تضليل إسرائيلي.. هل عُرضت رسوم متحركة "تحرض على الإرهاب" داخل مركز تجاري في رام الله؟
الجزيرة.نت -

تداولت حسابات إسرائيلية مقطع فيديو على نطاق واسع بمنصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، زعمت أنه يوثق عرض رسوم متحركة "تمجد الإرهاب" لأطفال فلسطينيين داخل مركز تجاري في رام الله بالضفة الغربية.

وادعت الحسابات أن المقطع التُقط حديثا داخل المركز، وأن الأطفال يشاهدون فيلما عن "مجزرة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول" بينما يتسوق آباؤهم في مكان قريب منهم، ليحصد المقطع مئات آلاف المشاهدات.

قصص مقترحة list of 1 itemend of list

وبحسب أصحاب هذا الادعاء، يُعرض المقطع وسط مركز تسوق مزدحم أمام أطفال أبرياء، جميعهم تقريبا في سن مبكرة جدا، وهم يتابعون رسوما متحركة لصبي في مثل أعمارهم يلقي زجاجة مولوتوف مباشرة على دبابة عسكرية إسرائيلية.

من نشر المقطع؟

بدأت القصة حين نشر حساب باسم "ملك الحي" (מלך השכונה)، وهو حساب ينشر عادة محتوى معاديا للفلسطينيين، المقطع للمرة الأولى بالسياق نفسه على تلغرام، وذلك يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

ثم تداولته حسابات أخرى على منصات مختلفة، بينها فيسبوك وإكس، ليحقق مشاهدات واسعة، استنادا إلى الادعاء نفسه.

تحريض على السلطة الفلسطينية

في المقابل، شنت حسابات إسرائيلية بارزة على منصة إكس هجوما واسعا على السلطة الفلسطينية. من بينها حساب "موريس هيرش"، وهو مقدم متقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي قال إن المقطع لم يُعرض في مناطق تحت حكم حركة حماس، بل في مناطق تحت حكم السلطة، معلقا أن هذه هي الطريقة التي تُلقّن بها السلطة الأطفال الفلسطينيين أفكارا متطرفة تدفعهم إلى طلب الموت.

وتناقلت حسابات أخرى المقطع على منصات مختلفة بالقول إن أطفالا فلسطينيين يجلسون في مركز تجاري فاخر في رام الله يشاهدون فيلما يمجد "المذبحة الجماعية" للمدنيين في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

واتهم الناشط الإسرائيلي يوسف حداد، في منشور له، الفلسطينيين في رام الله بتربية أطفالهم على "الإرهاب"، وادعى أن الفيديو صُوّر داخل أحد المراكز التجارية في المدينة، حيث يظهر أطفال يشاهدون فيلما كرتونيا "يمجد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول" بينما يتسوق أولياء أمورهم.

واعتبر حداد أن هذا المشهد يعكس الطريقة التي يُعدّ بها الجيل القادم، مشيرا إلى أن "الهجوم القادم سينطلق من الضفة الغربية"، ودعا في ختام منشوره إلى ما وصفه بـ"الحسم والقضاء على الإرهاب والدعاية الفلسطينية"، مؤكدا أن المقطع التُقط في رام الله.

إعلان

ثم انتقلت الرواية بالصياغة نفسها إلى حسابات ومنصات إخبارية إسرائيلية على نطاق واسع، رأت أن ما وصفته بـ"المذبحة القادمة" ستأتي من الضفة الغربية، في تحريض واضح على السلطة الفلسطينية والفلسطينيين في الضفة.

واتهم مركز "جيه إس آر" (JSR)، وهو مركز إعلامي تابع لمجلس المستوطنات الإسرائيلي، السلطة الفلسطينية بتشجيع ما وصفه بـ"التحريض على الإرهاب للناشئة"، زاعما أن المقطع المتداول يُظهر أطفالا داخل مركز تجاري في رام الله يتابعون عبر شاشة ضخمة عرضا كرتونيا يجسد شخصية ملثمة بالكوفية تهاجم آلية عسكرية إسرائيلية وتُظهرها بمظهر "البطل".

وأضاف المركز أن المشاهد الكرتونية تتشابه على نحو "مريب" مع تسجيلات مرئية سابقة أعلنت عنها "كتائب القسام" خلال مواجهاتها مع الجيش الإسرائيلي.

في حين شاركت حسابات غير رسمية معروفة بخطابها المنحاز للرواية الإسرائيلية في ترويج المقطع على نطاق واسع وبشكل متزامن.

ما حقيقة المقطع؟

تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع، وتبين أنه مضلل ولم يُصور داخل رام الله بالضفة الغربية، ولا في فلسطين أصلا.

كيف تحققنا؟

تتبعنا أبرز المراكز التجارية في المنطقة على منصات التواصل الاجتماعي، وعند مقارنة المشهد المتداول بصريا بصور من أكبر المراكز التجارية وأبرزها في رام الله، تبين عدم تطابق العناصر البصرية وشكل المراكز من الداخل، مما أثار شكوكا حول مكان التصوير الحقيقي.

لقطة شاشة توثق البحث عن أبرز المراكز التجارية في رام الله بالضفة الغربية على منصات التواصل (فيسبوك).

وبالبحث العكسي عن لقطات ثابتة من المقطع، وجدنا نسخة تتشابه إلى حد كبير مع المقطع المتداول على حساب فتاة باكستانية في تيك توك باسم (Tasleem Sakina)، ونُشرت يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وهو توقيت تداول المقطع المزعوم أنه التُقط في رام الله.

ويُظهر التدقيق في المقطع تطابقا في شاشة العرض وبنية المركز التجاري وألوان الجدران، وحتى شكل الإنارة من الداخل وأماكن توزعها، فضلا عن المشهد ذاته: رجال ونساء وأطفال يشاهدون ما يبدو فيلما كرتونيا.

وبتتبع مقاطع أخرى نشرها الحساب نفسه ومقارنتها بصور أرشيفية من خرائط غوغل، تبين أن المقطع التُقط من داخل مركز "لاكي وان مول" التجاري (Lucky One Mall) في مدينة كراتشي بإقليم السند في باكستان.

وبالبحث بكلمات مفتاحية باسم المركز على فيسبوك وإنستغرام خلال الفترة نفسها، عثرنا على صور ومقاطع فيديو إضافية من الفعالية ذاتها داخل المركز، وتبين أنها خاصة بإطلاق مسلسل كرتوني باسم "يحيى أسد الأقصى" في كراتشي.

ويلاحظ في عدد من المشاهد ظهور علم باكستان في أكثر من لقطة ضمن هذه المقاطع، مما يؤكد هذه الرواية.

علامات بصرية توثق ظهور علم باكستان ضمن فعالية عرض المسلسل الكرتوني بالمركز التجاري في باكستان (منصات التواصل)

وكانت شركة "إيفرست ديجيتال ووركس" (Everest Digital Works) قد أعلنت إطلاق العرض الأول لمسلسل الرسوم المتحركة المخصص للأطفال.

وبحسب موقعها الرسمي، أُقيمت فعالية الإطلاق في السابع من أكتوبر/تشرين الأول في مركز التسوق "لاكي وان مول" بكراتشي عند الثامنة مساء، حيث قُدّم عرض مجاني للحلقة الأولى للعائلات والأطفال على شاشة عرض داخل المركز.

ويهدف المسلسل إلى تقديم محتوى ترفيهي وبصري للأطفال، يسلط الضوء على قيم الشجاعة والصداقة والأمل والهوية المرتبطة بالمسجد الأقصى والثقافة والقضية الفلسطينية، مما يدحض الادعاءات الإسرائيلية تماما.

وأظهرت ملصقات دعائية ترويجية أصدرتها الشركة استمرار عروض الإطلاق الخاص بمسلسل الكرتون "يحيى- أسد الأقصى" حتى يوم الأحد 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في مركز "لاكي وان مول" بمدينة كراتشي الباكستانية.

الفيلم الأصلي على يوتيوب

وبالبحث عن الفيلم الأصلي على يوتيوب، عثرنا في الثانية 38 من المقطع الأصلي على المشهد نفسه الذي ظهر على شاشة العرض في الفيديو المتداول.

لقطات شاشة من المسلسل الكرتوني "يحيى- أسد الأقصى" من حساب الشركة المنتجة (يوتيوب)

وهذا يؤكد أن المقطع يعود إلى الفيلم ذاته الذي كان يُعرض آنذاك في كراتشي الباكستانية، وليس في رام الله.

إعلان

من روج للادعاء؟

بتتبع الحسابات ونمط النشر وتوقيته، يتبين أن ما جرى ليس تضليلا عشوائيا، بل روجت له حسابات إسرائيلية مؤثرة ضمن حملة إسرائيلية أوسع تستهدف السلطة الفلسطينية، وتهدد بشن هجوم شامل عليها إذا وجهت أسلحتها ضد المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية.

تهديدات إسرائيلية بحرب على السلطة

وقبل أيام، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن حكومته تستعد لسيناريو توجيه السلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل في الضفة الغربية، وأكد أن الجيش الإسرائيلي هو الطرف الوحيد الذي سيبقى ويسيطر على مخيمات شمال الضفة.

وخلال زيارة للضفة برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس وكبار المسؤولين الأمنيين، أكد نتنياهو الاستعداد لأي سيناريو، بما في ذلك "استخدام الأسلحة"، محذرا من أن إسرائيل سترد على أي هجوم من قوات السلطة الفلسطينية بـ"مستوى من القوة لم تتخيلوه قط".

كما هدد كاتس بأنه في سيناريو توجه فيه قوات الأمن التابعة للسلطة أسلحتها ضد المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي في الضفة وعلى طول حدودها، ستُعلن الحرب على السلطة، وسيشن الجيش هجوما شاملا وفقا لخطة مفصلة صاغها مع نتنياهو ووافقا عليها.

ويعد تهديد كاتس الجديد امتدادا لتهديد آخر أطلقه الشهر الماضي بشن "حرب شاملة" على السلطة الفلسطينية إذا أعدّت هجوما مماثلا لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصاعدت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة.



إقرأ المزيد