الكواليس التي سبقت الوصول إلى هذه اللحظة؟ والسؤال الأهم ربما هو: ما هي التداعيات المتوقعة لهذه الخطوة، خصوصا أن مجلس النواب المصري يتجه أيضا إلى الموافقة على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لدعم السعودية وحماية أمنها وحدودها، ونعلم أن المجلس انعقد الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول، وسوف يستكمل مناقشاته الاثنين وربما الثلاثاء قبل أن يصوت على الطلب.

ومن المعلوم أن موافقة مجلس النواب على إعلان الحرب هو أمر نصت عليه المادة (152) من الدستور المصري.

‏قد لا يعلم كثيرون أن مصر لم تكن في عجلة من أمرها للانضمام إلى حلف مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، ليس اعتراضا على أي دولة، ولكن بالأساس لرفضها المبدئي سياسة الأحلاف منذ عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في منتصف حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.

وكانت تفضل دوما أن يكون أي تحالف عسكري تحت مظلة جامعة الدول العربية، خصوصا أن هناك اتفاقية دفاع عربي مشترك لكنها معطلة تماما، وحاولت مصر إحياء الفكرة عام 2015 لكن الأمر تعطل أيضا.

مصر كانت دوما متحفظة على فكرة إرسال قواتها لخارج أراضيها لأسباب متعددة ربما أحدها نتائج تدخلها لدعم النظام الجمهوري في اليمن في حقبة الستينيات، وهو الأمر الذي يراه البعض أنه كان أحد أسباب هزيمتها أمام إسرائيل في 5 يونيو/حزيران 1967.

إعلان

‏إذن، السؤال الجوهري هو: ما الذي تغير حتى تقرر مصر التدخل لدعم السعودية عسكريا؟

الإجابة أنه جرت في الأنهار مياه كثيرة وتعرضت الدول العربية لاعتداءات إيرانية كثيرة، ومن الناحية الأخرى تسعى إسرائيل بدعم أمريكي سافر للهيمنة على المنطقة وإخضاعها منذ بدء عدوانها الوحشي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تحركت مصر ولعبت دورا فاعلا في آلية التنسيق الرباعي التي تضم بلدان حلف مكة الثلاثي، واستضافت آخر اجتماع لهذه الآلية في مدينة العلمين على الساحل الشمالي في 14 أغسطس/آب الماضي.

القاهرة لم تمانع إطلاقا في التنسيق السياسي الدبلوماسي بكل أشكاله مع البلدان الثلاثة، لكنها كانت متحفظة على فكرة الأحلاف، خصوصا مع عدم اتضاح كيفية تنفيذ بنوده على أرض الواقع إذا تعرضت إحدى دوله للاعتداء، كما تنص مادته الخامسة.

كما أنه لا يخفى على أحد أنه ورغم التقارب الملحوظ بين البلدان الأربعة مؤخرا فلا تزال هناك بعض التباينات بينها في ملفات كثيرة. ولذلك فضّلت مصر أن يكون تحركها لدعم السعودية بصورة ثنائية.

الذي دفع مصر للتحرك هو أن المملكة تعرضت هي ودول الخليج لاعتداءات إيرانية متنوعة منذ اندلاع الحرب في المنطقة في 28 فبراير/شباط الماضي، كما أن التدخل الكلي لباكستان وتركيا مرهون باستكمال إجراءات قد يكون بعضها دستوريا أو لوجيستيا.

أستطيع أن أؤكد أنه إذا طلبت السعودية الدعم العسكري المصري وإذا أقر مجلس النواب المصري ذلك خلال الساعات المقبلة، فإن المهمة سوف تكون دفاعية بالأساس حتى لو كانت العبارة التي وردت في بيان مجلس الدفاع الوطني تقول: "تقديم كل أشكال الدعم"، فحتى ذلك سيكون في إطار دفاعي

‏وقد سمعت من مسؤول مصري كبير أكثر من مرة ونشرت ذلك بالفعل في جريدة الشروق قبل شهور أن مصر أبلغت السعودية وبعض دول الخليج أنها ستلبي كل ما يطلب منها، وأنها نفذت ذلك بالفعل وأرسلت معدات عسكرية لبعض الدول الخليجية.

وقد رأينا مقاتلات حربية مصرية في الإمارات خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لأبوظبي في 7 مايو/أيار الماضي، واستعرض يومها مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة هناك برفقة الشيخ محمد بن زايد. ‏‏

وقبل أيام قال الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري بوضوح إن مصر ستلبي كل ما تطلبه السعودية، واستخدم تعبير "أيا كان هذا الدعم"، وهي العبارة التي تُرجمت بوضوح في بيان مجلس الدفاع الوطني تطبيقا لما قاله السيسي في خطابه المهم في تخريج دفعة جديدة من طلاب الأكاديمية العسكرية يوم السبت الماضي، وقبلها خطابه في أكاديمية الشرطة والندوة التثقيفية رقم (44) للقوات المسلحة. ومضمون تصريحات السيسي هو أن مصر لن تسمح بالمساس بأمن السعودية وحدودها واستقرارها.

‏نكرر السؤال: ما الذي تغير حتى تغير مصر موقفها الرافض للتدخل العسكري؟

في تقديري أن من بين المتغيرات أن جماعة الحوثي وجهت ضربات نوعية للحكومة الشرعية في اليمن، وشددت الحصار على محافظة تعز، وطالت ضرباتها النوعية منشآت مهمة في السعودية، خصوصا مطار الرياض.

وربما الذي أزعج مصر وأقلقها أكثر هو سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب- الذي قامت القوات الحكومية باسترداده لاحقا- والمدن الواقعة في محيطه مثل المخا وذو باب.
وهذا المضيق هو البوابة إلى قناة السويس، وبسبب مشاركة الحوثيين في إسناد المقاومة الفلسطينية والاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فإن مصر خسرت نحو 18 مليار دولار من عائدات قناة السويس، وهو رقم كبير في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.

إعلان

تجد مصر نفسها الآن محاصرة بحزام من النار يحيط بها من كل جانب، شرقا بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، وغربا بسبب الصراعات وعدم الاستقرار في ليبيا، وجنوبا بسبب الحرب الأهلية في السودان.

وأخيرا القلاقل في البحر الأحمر، وما يزيد من تفاقم الأمور أن المشاكل والتحديات لا تأتي فقط بسبب الحوثيين، ولكن بسبب الأطماع الإثيوبية التي لم تعد تخفي رغبتها في الحصول على ميناء عصب في إريتريا ولو عبر القوة، أو الحصول على قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال المنشق عن الدولة الصومالية منذ أوائل التسعينيات.

وإذا نجحت إثيوبيا في تحقيق ذلك فإنه سيشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي المصري، علما أن مصر تؤكد دائما رفضها القاطع لحصول إثيوبيا على أي موانئ أو قواعد على البحر الأحمر باعتبارها دولة غير مشاطئة عليه.

إذن نظرة مصر للأمن في البحر الأحمر لا تقف فقط عند التهديد الحوثي أو الإثيوبي، ولكن يشغلها أيضا الأطماع الإسرائيلية المتزايدة في هذه المنطقة، خصوصا بعد اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي وإقامة علاقات دبلوماسية معه، وما يتردد عن إقامة قاعدة عسكرية لها هناك، إضافة إلى علاقتها مع أديس أبابا وما يشكله ذلك من خطر على الأمن المائي لمصر.

وربما يكون كل ما سبق هو المشهد الذي دفع مصر لتقديم الدعم العسكري للسعودية ليس فقط دعما للأمن القومي السعودي، ولكن استباقا لمنع إكمال طوق وحزام النار القريب والبعيد.

السؤال الجوهري الذي يطرحه كثيرون منذ إعلان الرئيس السيسي تقديم الدعم للسعودية إذا طلبت ذلك، هو: ما نوع هذا الدعم المتوقع وتفاصيله؟
أستطيع أن أؤكد أنه إذا طلبت السعودية الدعم العسكري المصري وإذا أقر مجلس النواب المصري ذلك خلال الساعات المقبلة، فإن المهمة سوف تكون دفاعية بالأساس حتى لو كانت العبارة التي وردت في بيان مجلس الدفاع الوطني تقول: "تقديم كل أشكال الدعم"، فحتى ذلك سيكون في إطار دفاعي.

المؤكد أن المنطقة سوف تشهد تطورات دراماتيكية وربما نرى ذلك في ضوء ما ستسفر عنه انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي أوائل الشهر المقبل، وسواء فاز الحزب الجمهوري أو خسر، وسواء فاز نتنياهو أو فشل فإن هذه المنطقة يصعب أن تشهد الهدوء قريبا

في تقديري أن مصر ليست ذاهبة إلى السعودية في مهمة هجومية، وليست ذاهبة لإعلان الحرب على هذه الدولة أو ذاك التنظيم، بل فقط للمساهمة في حماية أمن السعودية وحدودها واستقرارها كما جاء على لسان الرئيس السيسي يوم السبت الماضي.

ومن اللافت للنظر أنه في بيان مجلس الدفاع الوطني نفسه كان هناك بندٌ يقول: "مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته، وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلما".

وهذا يعني أنه في الوقت الذي تقرر فيه مصر دعم السعودية عسكريا، فهي تقرن ذلك ببذل كل الجهود السلمية.

وكان لافتا للنظر أكثر أنه في اليوم نفسه الذي صدر فيه بيان مجلس الدفاع الوطني وبدأت مناقشة مجلس النواب لإصدار التفويض، جاءت مبادرة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر بإطلاق دعوة ومبادرة مهمة لتشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة تضم ممثلين من مختلف الدول العربية والإسلامية من العقلاء والحكماء المخلصين لتتحرك فورا لنزع فتيل الأزمات والصراعات المشتعلة أو تقريب وجهات النظر، وإنهاء الخلافات القائمة بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة.

ليس من مصلحة مصر أن تتفاقم الصراعات وتشتعل الحروب وتتوسع؛ لأنها تعلم يقينا أن ذلك هدف إسرائيلي رئيسي تمهيدا لتحقيق أحلامها أو أوهامها بإعادة رسم خريطة المنطقة وإقامة إسرائيل الكبرى.

إعلان

المؤكد أن المنطقة سوف تشهد تطورات دراماتيكية وربما نرى ذلك في ضوء ما ستسفر عنه انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي أوائل الشهر المقبل، وسواء فاز الحزب الجمهوري أو خسر، وسواء فاز نتنياهو أو فشل فإن هذه المنطقة يصعب أن تشهد الهدوء قريبا.
ربنا يستر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد