الجزيرة.نت - 10/18/2026 12:33:45 PM - GMT (+3 )
في أحياء نيويورك التي يعيش فيها اليهود الحسيديم وفق تقاليد دينية صارمة، بعيدا عن كثير من مظاهر الحياة الحديثة، تتشكل ظاهرة غير مألوفة تجمع بين التقاليد اليهودية والمواد المهلوسة.
ففي جلسات مغلقة، تتردد ألحان الحسيديم والصلوات بالعبرية واليديشية، بينما يخوض بعض المشاركين تجارب باستخدام مواد مثل الأياهواسكا والفطر المهلوس و"إل إس دي" بحثا عن ما يسمونه "اتصال روحي أعمق بالرب" أو عن إجابات لأسئلة تتعلق بالنفس والإيمان والمعنى.
وما يبدو تناقضا بين التدين المتشدد وتعاطي المخدرات، يراه بعض المنخرطين في هذه الدوائر امتدادا للروحانية اليهودية، ومحاولة لإعادة اكتشافها خارج الأطر التقليدية. لكن هذه الظاهرة تثير أسئلة شائكة: هل نحن أمام تيار ديني جديد، أم تجربة محدودة تحاول التوفيق بين الإيمان والتأثيرات النفسية للمواد المهلوسة؟
هذا هو ما حاول تحقيق نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الإجابة عنه.
وقد اختار معد التحقيق إيتامار هاندلمان سميث عنوان "العالم السري لليهود الحسيديم الذين يتعاطون المخدرات المهلوسة للتقرب من الرب" لإلقاء الضوء على هذه المسالة.
ويستند التحقيق إلى تجربة الصحفية والباحثة ماديسون مارغولين، التي اقتربت من هذه الأوساط خلال دراستها الصحفية في جامعة كولومبيا، ومقابلات مع مشاركين، بينها شهادة شخص من هذه الطائفة يقيم شمال لندن، فضلا عن دراسة بحثية أولية تناولت استخدام الأياهواسكا داخل هذا المجتمع اليهودي.
وتعرف موسوعة ويكيبيديا الأياهواسكا بأنه "مشروب مهلوس وذو تأثير نفسي، وقادر على إحداث تغيرات في الوعي لمدة 10 ساعات تقريبا، ويستخدم على نطاق واسع في أنواع مختلفة من الطقوس الدينية الهندية لفتح العقل وخلق رؤى باطنية".
ولا يقدم التحقيق أرقاماً نهائية عن حجم الظاهرة، بل يرسم صورة لعالم غير ظاهر على نطاق واسع، تتقاطع فيه التجارب الشخصية مع أسئلة الهوية الدينية والبحث عن الشفاء الروحي.
عالم خلف الملابس السوداءبدأت القصة قبل أكثر من عقد، حين كانت مارغولين، التي نشأت في كاليفورنيا وسط أجواء الهيبيز والتجارب الروحية الشرقية، تحاول إعداد تقرير عن المجتمع يهود الحسيديم بحي وليامزبرغ في بروكلين.
إعلان
وهناك، التقت شابا يعمل في مطعم يقدم الطعام الحلال وفق الشريعة اليهودية، ثم اكتشفت أنه يشارك أصدقاءه في حفلات موسيقية خارج المدينة، يتعاطون خلالها مواد مهلوسة مختلفة.
وكان الاكتشاف مفاجئا بالنسبة لها، رغم نشأتها في بيئة تألف ثقافة المخدرات، وتقول مستذكرة اللقاء "هذا الشاب القادم من وليامزبرغ، الذي لغته الأم هي اليديشية، يخبرني بأنه يتعاطى مخدرات أكثر من أي شخص قابلته في حياتي".
وتضيف في إشارة إلى خلفيتها العائلية المرتبطة بثقافة الهيبيز "لقد نشأت في أكثر البيئات تشبعا بالمخدرات التي يمكن تخيلها" لكنها تلفت إلى أنها وجدت نفسها أمام شاب من الحسيديم تجاوزت تجربته، بحسب وصفها، ما عرفته في الأوساط التي نشأت فيها.
ومن هنا بدأ سؤالها البحثي: كيف يمكن لشخص ينتمي إلى بيئة دينية شديدة المحافظة أن يدمج المخدرات في تجربته الروحية؟ وهل تتغير دلالة هذه المواد حين توضع داخل إطار من الصلاة والطقوس والتقاليد؟
قاد البحث مارغولين إلى جلسات يستخدم فيها المشاركون الأياهواسكا، وهو مشروب مهلوس ارتبط تقليديا بطقوس روحية لدى شعوب من منطقة الأمازون، لكن ما لفت انتباهها لم يكن المادة المستخدمة وحدها، بل البيئة التي أُعيد تشكيل التجربة داخلها.
فبدلا من الاعتماد حصرا على الموسيقى والطقوس المستوحاة من تقاليد السكان الأصليين، كانت بعض الجلسات تترافق مع ألحان للحسيديم وصلوات يهودية، وتصف مارغولين هذا الاكتشاف بقولها "لم أختبر الموسيقى اليهودية أو الصلاة اليهودية بهذه الطريقة من قبل".
وفي هذه اللقاءات، لا تظهر الأياهواسكا مجرد مادة يستخدمها المشاركون من أجل تجربة نفسية استثنائية، بل أصبحت جزءا من محاولة لإضفاء معنى ديني على التجربة، وربطها بمفاهيم يهودية مثل "ديفيكوت" أي التعلق بالرب والتقرب الروحي منه.
وتذهب مارغولين إلى أن بعض هذه الممارسات شهدت عملية تكييف ثقافي، تصفها بمصطلح "تهويد الأياهواسكا" بحيث تتخذ الطقوس شكلا أقرب إلى الحساسية الدينية لطائفة الحسيديم، مع الاحتفاظ بعناصر من الممارسات الروحية المستوحاة من ثقافات أخرى.
رؤى دينيةيحاول بحث أكاديمي أولي، أعده فريق يقوده عالم النفس جوناثان ديفيد المرتبط بجامعة حيفا ومركز الدراسات النفسية للمواد المهلوسة بجامعة إكستر، تقديم صورة أكثر تنظيما لهذه الظاهرة.
لقد رصد الباحثون 4 جلسات على الأقل، ثلاثا في الولايات المتحدة وواحدة في إسرائيل، تضمنت مشاركة يهود حريديم، ولاحظوا حضور عناصر من التقاليد اليهودية، مثل التراتيل والصلوات وإضاءة شموع عيد الحانوكا والنفخ في الشوفار، إلى جانب عناصر مستوحاة من الطقوس الشامانية.
وشملت الدراسة مقابلات مع 23 مشاركا، تحدث معظمهم عن تجارب وصفوها بأنها عميقة أو ذات مضمون صوفي وديني، وقال بعضهم إنهم شاهدوا في تجاربهم رؤى مرتبطة بالهيكل اليهودي أو شخصيات من الكتاب المقدس وحاخامات قد رحلوا عن الدنيا، بينما تحدث آخرون عن الشعور بحضور إلهي أو عن رؤى تتصل بالخلاص والمسيح المنتظر.
لا تبدو الأياهواسكا مجرد مادة يستخدمها المشاركون من أجل تجربة نفسية استثنائية، بل أصبحت جزءا من محاولة لإضفاء معنى ديني على التجربة، وربطها بمفاهيم يهودية مثل "ديفيكوت" أي التعلق بالرب والتقرب الروحي منه
لكن هذه الشهادات تظل وصفا ذاتيا لتجارب المشاركين، ولا تثبت أن المواد المهلوسة تتيح اتصالا فعليا بالرب أو تكشف حقائق غيبية، كما أن الدراسة لا تقدم تقديرا موثوقا لعدد الأشخاص الذين يمارسون هذه الطقوس.
إعلان
ويقول ديفيد إن ثمة ادعاءات بأن هذه الظاهرة واسعة الانتشار، لكن التحقق من ذلك صعب، على حد قوله.
والتقديرات غير المؤكدة المتداولة تضع عدد الممارسين لهذه الطقوس بين مئات وآلاف الأشخاص في إسرائيل، وآلاف أو عشرات الآلاف في الولايات المتحدة، من دون وجود بيانات تسمح بالجزم بهذه الأعداد.
تمرد على التشددوترى مارغولين أن هذه الظاهرة تتصل بطبيعة طائفة الحسيديم نفسها، التي تعتبرها حركة ذات جذور احتجاجية وروحية، رغم الصورة المحافظة التي تقدمها للمجتمع الخارجي. وتقول "الحسيديم ثقافة مضادة" مشيرة إلى أن بعض مجتمعاتها تمتلك أنظمة تعليم وخدمات وشبكات اجتماعية خاصة بها، وتعيش بدرجة من الانفصال عن الثقافة السائدة.
لكنها لا تقدم هذا العالم بوصفه مساحة مثالية. فعلى الرغم من تشديدها على أوجه التشابه بين الحسيديم وثقافة الهيبيز، تقر بوجود تجارب مؤلمة وصدمات نفسية داخل هذه الأوساط، وترفض تمجيد كل ما يجري فيها.
وتظهر المفارقة أيضا في اختلاف المواقف الدينية من هذه الممارسات. فبعض المشاركين يرون المواد المهلوسة أداة علاجية أو وسيلة لاستكشاف الذات، بينما يعارض آخرون فكرة الحاجة إليها للتقرب من الرب.
كما لا تزال الأسئلة المتعلقة بموافقة الشريعة اليهودية على هذه الطقوس موضع نقاش، في ظل محاولات للتوفيق بين الممارسات الجديدة والقيود الدينية.
ويقدم التحقيق شهادة أحد الحسيديم من شمال لندن، عُرف باسم مستعار هو "ج" تحدث عن مشاركته في جلسة أياهواسكا، واصفا تجربته بقوله "أنت جزء من الرب في عليائه، أنت تصنع عالمك مع الرب، الخالق، المدبر".
وهي عبارة تلخص الطريقة التي يحاول بها بعض المشاركين تفسير ما يشعرون به، لا حقيقة يمكن تعميمها على مجتمع الحسيديم أو على التجارب الدينية عموما.
وتكشف هذه الظاهرة عن مساحة غير مألوفة تتقاطع فيها الروحانية اليهودية مع ثقافة المواد المهلوسة، وعن أفراد يحاولون إعادة صياغة علاقتهم بالدين من خلال تجارب تتجاوز الطقوس المعتادة.
لكنها لا تعني أن مجتمع الحسيديم بمجمله يتجه إلى هذا المسار، ولا أن هذه الممارسات أصبحت مقبولة دينيا على نطاق واسع.
والأرجح، وفق ما يتيحه التحقيق، أننا أمام ظاهرة غير مكتملة المعالم، تتداخل فيها الرغبة في اختبار تجارب روحية مكثفة مع البحث عن الشفاء وفهم الذات والانتماء.
وبينما يرى المشاركون في بعض هذه التجارب طريقاً إلى القرب من الرب، يبقى الفرق جوهريا بين الشعور الذاتي بحضور المقدس وإثبات وجود اتصال إلهي فعلي.
وفي النهاية، ربما لا تكمن القصة الأهم في المخدرات ذاتها، بل السؤال الذي تكشفه: ماذا يحدث حين يشعر بعض المؤمنين بهذه الأفكار بأن الطرق التقليدية لا تكفيهم، فيبحثون عن "المقدس" داخل تجارب جديدة، حتى لو وضعتهم على هامش مجتمعهم الديني؟
إقرأ المزيد


