حتى لا تضيع أندلس أخرى.. أتاتورك كما يراه الأتراك ولم يره الإسلاميون
الجزيرة.نت -

وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وخرجت الدولة العثمانية مهزومة. كانت سفن الحلفاء راسية في البوسفور ومدافعها مصوبة إلى القصر حين استقبل السلطان محمد السادس وحيد الدين، مصطفى كمال باشا في لقائهما الأخير. وضع السلطان يده على كتاب تاريخ، وقال: "باشا، لقد خدمتَ الدولة كثيرا، وقد تكون الخدمة التي ستؤديها الآن هي الأهم. باشا، تستطيع أن تنقذ الدولة". ثم أهداه ساعة حُفرت عليها حروف اسمه.

تمثل الإنقاذ في مهمة أمن وضبط، إذ كانت على ساحل البحر الأسود عصابات من روم البنطس تشتبك مع الأهالي المسلمين، والإنجليز يُلوحون باحتلال سامسون وطرابزون وفي أيديهم المادة السابعة من هدنة مودروس، وهي تبيح لهم احتلال أي نقطة يرون فيها خطرا على أمنهم. عُين الباشا مفتشا للجيش يضبط الأمن ويجمع السلاح ويحل مجالس المقاومة، حتى يحرِم المحتل من ذريعته. ثم أبحر في 16 مايو/أيار 1919 بعد يوم واحد من نزول اليونانيين في إزمير، وبلغ سامسون في الأناضول في 19 مايو/أيار، وعلى رأس مستقبليه كان رجل دين عرف بالحاج ملا.

قصص مقترحة list of 3 itemsend of list

بعد شهرين كتب المندوب السامي البريطاني كالثورب إلى وزير خارجيته جورج كرزون أن الرجل عُين "بحسن نية" مفتشا عسكريا، ثم جعل من نفسه منذ أن وطئت قدمه سامسون مركزا للمشاعر القومية المعادية للأجانب.

يربط الإسلاميون حول العالم شخصية مصطفى كمال بعام 1924، عام "الصدمة الكبيرة" بإلغاء الخلافة. ولكن قبلها بعام ونصف، كان الغازي يدخل بجيشه إزمير بعد تحريرها من الغزو اليوناني، ويبدأ مفاوضات لوزان. على وقع هذا الحدث، حيَّاه أمير الشعراء أحمد شوقي باللقب الذي منحه إياه المجلس بعد معركة سقاريا، فقال "تحية أيها الغازي وتهنئة"، وناداه "يا خالد الترك جدد خالد العرب"، ومدح بعثه للترك الغزاة من أنقاض تلك الدولة إذ يقول:

أتــــاهم منـك في لـــوزان داهية .. جاءت به الحرب من حياتها الرقب

من فل جيش ومن أنقاض مملكة .. ومن بقية قوم جئت بِالعجب

وأحق ما في أبيات شوقي بالوقوف عنده كلمة "بقية". فعلى هذا المعنى تشكل وطن القومية التركية بعد حروب البلقان، بقية متبقية. وبهذا الوصف، حدّد الصحفي والأديب إسماعيل حبيب سيفوك عام 1935 حقيقة تركيا الحديثة المتبقية من الإمبراطورية العثمانية، حيث أعاد جذورها إلى هزيمة العثمانيين في معركة موهاكس الثانية في نهاية القرن السابع عشر، قائلا: "منذ قرنين ونصف من أمام فيينا ونحن نُقتطع شيئا فشيئا. لقد أنقذنا آخر وطن بمن نجوا معنا".

إعلان

رأى الإسلاميون في مصطفى كمال الرجل الذي هدم الخلافة، وانتزع الإسلام بصورته من أرض الأناضول بنهج لائكي. ورآه الكماليون كذلك ثم جعلوا علمانيته سر نصره، فخفتت بين الصورتين صورة الغازي الذي خرج جنديا في جيش الخلافة وأسهم في حماية الأناضول وإطلاق شرارة المقاومة. ويحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم استعادة صورة الغازي في خطاباته، فيسمي مصطفى كمال أتاتورك: "القائد العام لحرب استقلالنا الغازي مصطفى كمال"، ويتحدث في مئوية معركة سقاريا عن "الأمة التركية التي أريد اقتلاعها من الأناضول اقتلاعا تاما"، وكيف صار الأناضول ملجأ الأتراك وحصنهم الأخير أمام الاستئصال.

مصطفى كمال أتاتورك (غيتي)
أرض الأناضول وقلق الاقتلاع

تعرض مصطفى كمال لزلزال كبير على إثر سقوط بلدته في حرب البلقان الأولى عام 1912، حيث كان في بُرقة يشارك مع الحامية العثمانية هناك في مواجهة الاحتلال الإيطالي. وهناك سمع أن سالونيك التي يقول عنها "أرض أبي"، قد سُلِّمت للعدو وفيها أمه وأخته وأقاربه جميعا، وأن جرسا عُلِّق على مئذنة جامع حورطه‌ جي سليمان، وأن رفات أبيه هناك داستها "أحذية اليونانيين القذرة". في تلك اللحظة، فقد مع منزله الشعور بوجود الوطن، وظهر التهديد الوجودي الذي شعر به.

مثلت سالونيك فاجعة جيل بأكمله، بل إن صداها يتردد إلى اليوم. خسرت الدولة في حروب البلقان 80% من أراضيها الأوروبية، إذ كان يسكنها وقتذاك أكثر من أربعة ملايين نسمة. اقتربت الهزيمة مئة ميل من العاصمة، ومن بين 2.3 مليون مسلم عاشوا في الأراضي الأوروبية المحتلة، غاب 62% بين لاجئ وقتيل. تضع التقديرات عدد القتلى فقط بين 632 ألفا ومليون ونصف في أقل من عام. شعر الأتراك بتهديد حقيقي، بإمكانية اقتلاعهم من أرض الأناضول ورومية بعد خسارتهم تراقيا (بلغاريا). بل إنهم شعروا بصدمة كبيرة تجاه ارتكاب إبادة ضخمة بحق المسلمين في ظل تواطؤ أوروبي، ما ضاعف الشعور بالقلق تجاه بقائهم.

بدأ القلق مع الهزيمة أمام روسيا في حرب 1877–1878، وتعمّق مع كل أرض ضاعت، حتى بلغ ذروته في البلقان. وفي حي للاجئين بأدرنة، كتب المؤرخ شوكت ثريا آيدمير عن طفولته: "كان حيّنا حيَّ لاجئين، سكنته بقايا موجات الهاربين التي كانت تصل بين حين وآخر من القرم ودوبروجة وضفاف الدانوب فرارا من الحروب والمذابح. كانت الحدود تنكمش فيتراجعون معها خطوة بعد خطوة حتى انتهوا إلى هنا، والجيوش تنتقل من هزيمة إلى هزيمة منذ مئة وخمسين سنة، أو مئتين".

"حضرت ذكرى الأندلس حضورا يستغني عن التشبيه، إذ فعل مسلمو البلقان كل شيء ليهربوا من التنصير القسري"

في هذه الأجواء حضرت ذكرى الأندلس حضورا يستغني عن التشبيه، إذ فعل مسلمو البلقان كل شيء ليهربوا من التنصير القسري. ومن وقع منهم خلف الخطوط البلغارية، خُيِّر أحيانا بين التنصير والموت. وخُصَّ البوماك، وهم مسلمون يتكلمون لغة سلافية في جبال رودوب بين بلغاريا واليونان، بحملات التنصير. طُرد هؤلاء من أرض نشأتهم ومن حيواتهم وحكم عليهم لأنهم مسلمون بفقدان الحق المشروع في البقاء في هذه الأرض، وذلك تحت قهر التطهير العرقي والديني.

إعلان

يشير مفكرون إلى أن التركي في تلك اللحظة كان يرى في عصور الأنوار الأوروبية، وقيم الحضارة الغربية "محض هراء"، إذ رأى الأتراك القوى الكبرى تتفرج على المجازر والإبادة في البلقان وتقصر نظرها على حسابات القوة، فتبنَّى بعضهم الهمجية ذاتها التي وصفوا بها أعداءهم. وكتب ضياء جوك ألب في "أغنية الحرب" يستدعي من يعتبره الأتراك جدَّهم، وهو القائد العسكري أتيلا الذي هدد الإمبراطورية الرومانية:

أنت ابن أتيلا، لا تنسَ!

لا تقل حضارة، فهو أصم لا يسمع

ظل الموضع الذي يتوقف عنده النزيف مجهولا. فتأرجح القوميون بين الخوف من أن تصير تركيا "ندلسا ثانية"، وحلم توحيد بلاد توران (آسيا الصغرى والوسطى) باعتبارها كلها أرض الأتراك كما يقول الشاعر التركي القومي ضياء جوك ألب في شعره: "الوطن ليس تركيا ولا تركستان .. الوطن بلد عظيم أبدي، إنه توران". ولكن صدمة الهزائم غلبت الحلم، فانكفأ المثقفون القوميون والعسكريون في مقدمتهم إلى تحصين الأناضول كملجأ أخير للأتراك، وكتب ضياء جوك ألب في قصيدة "الراعي والبلبل":

ابكِ يا راعي، ابكِ، لم يبق لك سهل

اذرف الدمع يا بلبل، لم يبقَ لك عش

قال الراعي: حتى لو ذهبت كل البلدان

لن تنفصل عني بلاد الأناضول

وفي عام 1913، صاغ الكاتب التركي ناجي إسماعيل بليستر (هابيل آدم) هذا القلق عنوانا لكتاب هو "هل ستبقى تركيا في الأناضول؟". وكتب خصمه الفكري الفيلسوف الصوفي أحمد حلمي الفيلبي، في نفس الوقت: "القرم ورومانيا والجزائر وتونس ومصر وصربيا وبلغاريا والقوقاز ذهبت واحدة بعد الأخرى… أيها التركي! الأناضول قلب وطننا وروحه".

من هذا الدرس القاسي، فهم كثير من الترك أن تعدد الأعراق والإثنيات في الوطن الواحد هو ذريعة وركيزة للمحتل الأوروبي، فذهبوا نحو فرض التجانس بالقوة والعنف، وتحولت الأناضول إلى "روح الوطن التي يجب أن تصطبغ بلون واحد". ومن هنا جاء التبادل السكاني مع اليونان، والسعي إلى تحويل تركيا إلى بلد إسلامي خالص.

وترددت أصداء قلق البقاء في تركيا في انتشار الأعلام في كل شبر فيها، حيث تحوّل العلم إلى رمز ليس على وجود الشعب التركي فحسب، وإنما على وجوده "هنا والآن" على هذه الأرض، على بقائه وعدم انتزاعه منها.

انتصار غاليبولي وبعث الأمل

تسلم الفوج 77 رايته في جتالجه بحضور أنور باشا، ناظر الحربية، وجمال باشا، ناظر البحرية، في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 1914. عُبِّئ الفوج في حلب، وتشكل من عرب يجهلون التركية العثمانية، ولذلك تُرجِم الحفل إلى العربية. كان أنور يرسل التعزيزات من الأناضول والولايات العربية إلى شبه جزيرة غاليبولي التي تشرف على مضيق الدردنيل، حيث حاول الأسطول الإنجليزي النزول على الأراضي التركية. وفي 25 فبراير/شباط 1915، تولى مصطفى كمال إمرة الفوج بوصفه قائد الفرقة التاسعة عشرة في شبه جزيرة غاليبولي.

يوم نزل الحلفاء في 25 أبريل/نيسان، اندفع مصطفى كمال إلى المعركة عصرا، ثم أمر فرقته بمواصلة الهجوم ليلا بالحراب ضد الإنزال البري الإنجليزي. ولكن في ذلك الظلام الدامس، اضطرب جنود الفوج وصاروا يطلقون النار عشوائيا على مواقع رفاقهم. وكتب مصطفى كمال في تقريره عن المعركة: "لهذا الفوج حركات خاطئة كثيرة".

وبعد تسعة أيام فجر 4 مايو/أيار، حاولت قوة أسترالية أن تَنزل على الشاطئ في موقع تحت حراسة الفوج، وتمكن الفوج من الصمود وأجبر الأستراليين على الانسحاب. ولكن لما أخذ الأستراليون ينقلون جرحاهم إلى القوارب، كفّ جنود الفوج عن إطلاق النار حتى انتهى الأستراليون من ذلك، ثم استأنفوا هجومهم المضاد. فسُرّ مصطفى كمال بهم، واستعاد الفوج سمعته وثقة قائده به.

معركة جناق قلعة (غاليبولي) حدثت خلال الحرب العالمية الأولى عام 1915، وفيها انتصر العثمانيون على الحلفاء (غيتي)

رغم ذلك غاب الحضور العربي والإسلامي عن الرواية الرسمية، فصارت المعركة تركية خالصة، رغم أن هيئة أركان ألمانية أدارت المعركة التي خاضها جيش عثماني متعدد الإثنيات. ولكن شاعر الأمة التركية محمد عاكف أرصوي رأى في انتصار غاليبولي العثماني كسرا لطوق ضُرب حول الإسلام، وتجاوز بجنود تلك المعركة صورة قوم يدافعون عن أرضهم، فجعل من المعركة امتدادا لغزوة بدر الكبرى:

ما أعظمك! دمك ينقذ التوحيد

ما كان بهذا المجد إلا أسود بدر

أنت الذي، والخسرانُ يطوّقُ الإسلامَ ويخنقُه

كسرتَ ذلك الطوقَ الحديديَ على صدرك وحطمتَه

إطلاق شرارة المقاومة

بعد نهاية الحرب، بعث السلطانُ مصطفى كمال باشا إلى مدينة سامسون المطلّة على البحر الأسود في شمال الأناضول لوأد المقاومة هناك حتى لا تتخذها بريطانيا ذريعة لاحتلال المدينة. لم ينجز مصطفى كمال المهمة التي أرسل من أجلها، بل أخذ يبرق إلى الوحدات العسكرية المتبقية واحدة واحدة، يطلب منهم تقارير عن أحوالهم، ويوطد علاقته الشخصية بهم.

إعلان

كما أبرق مصطفى كمال إلى الولايات وأعيانها أن يحتجوا على احتلال اليونانيين لإزمير، وبذلك عبّأ الشعب في المدن كما عبَّأ الجيش، ثم تحرك بعدها إلى هافزا ورفاقه ينشدون في الطريق: "الضباب يغطي رؤوس الجبال"، وهو مارش عسكري يحث على الصمود في الأوقات العصيبة.

بلغ مصطفى كمال مقاطعة هافزا في جنوب ولاية سامسون في 25 مايو/أيار. كان الأئمة والفقهاء والمتصوفة أول مستقبليه في كل محطة: الحاج ملا في سامسون، والحاج مصطفى أفندي من العلماء في هافزا. أما في أماسيا، في ولاية جوروم جنوب سامسون، فخرج إليه المفتي الحاج توفيق أفندي والواعظ عبد الرحمن كامل أفندي، وقالوا له: "باشا، أماسيا تحت أمرك".

كان مصطفى كمال قد وصل أماسيا في 13 يونيو/حزيران، ولحق به رؤوف أورباي وعلي فؤاد باشا في 19 يونيو/حزيران، فجلس الثلاثة يتدارسون الموقف العسكري. وفي 21 يونيو/حزيران أصدر تعميمه الذي عُرِف بتعميم أماسيا، حيث جاء فيه: "إن وحدة الوطن واستقلال الأمة في خطر، والحكومة المركزية عاجزة عن القيام بما تحملته من مسؤولية، لأنها محاصرة تحت نفوذ دول الحلفاء ورقابتهم، وهذا يظهر أمتنا كأنها غير موجودة. استقلال الأمة سينقذه عزم الأمة وقرارها".

خلال اجتماع سري للجنة الاتحاد والترقي بحضور مصطفى كمال أتاتورك الذي كان رئيسا لأركان الجيش آنذاك (غيتي)

ودعا مصطفى كمال في إعلانه إلى تشكيل هيئة تمثل الأمة، وطلب من الولايات أن تنتخب مندوبيها إلى مؤتمر يعقد في أرضروم. وبهذا التعميم انتقلت الشرعية من إسطنبول إلى المقاومة، وهو أول وثيقة تُظهِر مصطفى كمال كسلطة مستقلة عن إسطنبول.

استدعت إسطنبول مصطفى كمال فأبى العودة، لذلك قرر السلطان عزله ولكن مصطفى كمال استقال من الجيش في 8 يوليو/تموز، ومضى في المقاومة متحديا حكومته علنا. وفي 23 يوليو/تموز في ذكرى ثورة تركيا الفتاة عام 1908، انعقد في ولاية أرضروم شمال شرق الأناضول أول مؤتمر إقليمي للمقاومة، فاختار مصطفى كمال رئيسا، وأعلن المؤتمر أن القوى الوطنية درع للخلافة والسلطنة ولوحدة أراضي الدولة، وأنهم سيقاتلون أي تنازل عن الأرض للأرمن واليونانيين.

"خرج مصطفى كمال من سيواس رئيسا لهيئة تمثيلية كانت في حقيقتها حكومة موازية في الأناضول"

ثم جمع مصطفى كمال في ولاية سيواس، شمال شرق الأناضول، بين 4 و11 سبتمبر/أيلول مؤتمرا للبلاد كلها، بينما كانت الحكومة تطارده لتقبض عليه. خرج مصطفى كمال من سيواس رئيسا لهيئة تمثيلية كانت في حقيقتها حكومة موازية في الأناضول، بعد أن تُركت إسطنبول محاصرة. وقرر المؤتمر أن الأراضي التي لم تكن محتلة قبل نهاية الحرب يجب أن تعود إلى المسلمين، وأنهم سيدافعون عنها بالسلاح.

الغازي مصطفى كمال

تكلم مؤتمر أرضروم باسم "المسلمين الذين يشكلون ملة واحدة من الترك والكرد"، الذين "مزجوا دماءهم قرونًا ويشكلون أمة نبي واحد". وكتب مصطفى كمال في يناير/كانون الثاني 1920 أن تكاتف "إخوة الدين، من ترك وشركس وكرد" وهم المحاصرون بالأعداء "فرض عين" لإنقاذ الشرف والحياة.

في أثناء ذلك، أصدر البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) الميثاق الملِّي الذي جعل الأجزاء التي تسكنها "أغلبية عثمانية مسلمة متحدة دينًا وعرقًا وأصلًا" كُلا يستعصي على التجزئة، وترك للولايات العربية أن يقرر أهلها مصيرهم باستفتاء.

وقد تخلّت قيادة المقاومة عن هذه الولايات بلا عناء، إذ لم تعدّها جزءًا من الوطن. فقد خدم الضباط الذين يشكّلون حركة المقاومة في الولايات العربية أثناء الحرب، ورأوا في الجنود العرب جنودًا من الدرجة الثانية، والأهالي العرب خصومًا، وخرجوا منها بخيبة لم تُبق عندهم حرصًا على الاحتفاظ بها. وبذلك تشكلت وطنية تركية توحّد المسلمين، ولكن ضمن حدود الأناضول فحسب.

في مارس/آذار 1920، نزل الحلفاء إلى إسطنبول، وأصبحت المدينة خاضعة رسميا للاحتلال، ما قاد إلى تشكيل حكومة وطنية في أنقرة في أبريل/نيسان التالي تولى رئاستها مصطفى كمال، وبذلك اكتسبت المقاومة شرعية الأمر الواقع في الأناضول بعد أن غابت الشرعية الرسمية لإسطنبول. وبحلول يونيو/حزيران 1920 انطلق هجوم يوناني كبير ابتلع جزءا كبيرا من غرب الأناضول وشرق تراقيا (بلغاريا). سقطت مدن بورصة وأدرنة، وهما العاصمتان السابقتان للعثمانيين، وتضمان أضرحة بعض قادتهم العظام.

صمد الجيش في منطقة إينونو جنوب شرق بورصة، في يناير/كانون الثاني 1921. ثم في مارس/آذار، جاء اجتياح يوناني شامل للمواقع التركية. وفي يوليو/تموز أمر مصطفى كمال قوات الجيش التركي بالانسحاب إلى سقاريا شمال غرب أنقرة للدفاع عنها. وبحلول 4 أغسطس/آب طلب مصطفى كمال من الجمعية الوطنية أن يتولى هو رسميا قيادة الجيش، فاعترض نواب كثيرون خشية أن يصير ديكتاتورا، ولكنه أقر قانونا بذلك، وخرج إلى الجبهة التي كانت بلا تحصينات، فأمر جيوشه أن تثبت حيث هي دون أن تتقيد بخط دفاعي بعينه، ودفع إلى القتال كل ما بقي من جنود الاحتياط.

إعلان

في غضون ذلك، اتجهت القوات اليونانية صوب أنقرة لحسم السيطرة على الأناضول، ولكن الجنود استبسلوا في سقاريا على مدى ثلاثة أسابيع دامية، فقد الجيش التركي خلالها 80% من ضباطه حتى ارتد اليونانيون في سبتمبر/أيلول إلى غرب نهر سقاريا.

أبو الأتراك

على خلفية الصمود في سقاريا، منحت الجمعية الوطنية مصطفى كمال في 19 سبتمبر/أيلول 1921 رتبة المشير ولقب "الغازي" الذي كان خاصا بالسلاطين العثمانيين، وصفّق له النواب وقوفًا، وقد كانوا قبل أسابيع يترددون في منحه القيادة العامة.

لم يكن احتفاء مصطفى كمال بلقب الغازي تقية سياسية يمارسها زعيم علماني. فرغم إزالته للرموز الدينية، ظل مصطفى كمال يعتز بلقب الغازي، وجعله جزءا من اسمه الرسمي. وفي عام 1922، صار اسمه مألوفًا في العالم الإسلامي كله، وطُبعت بطاقة بريدية تجمع صورته بصورتي أحمد الشريف السنوسي وصلاح الدين الأيوبي.

تمثال شمعي لمصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة معروض في متحف مدام توسو في إسطنبول (غيتي)

بعد معركة سقاريا باثنتي عشرة سنة، كتبت الجريدة الناطقة باسم الحكومة التركية في العيد العاشر للجمهورية: "تقول الأساطير إن حواء خرجت من ضلعين في جنب آدم الأيسر، ومن ضلعي مصطفى كمال اللذين انكسرا حين سقط عن حصانه في معركة سقاريا، خرج الوطن الأم حيًا مستقلًا".

"صار الغازي أصلا تتفرع منه الأمة والوطن، وتحول إلى رمز للبقاء على أرض الأناضول"

قبلها خاطب الأب الروحي للقومية التركية ضياء جوك ألب مصطفى كمال كوليٍّ للأمة ووصيٍّ عليها. وفي قصائد "الاستدعاء" عام 1922 يقول: "إن لم تأخذ أنت بيد هذه الأمة، فقد تضل الطريقَ بجهلها". وفي كتابه "الروح التركية"، صاغ المفكر اليهودي العثماني موئيز كوهين، الذي غيّر اسمه إلى مؤنس تكين ألب، نظرية للقومية التركية تقول إن روح الأسلاف تعيش في "صوت الدم" وتقتضي "زعيما قوميا"، لأن "الروح التركية لا تزدهر إلا إذا كان لها رئيس يجسدها". وعدَّ ذلك من خصائص "الشعب السيد"، ودعا إلى شمولية قومية تحل محل الشمولية الدينية.

وهكذا صار الغازي ابن الحصار أصلا تتفرع منه الأمة والوطن، وتحوَّل إلى رمز للبقاء على أرض الأناضول، وبات يمثّل مضادًا لقلق الاقتلاع، ويمنح شعورًا بالثقة أمام هذا القلق.

بين إسطنبول وأنقرة

في بداية الحرب العالمية الأولى، أشار الفيلد مارشال الألماني فون دير غولتس، الذي كان مستشارا عسكريا للجيش العثماني، على الأتراك بنقل مركز ثقل الدولة جنوبا، ونقل العاصمة إلى قونية أو أبعد منها، وذلك بسبب الهشاشة الدفاعية لإسطنبول. وفي أبريل/نيسان 1915، كان الروس يتقدمون من الشرق، والحلفاء يقومون بالإنزال البري في غاليبولي، مما أصاب الحكومة بالذعر، فأخذت تستعد للتخلي عن إسطنبول والانتقال إلى قونية.

صمدت غاليبولي بمقاومة شرسة. وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 1919، وصل مصطفى كمال ورفاقه إلى أنقرة في صباح قارس البرد، واستقبلتهم الحشود على تلال ديكمن ومعهم آلاف السكان المسلحين ودراويش التكايا، والآيات تُتلى في الطريق وتُزيَّن الشوارع، ثم توقفوا في جامع الحاج بيرام ولي لحضور حفل ديني.

إسطنبول مطلع القرن العشرين (شترستوك)

وعندما وقعت الصدمة الكبرى باحتلال إسطنبول، أبرق إلى العالم الإسلامي أجمع أنه في الساعة الخامسة من فجر السادس عشر من مارس/آذار 1920 دخل الإنجليز إسطنبول رسميا، واقتحموا مخفرا في شهزاده باشي وأطلقوا النار على جنود نائمين. ووضعوا أيديهم على نظارة الحربية والشرطة والبريد، واعتقلوا القادة القوميين، وأجبروا حكومة صالح باشا على إصدار بيان يُدين مصطفى كمال والحركة الوطنية.

وبعد أقل من شهر، حلّ السلطان مجلس المبعوثان الذي أصدر الميثاق الملّي، وبالتالي انتقلت الشرعية إلى بلدة أنقرة الأناضولية في وسط هضبة الأناضول الأكثر حصانة لتمد المقاومة بأسباب الشرعية والرمزية ببقاء رايتهم مرفوعة. واختير يوم الجمعة 23 أبريل/نيسان 1920 لافتتاح المجلس الوطني الكبير ، فصلى النواب في الجامع، ثم ساروا إلى مبنى فيه نسخة من راية النبي وشعرة من لحيته. خُتم القرآن قبل أن يدخلوا، واختلط التكبير والصيحات، وعبّر المشهد عن الحس الجامع الراغب في المقاومة وطرد المحتل.

بعد أسبوعين أصدر المجلس بيانين، جاء في أولهما، وقد أعدته لجنة الشريعة، "إن كان قد بقي لأكثر من 300 مليون مسلم في العالم ملجأ، فهو هنا". وفي الثاني الذي كتبه خطيب الجمهورية حمد الله صبحي، ووقعه مصطفى كمال ورد: "إن آخر جنود الدين المبين يخاطبونكم من داخل قلعة محاصرة… بعد سقوط دمشق وقرطبة والقاهرة وبغداد، وقع آخر مركز لخلافة الإسلام تحت ظلال سلاح العدو". ووصف البيان الأناضول بأنها وطن الإسلام منذ عشرة قرون منذ السلاجقة، ووصف المقاومين في الأناضول بأنهم "إخوانكم الذين يخوضون جهاد الخلاص الأخير في آخر وطن للإسلام".

تحول الملجأ إلى عاصمة قبل أيام من إعلان الجمهورية في خريف عام 1923، وكان إحلال بلدة ريفية أناضولية محل إسطنبول التي كانت عاصمة للإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية اللتين حكمتا الأناضول لأكثر من 1500 عام، أمرا يستعصي على التصور.

ففي اتفاقية لوزان، جُعلت المضائق منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف لجنة دولية، فازدادت إسطنبول انكشافا، وقوي المبرر لنقل العاصمة إلى موقع منيع بطبيعته في وسط الأناضول مثل أنقرة، وقد تهيّب قادة تركيا بقاء عاصمتهم على مضيق خرج أمره من أيديهم.

وفي مداولات المجلس الوطني، شبَّه النائب بسيم أطالاي إسطنبول بعاصمة مستعمرة "مثل الكونغو، مثل كَلكَتا"، وعدَّ الانتقال إلى أنقرة عودةً إلى "حضن الأمة". وقد حفّز هذا القرار من جهة أخرى، المخاوف الداخلية لدى السلطة الناشئة. فإسطنبول كانت معقل المعارضة، يجتمع فيها الليبراليون الناقدون لتركز السلطة، والمحافظون الرافضون للجمهورية.

وتحت راية التجانس وصبغ الأناضول بلون واحد، حُصنت الأناضول كأرض للمسلمين بنقل نحو 1.2 مليون مسيحي إلى اليونان، مقابل استقبال نحو 400 ألف مسلم، كانوا يعيشون في اليونان، إلى تركيا. صار سكان الأناضول مسلمين بأغلبية ساحقة، وإن ظل تتريكهم ناقصا، وهو ما سيفتتح فصلا عاصفا جديدا في تاريخ الأمة التركية .

"صار سكان الأناضول مسلمين بأغلبية ساحقة، وإن ظل تتريكهم ناقصا"

صارت أنقرة تمثل الانبعاث التركي، وفي نشيدها المدرسي سُميت بـ"أول مدينة صُنعت من العدم". ونظر إليها كواحة للحداثة وسط السهوب، في مقابل إسطنبول "الكوزموبوليتانية" المتهالكة التي عبّرت عن التعدد الذي نظر إليه الجمهوريون الجدد كسبب في الهزيمة، كما عبرت إسطنبول عن "الفكرة العثمانية التي رضخت للأعداء". وحين أقيم أول تمثال لمصطفى كمال عام 1926 عند سراي بورنو في إسطنبول نفسها، وقف ينظر نحو الأناضول موليًا ظهره للقصر.

كانت جانقايا هي المركز الإداري للمدينة العاصمة الجديدة. ولكنها تحولت إلى رمز للأتراك دون المسلمين. ففي الثلاثينيات، كتب الشاعر كمال الدين كامو، الصحفي في وكالة الأناضول، وهي الوكالة التي تأسست بتوجيه ومبادرة من مصطفى كمال نفسه:

فلتكن الكعبة للعرب

وجانقايا تكفينا

أنقرة (الجزيرة)

وبين ذلك كتب شوقي بعد إعلان إلغاء الخلافة على يدي مصطفى كمال أتاتورك وأعوانه قصيدته "عادت أغاني العرس رَجْعَ نواح"، يبكي فيها الخلافة. ولكن شوقي ظل ينفى عن أتاتورك تهمة الإلحاد، ويحسن الظن فيه قائلا: "أدوا إلى الغازي النصيحة ينتصح". ولكن صورة مصطفى كمال كهادم الخلافة هي التي ستذيع في العالم الإسلامي غير الناطق بالتركية، بينما تخفت صورته غازيا ومحافظا على البقاء التركي والمسلم على أرض الأناضول، خصوصًا مع سياساته اللائكية تجاه المؤسسة الدينية والإسلام في عموم البلاد.

اعتبر أتاتورك تلك السياسات ضرورة للتحديث والتطوير وتغيير نمط التدين الذي ارتبط بالدولة العثمانية. كما أن الممارسة العنيفة لتتريك السكان في الأناضول على اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم أدت إلى تمسك بعض هؤلاء السكان بالدين كأداة لمواجهة التتريك القسري. وهكذا صنعت تلك الصورة المزدوجة لأتاتورك: الغازي الذي حمى مسلمي الأناضول من الاستئصال، والعلماني الذي محا الدين من حياتهم.

أردوغان واستدعاء صورة الغازي

في صباح 30 أغسطس/آب 2026، وفي الذكرى الرابعة بعد المئة لعيد النصر، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عند ضريح أتاتورك في أنقرة ومعه رؤساء أحزاب الحكم والمعارضة، وكتب في الدفتر الخاص "عزيزي أتاتورك… كما فعلنا قبل 104 أعوام، لن نسمح اليوم بالخطط الخبيثة التي تستهدف بلدنا وجغرافيتنا، وسنذود بعزم عن استقلال أمتنا ومستقبلها، لتطمئن روحك".

يستعيد أردوغان ابن الحركة الإسلامية بعضَ أتاتورك ويترك بعضه. يستعيد صورة المقاوم في وجه التدخل الخارجي. وفي الذكرى الثمانين لوفاته عام 2018 وصفه بأنه "القائد العام لحرب خلاصنا، ومؤسس جمهوريتنا، وأول رئيس لها، الغازي مصطفى كمال أتاتورك".

"يستعيد أردوغان ابن الحركة الإسلامية بعض أتاتورك ويترك بعضه"

وقد هاجم في الكلمة نفسها "استبداد الحزب الواحد" الذي امتد منذ تأسيس حزب الشعب الجمهوري في أواخر حياة الغازي إلى عام 1950، وقال إن قيم الأمة وإيمانها وثقافتها وميراث أجدادها بُددت في ظل هذا الاستبداد بلا رحمة. وختم كلمته قائلا: "عقلية الحزب الواحد والعقل الانقلابي وجهان لعملة واحدة". وفي كلمة في سقاريا، قال أردوغان إن "حماسة النهضة الكبرى في سنوات الجمهورية الأولى تركت مكانها بعد ذلك لعقلية مقلِّدة مستسلمة".

وفي كلمة ألقاها قبل عامين يقول: "الذين يريدون أن يجعلوا أتاتورك صنما، والذين يتجاهلونه تماما، لن يزعزعوا مكانة الغازي في قلب أمتنا". يفصل أردوغان بذلك بين الغازي كمال وما جاء بعده، فيأخذ القائد المقاوم ويترك مرحلة التجانس القسري والعلمنة والحزب الواحد.

وبهذا الاستدعاء لمصطفى كمال الغازي فقط، يخاطب أردوغان وترا في الوجدان التركي أهم من الخلاف على اللائكية، وهو وتر البقاء، والصمود على الأرض. فمعاهدة سيفر التي أقامت تركيا صغيرة منقوصة السيادة على بقايا الإمبراطورية، صارت رمزا لقلق عسكري يُعتبَر اليوم محددًا للسياسة الخارجية التركية.

رسَّخت سيفر القناعة بأن الغرب عدو أزلي ينقض حتى المبادئ التي وضعها خاصة وأن أحفاد اللاجئين الذين فروا من البلقان والقوقاز إلى تركيا شكّلوا نحو خُمس مسلمي الجمهورية التركية عام 1923، ولذلك فإن ذاكرة الاقتلاع هي تجربة حية بالنسبة إليهم، قبل أن تكون درسا في كتب التاريخ.

هكذا يتكلم أردوغان عن أفق حضارة "ظل محاصرا قرونا"، وعن "خطط خبيثة" تستهدف البلاد اليوم كما استهدفتها قبل قرن، والغازي ابن هذا الحصار الحضاري يحضر في تلك اللغة، وحوله يلتقي من يفترقون حول المصلح اللائكي، من القوميين واليساريين وحتى الإسلاميين، يجمهم خطاب واحد.

يسبب مصطفى كمال أتاتورك اللائكي الانقسام بين الأتراك، بين من يرى فيه صانع الحداثة ومن يرى فيه هادم الدين. أما أتاتورك الغازي فيجمعهم على ما لا يختلفون فيه: أن الأناضول آخر وطن، وأن من حماه "غاز"، وكأن أردوغان هو الوارث الشرعي لهذا الغازي، وهو يقوم بنفس مهمته المقدسة اليوم.



إقرأ المزيد