الجزيرة.نت - 10/17/2026 2:38:23 PM - GMT (+3 )
شكلت بعض اللحظات في التاريخ فارقا حاسما في تغيير شكل العالم ورسم خريطة جديدة للقوى العظمى في مضمار الصراع العالمي، وكانت أزمة قناة السويس المسمار الأخير في نعش الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة.
وبأسلوبه المشوق، ينقل أحمد الغندور، مقدم برنامج "الدحيح" أحمد الغندور المشاهدين في رحلة عبر الزمن إلى أول أيام العدوان الثلاثي عام 1956، ليسلط الضوء على التفاصيل العالمية التي أحاطت بهذه الحرب.
وتشرح الحلقة كيف كانت هزيمة القوى العظمى خلال سعيها للسيطرة على القناة، بفعل المقاومة الشعبية الباسلة في بورسعيد، بمثابة القشة التي قصمت ظهر الاحتلالين البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، وغيّرت خريطة القوى العالمية.
وتبرز الحلقة، التي يمكنكم مشاهدتها بالضغط هنا، أن أزمة السويس رسخت معالم نظام عالمي جديد يتحكم فيه قطبان فقط؛ هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلى جانب دورها في تسريع امتلاك إسرائيل سلاحا نوويا بدعم فرنسي، وتغيير عقيدتها العسكرية.
وفي السياق ذاته، يعكس كتاب "أزمة السويس 1956" للمؤرخ ديفيد تشارلوود، الأبعاد الجيوسياسية والإستراتيجية التي عرضتها الحلقة بدقة، إذ يسلط الضوء على الكواليس الدبلوماسية والنوايا الخفية للمتآمرين في لندن وواشنطن والقاهرة.
ويوضح الكتاب كيف باتت الأزمة نقطة تحول كبرى أدت إلى إقصاء بريطانيا وفرنسا بوصفهما قوتين عظميين، ونقل هيمنة النفوذ العالمي إلى القطبين الجديدين، تماما كما برز في السرد التاريخي للحلقة عقب وقوف الإمبراطوريات الاستعمارية عاجزة أمام صلابة الإرادة والمقاومة المصرية.
تعود أهمية قناة السويس العالمية إلى كونها ممرا مائيا إستراتيجيا يربط الشرق بالغرب، ففي أوائل القرن العشرين كان يمر عبرها أكثر من 60% من النفط المستهلك في دول غرب أوروبا، إضافة إلى نقل نحو 13% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، بحسب تقرير من الأمم المتحدة في خمسينات القرن العشرين.
ورغم هذه الأهمية البالغة، كانت الشركة العالمية للقناة تدار بأيدي أجنبية تسيطر على أغلبية الحصص وتجني الأرباح العظمى، بينما عانى المصريون الأمرين منذ بدء حفرها عام 1869 على أجساد مئات الآلاف من العمال المصريين الذين قضوا بين العطش والمرض.
ومن هنا جاء قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في 26 يوليو/تموز 1956 بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية لتصبح إدارتها مصرية خالصة، ليشكل هذا القرار الشرارة التي أشعلت غضب القوى الاستعمارية الكبرى.
ولم تقف بريطانيا وفرنسا مكتوفتي الأيدي، بل دعمتا إسرائيل في اجتماع سري عُقد بضاحية "سيفر" الفرنسية لوضع اللمسات الأخيرة على مؤامرة عسكرية تهدف للإطاحة بنظام حكم عبد الناصر والسيطرة على القناة، فيما عُرف لاحقا بـ"بروتوكول سيفر".
بدأت فصول العدوان في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956 بهجوم عسكري إسرائيلي على سيناء، أعقبه إنذار بريطاني فرنسي يدعي ظاهريا الحرص على حماية الملاحة الدولية وفصل القوات، لكنه كان في حقيقته ذريعة ومخططا متفقا عليه للتدخل العسكري، تلاه قصف جوي استهدف المطارات المصرية في 31 أكتوبر/تشرين الأول.
وتجلت نقطة التحول الكبرى في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1956، مع بدء الهجوم البرمائي الكبير وإنزال مشاة البحرية البريطانية بالمروحيات في بورسعيد آنذاك، وضرب أهالي بورسعيد والفدائيون أمثال محمد مهران وزينب الكفراوي، أروع أمثلة الصمود والتضحية.
وقد تحولت المدينة بأكملها إلى ساحة مقاومة شعبية شرسة خاضت حرب شوارع ضروسا كبدت القوات المعتدية خسائر فادحة وأربكت حساباتهم بالكامل.
في ظل الصمود الأسطوري لأهالي بورسعيد، وتحت وطأة التهديد السوفيتي الصريح والضغط المالي والاقتصادي من الرئيس الأمريكي أيزنهاور، فضلا عن الاحتجاجات الشعبية العارمة في الشارع البريطاني، رضخت القوى المعتدية وصدر قرار وقف إطلاق النار يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني.
عقب ذلك، توالت الانسحابات لتنتهي الأزمة باسترداد مصر الكامل لقناتها، حيث تسلمت المحافظة رسميا في 23 ديسمبر/كانون الأول. وفي اليوم التالي، جرى إسقاط تمثال دي لسبس، قبل أن تكتمل استعادة الأراضي المصرية في مارس/آذار 1957.
نتائج غيرت خريطة العالم
لم تكن أزمة السويس مجرد حدث سياسي محلي أو إقليمي، بل كانت الشرارة التي ألهبت حركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم بأسره، فبنجاح مصر في خطوة التأميم الجريئة والصمود الأسطوري في وجه العدوان الثلاثي، تحول جمال عبد الناصر إلى رمز حي للمقاومة ضد الاستعمار.
وبحسب الحلقة، رأى أحرار القارة السمراء في هذا الانتصار قدوة ومثالا يحتذى به للتخلص من قيود الهيمنة الأجنبية، وهو ما أدى إلى انتشار أفكار مناهضة الاستعمار في دول عديدة؛ في طليعتها الجزائر وليبيا والعراق.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أسفر هذا الزخم القومي عن محطات كبرى، أبرزها الوحدة المصرية السورية عام 1958، لتتجسد القومية العربية واقعا ملموسا يهز عروش الإمبراطوريات، إيذانا ببدء موجة عارمة من الاستقلال، وتفكك المنظومة الاستعمارية في أنحاء العالم.
Published On 17/10/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


