الجزيرة.نت - 10/17/2026 2:15:35 PM - GMT (+3 )
Published On 17/10/2026
كشفت نتائج تحقيق أمني نُشر الخميس عن استغلال محتمل لمنظومة الإعلانات الرقمية في توصيل برمجيات تجسس إلى أجهزة مستهدفة، من دون الحاجة إلى نقر المستخدم على إعلان أو فتح رابط مشبوه، فكيف تم ذلك؟ وكيف تحمي نفسك؟.
وتضع القضية صناعة الإعلان عبر الإنترنت أمام مخاطر تتجاوز جمع بيانات المستخدمين لأغراض التسويق، بعدما ربط باحثون بين شركة الإعلانات الإسرائيلية "ديسكفر-تك" (Discover-Tech) وبرمجيات تجسس استخدمت لاستهداف أجهزة في شبكة الجزيرة.
ووفق التقرير الاستقصائي "إكسبوزينغ أدفكشن" (Exposing AdFection)، الذي نشره مختبر "سيتيزن لاب" (Citizen Lab) التابع لجامعة تورنتو الكندية بالتعاون مع شركة أمن الإعلانات "كونفيانت" (Confiant) الأمريكية، فقد نفذت هذه العملية عبر شبكة إعلانات إلكترونية لشركة "ديسكفر-تك" لتسهيل إيصال برمجيات طورتها شركة "كانديرو" الإسرائيلية إلى أجهزة مستهدفة بين عامي 2024 و2025 دون حاجة لضغط الضحية على الإعلان.
ووصف الباحثون ما توصلوا إليه بأنه أول توثيق علني لاستخدام الإعلانات الموجهة لتوصيل برمجيات تجسس تجارية عبر هجمات "صفر نقرة".
كيف تحولت الإعلانات إلى أداة للتجسس؟
تعتمد الإعلانات الرقمية على نظام "المزايدة في الوقت الفعلي" (Real-Time Bidding)، الذي يتيح للمعلنين التنافس على عرض إعلانات مخصصة للمستخدمين خلال أجزاء من الثانية، ووفقا للملخص التنفيذي لتقرير "سيتيزن لاب"، تعالج هذه المزادات كميات هائلة من طلبات الإعلان يوميا، وتتداول خلالها بيانات يمكن أن تكشف اهتمامات الأشخاص وسلوكهم في التصفح وبعض أنماط تحركاتهم.
وتتيح هذه المنظومة للمعلنين الوصول إلى الجمهور الذي يستهدفونه، لكنها تفتح أيضا مجالا لاستغلال البيانات في تحديد أجهزة بعينها. ووجد الباحثون أن منصة "كونتروليوم" (Controlium)، التابعة لديسكفر-تك، استخدمت معرّفات الإعلانات وعناوين بروتوكول الإنترنت وغيرها من البيانات التقنية للمساعدة في تحديد المستخدمين والأجهزة المستهدفة.
إعلان
وبحسب التقرير، يمكن للإعلان الذي يظهر على موقع إلكتروني أو داخل تطبيق أن يتضمن شيفرة تتصل بخوادم الشركة وترسل إليها بيانات تقنية. ولا يعني ظهور الإعلان تلقائيا إصابة الجهاز، إذ لا تتلقى معظم الأجهزة المستهدفة برمجية ضارة في كل مرة يظهر فيها الإعلان، لكن هذه البنية قد تتيح، عند اختيار جهاز معين، الانتقال من جمع البيانات إلى محاولة توصيل برمجية التجسس.
ديسكفر-تك وصلاتها بشركات التجسسيضع التحقيق ديسكفر-تك في موقع الوسيط الذي يربط منظومة الإعلانات التجارية بشركات تعمل في مجال المراقبة الرقمية. ويقول الباحثون إن خدماتها ساعدت جهات تطور برمجيات التجسس على تحديد الأهداف والوصول إليها من خلال إعلانات موزعة عبر منصات إعلانية واسعة الانتشار.
وربط التقرير بين البنية الإعلانية للشركة وبرمجيات كانديرو، التي أدرجتها الحكومة الأمريكية على قائمة العقوبات عام 2021 بسبب أنشطتها المرتبطة ببرمجيات التجسس، وتناولت تقارير أخرى، استنادا إلى نتائج التحقيق، صلات محتملة بشركات إضافية تعمل في قطاع المراقبة التجارية.
وتستند هذه النتائج إلى تحليل البنية التحتية الرقمية وسجلات الاتصالات وآثار الهجمات، وليس إلى مجرد وجود إعلانات الشركة على مواقع معينة. ومع ذلك، فإن الربط التقني بين منصة إعلانية وبرمجية تجسس لا يحدد تلقائيا هوية العميل النهائي الذي طلب استهداف شخص أو مؤسسة، ولا يثبت بمفرده أن حكومة محددة أصدرت أوامر الهجوم.
هجمات صفر نقرة.. اختراق دون تفاعل المستخدمتختلف هجمات "صفر نقرة" (Zero-click) عن أساليب الاختراق التي تعتمد على إقناع الضحية بالنقر على رابط أو تنزيل ملف، ففي هذا النوع من الهجمات، قد يبدأ الاختراق بمجرد تحميل محتوى مصمم لاستغلال ثغرة في الجهاز أو برامجه، من دون أن يتخذ المستخدم أي إجراء إضافي.
ووفقا للتحقيق، تبدأ العملية بظهور الإعلان، ثم يتصل الإعلان ببنية ديسكفر-تك، وإذا طابق الجهاز معايير الاستهداف، يمكن أن تُرسل إليه شيفرات إضافية تقود إلى سلسلة الاستغلال، وصولا إلى تشغيل برمجية التجسس، وقد تتيح البرمجية بعد ذلك الوصول إلى بيانات حساسة، بحسب الصلاحيات والثغرات التي تستغلها.
وتكمن الخطورة في أن المستخدم قد لا يرى أي علامة واضحة على الهجوم، كما أن وجود الإعلان على موقع معروف لا يعني بالضرورة أن المؤسسة الناشرة تعمدت نشر محتوى ضار، وقد تستغل الهجمات أحد الوسطاء في سلسلة التوريد الإعلانية، ما يجعل اكتشافها ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها أكثر تعقيدا.
استهداف 45 جهازا داخل الجزيرةمن أبرز نتائج التحقيق تأكيد استهداف ما لا يقل عن 45 جهازا داخل شبكة الجزيرة خلال عامي 2024 و2025، وقال سيتيزن لاب إن الباحثين ربطوا الهجمات، بدرجة ثقة عالية، ببرمجيات تجسس من تطوير كانديرو وصلت إلى الأجهزة عبر إعلانات مرتبطة بديسكفر-تك.
واستند التحليل إلى سجلات شبكية قدمتها الجزيرة، أظهرت تسلسلا زمنيا يبدأ باتصالات مع نطاقات مرتبطة بالبنية الإعلانية، ثم اتصالات لاحقة ببنية مرتبطة ببرمجية التجسس، وقد ساعدت هذه الآثار الرقمية على إعادة بناء مسار الهجوم وربط مراحله ببعضها.
وفي بيان نقلته الشبكة، قالت الجزيرة إنها تدين هجمات التجسس التي استهدفت عددا من موظفيها، وأكدت مواصلة حماية موظفيها وأنظمتها. كما وصفت استهداف الصحفيين بأنه اعتداء على حرية الصحافة، ودعت إلى محاسبة المسؤولين.
إعلان
لكن التحقيق لا يثبت أن كل مستخدمي المواقع التي ظهرت فيها الإعلانات تعرضوا للاختراق، كما لا يحدد بصورة قاطعة الجهة التي أمرت باستهداف أجهزة الجزيرة.
انتشار الإعلانات وإجراءات المنصاتأظهر تحليل الباحثين أن إعلانات مرتبطة بديسكفر-تك وصلت إلى نطاق واسع من الإنترنت، وأوردت رويترز أن الإعلانات ظهرت على أكثر من 120 ألف موقع إلكتروني و75 ألف تطبيق، فيما تناولت تقارير أخرى حجم نشاط الشركة عبر سجلات المزايدات الإعلانية، ولا يعني هذا الانتشار أن جميع الأجهزة التي عرضت الإعلانات أصيبت ببرمجيات التجسس، بل يوضح اتساع القنوات التي كان يمكن استغلالها للوصول إلى أهداف محتملة.
وعقب نشر نتائج التحقيق، اتخذت شركات ومنصات إعلانية إجراءات ضد ديسكفر-تك، وأفادت التغطيات بأن غوغل أوقفت الشركة من منصاتها الإعلانية، كما علقت جهات أخرى تعاملها معها أو أزالتها من قوائم الموردين المعتمدين، وتعكس هذه الإجراءات أهمية مراقبة الأطراف التي تشارك في توزيع الإعلانات، لكنها لا تثبت وحدها أن جميع آثار النشاط السابق قد أزيلت.
كيف يمكن الحد من المخاطر؟توصي نتائج التحقيق بتشديد الرقابة على منظومة الإعلان الرقمي، وتحسين التدقيق في الشركات الوسيطة، وتعزيز آليات اكتشاف الإعلانات الخبيثة، وعلى مستوى المستخدمين، يمكن لتحديث أنظمة التشغيل والتطبيقات، وتقليل تتبع الإعلانات، واستخدام أدوات موثوقة لحجب الإعلانات والتتبع أن يخفض بعض المخاطر، وإن لم يضمن منع الهجمات المتقدمة بالكامل.
أما المؤسسات الإعلامية والجهات التي تتعامل مع معلومات حساسة، فتحتاج إلى مراقبة الاتصالات الشبكية، وفحص الأجهزة المشبوهة، ووضع إجراءات واضحة للاستجابة للحوادث الأمنية، وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة للصحفيين، إذ قد يؤدي اختراق أجهزتهم إلى كشف مصادرهم ومراسلاتهم وملفاتهم المهنية.
وتكشف القضية أن منظومة الإعلانات الرقمية قد تتحول، عند إساءة استخدامها، من وسيلة لتخصيص المحتوى إلى قناة للمراقبة والهجمات السيبرانية، وتؤكد نتائج استهداف أجهزة في الجزيرة أن مواجهة هذا التهديد لا تقع على عاتق المستخدم وحده، بل تتطلب مسؤولية مشتركة من شركات الإعلان والمنصات التقنية والجهات التنظيمية، إلى جانب شفافية أكبر في سلاسل توزيع الإعلانات ومساءلة الجهات التي تستغلها لأغراض التجسس.
إقرأ المزيد


