الجزيرة.نت - 10/18/2026 2:54:59 PM - GMT (+3 )
في الحرب التي كان يفترض أن تنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة، تجد الولايات المتحدة نفسها بعد نحو ثمانية أشهر أمام خيارات لا يبدو أن أيا منها يضمن تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها. فالنظام الإيراني الذي استهدفت واشنطن وتل أبيب إسقاطه لا يزال قائما، والقدرات العسكرية الأمريكية، رغم تفوقها، لم تستطع فرض الاستسلام على طهران، فيما تحولت الحرب إلى مواجهة مفتوحة تستنزف الطرفين، وتهدد اقتصادات المنطقة والعالم.
هذه هي القضية المركزية التي يتناولها تقدير موقف لمركز الجزيرة للدراسات بعنوان "بين تجدد المواجهة والتسوية التفاوضية: مصير حرب كان يفترض ألا تستمر طويلا"، متتبعا التحولات التي طرأت على أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والأسباب التي حالت دون حسمها، والخيارات المتاحة للرئيس دونالد ترمب لإنهائها.
وينطلق تقدير الموقف من أطروحة أساسية مفادها أن الحرب لم تكن استجابة لضرورة ملحة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وإنما كانت "حرب خيار"، اتخذته إدارة ترمب متأثرة بحسابات القيادة الإسرائيلية ورهانها على إمكان إحداث تغيير جذري في التوازنات الإقليمية، يبدأ بإسقاط النظام الإيراني وينتهي بإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية.
غير أن هذا الرهان، بحسب تقدير الموقف، اصطدم بقدرة النظام الإيراني على البقاء، رغم الخسائر التي لحقت بقياداته ومؤسساته وقدراته العسكرية. وهكذا انتقلت واشنطن من محاولة إسقاط النظام إلى السعي لفرض شروط تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ والعلاقات الإقليمية، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض على وقف إطلاق النار ومستقبل الصراع.
وتزداد أهمية هذه المراجعة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في ظل تصاعد تكلفة الحرب، واستمرار اضطراب الملاحة والتجارة والطاقة، وتزايد التساؤلات عن قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل مواجهة طويلة لم تكن ضمن حساباتها الأصلية.
من إسقاط النظام إلى مأزق الحرب الطويلةيربط تقدير الموقف قرار الحرب بسلسلة من التطورات التي شهدها الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنت إسرائيل، بدعم أمريكي، عمليات عسكرية واسعة ألحقت خسائر كبيرة بخصومها في غزة ولبنان وسوريا وإيران.
إعلان
وكانت حرب الأيام الاثني عشر في صيف 2025 إحدى المحطات الرئيسية في هذا المسار، بعدما استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل المنشآت النووية الإيرانية، وأعلنتا أن الضربات عطلت قدرة طهران على استئناف مشروعها النووي لسنوات.
لكن ذلك لم يحسم مسألة اليورانيوم عالي التخصيب، الذي لم تتمكن القوات الأمريكية والإسرائيلية من الاستيلاء عليه أو التحقق من مصيره.
ويشير تقدير الموقف إلى أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية كانت لا تزال جارية عشية اندلاع الحرب الجديدة في فبراير/شباط 2026، وأن طهران كانت قد وافقت، بحسب ما يورده، على خفض مستوى تخصيب اليورانيوم إلى الحدود المسموح بها للأغراض السلمية، وإخضاع نشاطها النووي لمراقبة دولية دائمة.
ومن هنا يطرح السؤال الذي ينتظم تفسيره لأسباب الحرب: لماذا اختارت إدارة ترمب المواجهة العسكرية بينما كان المسار التفاوضي لا يزال مفتوحا؟
يجد تقدير الموقف الإجابة في التصورات التي سادت القيادة الإسرائيلية منذ أواخر عام 2024، ومفادها أن إضعاف خصوم إسرائيل في المنطقة أتاح فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسيا واستراتيجيا، وليس مجرد تعديل ميزان القوى العسكري.
وبحسب هذا التفسير، اعتقد بنيامين نتنياهو وحلفاؤه أن إسقاط النظام الإيراني سيشكل الإنجاز الحاسم الذي يتيح فرض شروط إسرائيلية وأمريكية جديدة على الإقليم.
ولذلك استهدفت العمليات العسكرية في الأسابيع الأولى قيادات إيرانية ومراكز الحكم والمؤسسات العسكرية والأمنية، بما يعكس، في قراءة تقدير الموقف، أن الهدف لم يكن مجرد إضعاف القدرات العسكرية، وإنما إحداث انهيار سياسي يسمح بظهور سلطة جديدة تقبل المطالب الأمريكية والإسرائيلية.
وكان الرهان أن تنتهي الحرب خلال أسبوعين أو ثلاثة، لكن استمرار النظام الإيراني وعدم انهيار مؤسساته أجبرا واشنطن على مراجعة أهدافها.
فبدلا من إسقاط النظام، أصبحت الأولوية للبرنامج النووي، ومدى الصواريخ الإيرانية، وعلاقات طهران بحلفائها الإقليميين.
ومع تعذر تحقيق الحسم، جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وبدأت مفاوضات غير مباشرة بوساطة باكستانية وقطرية.
ويشير تقدير الموقف إلى توقيع مذكرة تفاهم في 17 يونيو/حزيران 2026، كان يفترض أن تمهد لمعالجة تداعيات الحرب، بما فيها الملاحة في مضيق هرمز، وفتح الطريق أمام تسوية دائمة.
لكن المذكرة واجهت معارضة داخل دوائر أمريكية مؤثرة، اعتبرت أنها تمنح إيران مكاسب أكبر مما ينبغي، فانتهى الأمر بالتخلي عنها.
وشهد يوليو/تموز تبادلا للهجمات، ومحاولات أمريكية لمعالجة أزمة مضيق هرمز بالقوة، قبل أن تتجه واشنطن خلال الشهرين التاليين إلى تشديد الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، مع تحقيق تسهيل جزئي لحركة الملاحة.
وبذلك وصلت الحرب إلى وضع لم يكن متوقعا عند اندلاعها: لم يسقط النظام الإيراني، ولم تحصل الولايات المتحدة على اتفاق نهائي، ولم تستطع إيران إنهاء الضغط العسكري والاقتصادي المفروض عليها.
وأمام هذا المأزق، يحدد تقدير الموقف ثلاثة خيارات رئيسية أمام إدارة ترمب.
يتمثل الخيار الأول في استئناف العمليات الجوية على نطاق أوسع من الحملة السابقة، سواء بمشاركة إسرائيلية أو بقرار أمريكي منفرد.
إعلان
وتقوم الفكرة على أن حملة القصف الأولى، التي استمرت نحو أربعين يوما، لم تكن كافية لكسر إرادة النظام الإيراني، ومن ثم فإن تحقيق النتيجة يتطلب توسيع قائمة الأهداف لتشمل ما تبقى من قيادات الصف الأول، والبنية التحتية للدولة، والمنشآت الصناعية وشبكات الخدمات.
وبحسب تقدير الموقف، لا يستهدف أنصار هذا الخيار مجرد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإنما إظهار النظام أمام شعبه عاجزا عن توفير الاحتياجات الأساسية، على أمل أن يؤدي تدهور الأوضاع المعيشية إلى تقويض قدرته على الاستمرار.
ويقر التحليل بأن الولايات المتحدة تمتلك من القدرات العسكرية ما يسمح بتنفيذ حملة قصف واسعة تستمر عدة أسابيع، مستندا إلى خطط لنشر ثلاث مجموعات حاملات طائرات في محيط إيران مع أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، فضلا عن الطائرات الأمريكية الموجودة في إسرائيل والقواعد المنتشرة في الخليج والمحيط الهندي والأردن.
كما يشير إلى أن الدفاعات الجوية الإيرانية تعرضت لأضرار جسيمة خلال المواجهات السابقة، رغم محاولات طهران إعادة بنائها بقدرات محلية وبمساعدة روسية وصينية.
لكن التفوق العسكري لا يعني، بالضرورة، القدرة على فرض نتيجة سياسية.
وهنا يستحضر تقدير الموقف تجربة الحملة الأولى، التي شملت، وفقا للإحصاءات الأمريكية التي ينقلها، قصف أكثر من 13 ألف هدف في مختلف أنحاء إيران، دون أن تؤدي إلى انهيار النظام أو قبوله الشروط الأمريكية.
ويحذر من أن استهداف البنية التحتية المدنية قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة لما تريده واشنطن، إذ يمكن أن يدفع قطاعات من الإيرانيين، بمن فيهم غير المتحمسين للنظام، إلى الالتفاف حوله دفاعا عن السيادة الوطنية في مواجهة الهجمات الخارجية.
كما أن اتساع القصف لا يضمن استمرار العمليات دون قيود؛ إذ يتحدث تقدير الموقف عن مؤشرات على تناقص مخزونات الذخيرة الأمريكية، بما يفرض سقفا زمنيا لأي حملة جديدة.
وعندئذ، قد يصبح المطلوب من إيران مجرد الصمود لأسابيع إضافية، بدلا من تحقيق انتصار عسكري على الولايات المتحدة.
لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بإيران وحدها.
فالتقدير يرجح أن ترد طهران على توسيع القصف بتوسيع نطاق الحرب نفسها، واستهداف منشآت مماثلة في الدول التي تستضيف قوات أمريكية، خصوصا في الخليج والأردن.
فإذا تعرضت محطات الكهرباء أو مصافي النفط الإيرانية للقصف، قد ترد إيران باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج العربية، وهو ما يفتح الباب أمام تصعيد تتجاوز تداعياته الطرفين المباشرين.
ويذهب تقدير الموقف إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك، استنادا إلى تجارب المواجهة السابقة، قدرات دفاعية كافية لحماية جميع حلفائها في المنطقة من هجمات إيرانية واسعة.
وقد يؤدي هذا السيناريو إلى اضطرابات اقتصادية عالمية، وتراجع الثقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، فضلا عن تعميق الأضرار التي تلحق بالاقتصاد الأمريكي والأوروبي.
وعليه، فإن المشكلة الأساسية في خيار القصف الموسع ليست قدرة الولايات المتحدة على تنفيذه، وإنما عجزها عن ضمان النتيجة السياسية، مقابل ارتفاع احتمال اتساع الحرب وتفاقم تكلفتها.
أما الخيار الثاني فهو الانتقال من القصف الجوي إلى العمليات البرية، انطلاقا من الاعتقاد بأن السيطرة على الأرض قد تحقق أهدافا عجزت الضربات الجوية عن إنجازها.
ويميز تقدير الموقف بين ثلاثة تصورات لهذا الخيار: عمليات محدودة للسيطرة على مواقع استراتيجية، وغزو شامل لإسقاط النظام، وتحريك جماعات إيرانية معارضة مسلحة تحت غطاء أمريكي إسرائيلي.
في التصور الأول، قد تستهدف القوات الأمريكية الجزر الإيرانية في الخليج، أو مواقع تمركز الجيش والحرس الثوري على الساحل الشمالي، بهدف الحد من قدرة إيران على تهديد الملاحة.
إعلان
ويبرز في هذا السياق احتمال تنفيذ عملية ضد موقع "جبل الفأس"، المعروف إيرانيا باسم "كوه كولانغ غاز لا"، الذي يصفه التقدير بأنه منشأة نووية وعسكرية غامضة قريبة من نطنز.
فبينما تقول طهران إنه مصنع لأدوات الطرد المركزي، تعتقد جهات أمريكية أنه قد يكون مركزا رئيسيا للتخصيب أو لتخزين جانب كبير من اليورانيوم عالي التخصيب.
ومن ثم، قد تهدف عملية برية محدودة إلى السيطرة على الموقع ومصادرة المخزون النووي المفترض وجوده فيه.
لكن تقدير الموقف يشدد على أن المعلومات المتعلقة بالموقع ليست حاسمة، وأن نجاح العملية في السيطرة عليه لا يضمن العثور على اليورانيوم، فضلا عن صعوبة تقدير حجم المقاومة الإيرانية والخسائر المحتملة.
أما الغزو الشامل، على غرار غزو العراق عام 2003، فيراه التحليل خيارا مستبعدا للغاية.
فإيران دولة واسعة المساحة، يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، وتتميز بتضاريس معقدة، ولا تزال تمتلك قوات عسكرية وأمنية كبيرة، تضم الجيش والحرس الثوري والباسيج.
وينقل تقدير الموقف عن خبراء عسكريين أن غزوا شاملا قد يتطلب أكثر من مليون جندي، في حين أن عدد مشاة البحرية الأمريكية المنتشرين قرب إيران لا يزيد كثيرا على عشرين ألفا.
وحتى لو أمكن حشد قوات إضافية، فإن احتلال بلد بهذا الحجم سيحتاج إلى وقت طويل، وسيوقع خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، وهو ما يجعل إقدام ترمب على هذا الخيار غير مرجح.
ويبقى التصور الثالث قائما على الاستعانة بجماعات المعارضة الإيرانية المسلحة، ولا سيما التنظيمات الكردية الموجودة في شمال العراق.
ويشير تقدير الموقف إلى اتصالات إسرائيلية سابقة بهذه الجماعات، وخطط لإشراكها في التوغل داخل إيران بالتزامن مع الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية.
لكن واشنطن، بحسب ما يورده، أوقفت المخطط بعد الاطلاع على ضعف قدرات هذه الجماعات وانقساماتها، وربما نتيجة تحذيرات تركية أيضا.
ولا تتوقف العقبات عند ضعف التنظيم والتسليح؛ إذ إن المناطق الكردية الإيرانية ليست كتلة سياسية موحدة معارضة للنظام، كما أن القوات الإيرانية عززت استعداداتها على الحدود لمواجهة أي تدخل محتمل.
ويستحضر التقدير كذلك قدرة الأجهزة الأمنية الإيرانية على احتواء التحركات المسلحة المعارضة خلال يناير/كانون الثاني 2026، بوصفها مؤشرا على الصعوبات التي قد تواجه أي محاولة لإسقاط النظام بالاعتماد على قوى محلية مسلحة.
وهكذا، لا يقدم الخيار البري طريقا مضمونا للحسم: فالعمليات المحدودة قد تنجح عسكريا دون أن تغير موقف النظام، والغزو الشامل شديد الخطورة، والاعتماد على المعارضة المسلحة لا يستند إلى قوة قادرة، وفق المعطيات التي يعرضها التقدير، على تغيير موازين الحرب.
يرجح تقدير الموقف أن يكون استمرار التفاوض غير المباشر، بالتوازي مع تشديد الحصار الاقتصادي والعسكري، الخيار الأكثر منطقية وجدوى أمام إدارة ترمب.
وتقوم هذه المقاربة على استخدام الضغوط الاقتصادية لدفع طهران إلى قبول تسوية لم تستطع واشنطن فرضها بالقوة العسكرية.
ويشير التحليل إلى أن إيران اعتادت طوال ما يقرب من خمسة عقود التعامل مع العقوبات الأمريكية والدولية، وتمكنت من تخفيف آثارها عبر العلاقات التجارية مع دول الجوار، والاستفادة من التعاون مع الصين وروسيا.
لكن العقوبات والحصار المفروضين خلال عام 2026 يختلفان، في تقدير الدراسة، من حيث الشمول والتأثير.
فالحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية أدى إلى تضييق حركة الصادرات والواردات، فيما أعلنت واشنطن، منذ أواخر أغسطس/آب، حزمة جديدة من العقوبات المباشرة والثانوية، شملت الجهات والدول التي تتعامل تجاريا مع إيران.
وتكمن قوة هذه العقوبات في ارتباطها بالنظام المالي العالمي، الذي يحتفظ الدولار الأمريكي بموقع محوري فيه، مما يجعل الالتفاف عليها أكثر صعوبة من العقوبات السابقة.
ويشير تقدير الموقف إلى أن واشنطن أعلنت نجاح قواتها البحرية في وقف التجارة الإيرانية عبر البحر بصورة كاملة، وفقا للبيانات الأمريكية التي يستند إليها.
ومع ذلك، لا يعني الحصار انقطاع جميع منافذ التجارة.
فإيران تستطيع استخدام السفن الصغيرة في الخليج، أو طرق النقل البري عبر العراق وتركيا ودول الجوار الأخرى، كما يمكن أن تحصل على دعم مالي وتجاري من دول صديقة، وأن تستفيد من استمرار بعض المعاملات مع المؤسسات المالية الصينية.
إعلان
لكن هذه البدائل، بحسب التحليل، لا تكفي للحفاظ على مستويات التجارة والصادرات اللازمة لاستمرار الاقتصاد الإيراني ومؤسسات الدولة على المدى الطويل.
ويستشهد تقدير الموقف ببيانات أمريكية تفيد بأن كمية النفط الإيراني المتبقية في أعالي البحار، التي خرجت قبل تشديد الحصار، لم تعد تتجاوز عشرين مليون برميل في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول.
كما يشير إلى تراجع السيولة في الأسواق الإيرانية، وازدياد مخاطر إفلاس قطاعات من التجار، وارتفاع التضخم، وتدهور قيمة العملة إلى مستويات غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية.
وفي المقابل، لا تزال المفاوضات غير المباشرة قائمة.
فبحسب تقدير الموقف، تبادل الطرفان مقترحات بشأن وقف الحرب والتسوية النهائية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن وزير الخارجية الإيراني أن طهران تستعد لتسليم الوسيط القطري ملاحظاتها على الرد الأمريكي.
كما ينقل التقدير عن مصادر عربية وأوروبية أن الوساطة القطرية تواصل العمل بعيدا عن الأضواء، سعيا إلى الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.
ويبرز هنا الدور الذي تؤديه قطر وباكستان في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، رغم استمرار الحصار والتهديد باستئناف العمليات العسكرية.
لكن تقدير الموقف لا يعتبر استمرار المفاوضات دليلا على اقتراب التسوية، لأن نجاحها لا يتوقف على وجود الوسطاء أو تبادل المقترحات وحده، وإنما على استعداد الطرفين لقبول تنازلات متبادلة.
يصل تقدير الموقف إلى أن الولايات المتحدة وإيران تواجهان مأزقا متشابها، وإن اختلفت طبيعة الضغوط الواقعة على كل منهما.
فالولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري والقدرة على إلحاق أضرار واسعة بإيران، لكنها لم تستطع إسقاط النظام أو إجباره على قبول جميع مطالبها.
كما أن استمرار الحرب يفرض أعباء مالية وعسكرية وسياسية متزايدة، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي، وتدخل إدارة ترمب النصف الثاني من ولايتها.
ويرى التقدير أن الرئيس الأمريكي لا يرغب في ترك حرب مفتوحة لخلفه في البيت الأبيض، خصوصا أنها لم تكن، وفق أطروحة الدراسة، حرب ضرورة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
لكن ترمب يواجه مشكلة سياسية تتعلق بصورة الانتصار.
فبعد أن قدم الحرب بوصفها وسيلة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي وإخضاعها للشروط الأمريكية، يصبح إنهاؤها دون مكاسب واضحة أمرا يصعب تسويقه داخليا باعتباره نجاحا.
ومن ثم، قد يفضل الاستمرار في الضغط العسكري والاقتصادي أملا في تحسين شروط التسوية، بدلا من القبول باتفاق يبدو أنه يمنح طهران فرصة للخروج من الحرب دون اعتراف بالهزيمة.
أما إيران فتواجه ضغوطا من نوع آخر.
فقد استطاع نظامها السياسي البقاء رغم الخسائر، لكنه يواجه أزمة اقتصادية يصفها تقدير الموقف بأنها من أشد الأزمات في تاريخ الدولة الإيرانية الحديثة.
ويشير التحليل إلى أن العقوبات الجديدة، خصوصا تلك التي تستهدف الأطراف الثالثة، تضيق قدرة إيران على التجارة والتعاملات المالية، وتزيد عزلة البلاد وتضعف قدرة مؤسساتها على الاستمرار بالمستوى السابق.
لكن القيادة الإيرانية، في المقابل، تعتقد أن الصمود لفترة إضافية قد يمنحها وضعا تفاوضيا أفضل، وربما يسمح لها بالخروج من الحرب وهي تحتفظ بالنظام السياسي وبقدر من النفوذ الإقليمي.
وهكذا يراهن الطرفان على الزمن، ولكن من موقعين مختلفين.
فالولايات المتحدة تراهن على أن يؤدي الحصار إلى إنهاك إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات أكبر، بينما تراهن طهران على أن تؤدي كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية إلى دفع واشنطن نحو قبول تسوية أقل تشددا.
وتكمن المشكلة في أن استمرار كل طرف في انتظار انكسار الآخر قد يطيل أمد الحرب، حتى وإن أصبح الطرفان مقتنعين بصعوبة تحقيق نصر عسكري حاسم.
لا يستبعد تقدير الموقف أن تحاول إدارة ترمب الجمع بين أكثر من خيار، كأن تستمر في الحصار والعقوبات مع إطلاق حملة قصف جديدة، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات إضافية.
لكنه يحذر من أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، فتنسحب طهران من المفاوضات وتوسع هجماتها لتشمل دول الجوار التي توجد فيها منشآت ومصالح أمريكية.
وعندئذ، قد تتحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أشد اتساعا، بما تحمله من مخاطر على منشآت الطاقة والملاحة والتجارة والاقتصاد العالمي.
ولا يرى التقدير أن الخيارات العسكرية المطروحة قادرة، بصورة مضمونة، على إنهاء الحرب: فالقصف الموسع سبق اختبار منطقه دون تحقيق الحسم، والغزو البري المحدود لا يضمن إخضاع النظام، والغزو الشامل مستبعد، والاعتماد على المعارضة المسلحة محفوف بالشكوك.
ولهذا يمنح التفاوض، رغم صعوبته، موقع الخيار الأكثر جدوى.
غير أن التسوية لا تتحقق بمجرد استمرار المباحثات، وإنما عندما يصل الطرفان إلى قناعة متزامنة بأن استمرار الحرب لن يحقق مكاسب تتناسب مع تكلفتها، وأن الاتفاق الذي يتطلب تنازلات مؤلمة أفضل من مواجهة مفتوحة لا يستطيع أي منهما التحكم في نهايتها.
وتنتهي قراءة مركز الجزيرة للدراسات إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية لا تزال معلقة بين استمرار الاستنزاف وتجدد المواجهة والتسوية التفاوضية، دون مؤشرات كافية على اقتراب نصر حاسم لأي طرف.
والمفارقة التي يكشفها تقدير الموقف أن الحرب التي بدأت على افتراض انهيار سريع للنظام الإيراني، أصبحت حربا يتوقف إنهاؤها على استعداد واشنطن وطهران للاعتراف بحدود قوتهما.
فكلما طال انتظار لحظة الانتصار التي يتصورها كل طرف، ازدادت احتمالات استمرار الحرب، واتسعت الخسائر التي قد يتحملها الإقليم والعالم قبل الوصول إلى تسوية كان يمكن البحث عنها دون خوض هذه المواجهة الطويلة.
____________________
للاطلاع على تقدير الموقف كاملًا (اضغط هنا)
إقرأ المزيد


