الجزيرة.نت - 10/17/2026 1:40:51 PM - GMT (+3 )
دارفور – في مخيم أردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد، تحت سقيفة من القش بناها اللاجئون بأيديهم، يجلس 12 رجلا القرفصاء على الأرض، بينما يتصاعد صوت شابين يتهم أحدهما الآخر بالاعتداء عليه في مشاجرة وقعت قبل أيام.
وعلى بُعد أمتار، خلف السقيفة، تختبئ نساء يراقبن الجلسة من بعيد؛ لأن التقاليد لا تسمح لهن بالجلوس مع الرجال، ولا بالنطق إلا عبر وسيط.
هذه الجلسة التي تُعرَف بـ"الجودية" هي الملاذ الأخير لآلاف النازحين واللاجئين السودانيين في مخيمات إقليم دارفور وشرق تشاد، حيث لا محاكم رسمية، ولا شرطة، ولا سجون.
ويقول خليل آدم دوسة، أحد أعضاء لجنة "الجودية" في مخيم أردمي، للجزيرة نت: "تشاجر شابان من المخيم بسبب خلاف على مكان في السوق، فضرب أحدهما الآخر، وتطور الأمر بين الأسرتين. في اليوم التالي، استدعيناهما، وجلسنا معا، والحمد لله تمكنا من حل المشكلة قبل أن تتحول إلى حرب بين العائلتين".
ومع تضرر مؤسسات العدالة الحكومية في دارفور ونزوح المدنيين جراء سنوات من الحرب، لم يعد أمامهم سوى القليل من الخيارات، وقد أنشأ البعض نظام محاكم بديلا خاصا بهم لحل مشاكلهم.
من جانبه، يقول مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور، المقيم في مخيم أردمي، للجزيرة نت، إنه لا توجد محكمة في المخيم عندما يحدث خلاف، فيلجؤون غالبا إلى الجودية، و"إذا كان الأمر كبيرا، نحتكم للأعراف. نحكم أنفسنا بأنفسنا".
وفي هذه المخيمات، لا يوجد قاضٍ محترف، فجميع القضاة نازحون أو لاجئون يقيمون في المخيم نفسه، يتم ترشيحهم من قبل سكانه، يتطوعون دون مقابل وأغلبهم يمثلون قادة المخيم، أي الأشخاص المفوضون لإدارة شؤون النازحين واللاجئين.
من ناحيته، يوضح موسى آدم عثمان، أحد أعضاء لجنة الأجاويد في أحد مخيمات النازحين بدارفور، للجزيرة نت: "نحن لا نأخذ أجرا، نعمل لأننا نعرف أن لا أحد غيرنا سيفعل ذلك. لو توقفنا، سيقتل الناس بعضهم بعضا".
إعلان
ويتابع: "نعمل بلا مكتب، ولا سجلات، ولا شرطة تنفذ أحكامنا. كل ما لدينا هو ثقة الناس بنا، وهي التي تمنحنا القوة للاستمرار". ويشير إلى أنهم أحيانا يحتاجون أياما وأسابيع لحل خلاف بسيط، "لكننا لا نستسلم، لأن البديل هو الفوضى".
آلية الوساطة والمصالحة
ووفقا للدكتور إبراهيم سعد، باحث التراث والتاريخ في دارفور، فإن "الجودية" هي الآلية الرئيسية للوساطة والمصالحة والعدالة في الإقليم. وهي نظام تقليدي يقوده الأجاويد وهم وسطاء من شيوخ وكبار السن يشتهرون بالحكمة والخبرة، ويتراوح عددهم بين 3 و9 أعضاء، يجب أن يقبل بهم الطرفان المتنازعان كوسطاء محايدين.
ويوضح للجزيرة نت أنها ليست محكمة نظامية بالمعنى الحديث، ولا تتبع إجراءات قضائية رسمية، بل هي عملية تحكيم توافقية، يلجأ إليها الناس طوعا، وتهدف إلى تحقيق حل وسط وليس العقاب.
وتتراوح العقوبات المفروضة على المدانين -وفقا للباحث سعد- بين إصدار أوامر بأداء خدمة مجتمعية، ودفع غرامة، أو تعويض للشخص المتضرر، وقد تشمل دية عن الأرواح أو تعويضات عن الخسائر المادية.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، توقفت المحاكم الرسمية في معظم مناطق دارفور عن العمل. وفي مخيمات شرق تشاد، التي تستضيف أكثر من 900 ألف لاجئ سوداني، لا توجد محاكم نظامية، ولا شرطة، ولا مؤسسات عدالة رسمية.
من جهتها، تقول فاطمة هارون، لاجئة في مخيم أردمي، للجزيرة نت: "إذا حدث خلاف بين جيراني، لا نذهب إلى أي محكمة، لأنها غير موجودة. نذهب إلى الأجاويد، وهم يحلون المشكلة. هذا كل ما نعرفه".
وتروي: "قبل أيام، وقع شجار جماعي على صف الماء، أُصيبت إحدى الفتيات بكدمات، وتدخل الأجاويد فورا، جلسوا مع الطرفين وفرضوا تعويضا على المعتدي، وأعادوا المياه إلى الجميع"، وتكمل: "لو لم يتدخلوا، لكان الشجار تحوّل إلى معركة بين أسرتين. لكنهم أنقذوا الموقف".
حدود الجوديةولكن "الجودية" ليست بلا حدود، فبينما تحل الخلافات اليومية بين النازحين في دارفور، فإنها لا تستطيع التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي وقعت في الإقليم.
ويقول مصطفى بره، للجزيرة نت، إن الجودية تحل مشكلة مشاجرة أو خلاف على أرض، لكنها لا تستطيع محاسبة من قتل ألف شخص، "هذا يحتاج إلى محكمة دولية، لا إلى سقيفة من قش".
وفي مخيمات شرق تشاد، تواجه النساء تحديا مضاعفا في الوصول إلى العدالة. فالتقاليد تمنعهن من المشاركة المباشرة في جلسات "الجودية"، وتُترك قراراتهن بيد الوسطاء الذكور.
وتقول سامية آدم، وهي ناشطة في مخيم أردمي، للجزيرة نت: "إذا تعرضت امرأة لاعتداء، يجلس الأجاويد مع الجاني، ويدفع تعويضا، ثم يُغلق الملف. لا محاكمة، ولا سجن، لا شيء، المرأة تبقى مع جرحها".
ورغم اعتمادهم عليها في حياتهم اليومية، يطالب اللاجئون السودانيون في شرق تشاد بإنشاء محاكم خاصة بدارفور، تنظر في الجرائم الكبرى.
ويوضح مصطفى بره أن أولوياتهم هي تسليم جميع المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ثم إنشاء محاكم خاصة بدارفور يُقدَّم إليها كل من ارتكب جريمة في حق الناس. ويؤكد: "نريد محاكم عادلة وشفافة، تخضع لرقابة الضحايا. ونريد لجانا خاصة بالأراضي، لرد الحواكير (ملكية أرض) والمزارع إلى أصحابها".
ومنذ القدم، عرف إقليم دارفور "الجودية" كآلية لحل النزاعات. وقد تأسست في إطار نظام الإدارات الأهلية، الذي أعادت بريطانيا تشكيله في عشرينيات القرن الماضي بعد ضم دارفور إلى السودان عام 1916.
إعلان
ويقوم هذا النظام على هرم من القيادات التقليدية وهم:
- السلطان.
- الناظر.
- العمدة.
- الشيخ.
- الفرشة (منصب إداري أهلي).
- الأجاويد وهم الوسطاء.
وقد لعبت هذه الإدارات دورا محوريا في حل النزاعات بين القبائل، من خلال "الجودية"، التي تهدف إلى الصلح ودفع الدية، بدلا من اللجوء إلى العنف.
وخلال العقود الماضية، نجحت في احتواء عشرات النزاعات، وأبرمت اتفاقيات صلح أنهت صراعات استمرت سنوات بين قبائل عربية وغير عربية.
إقرأ المزيد


