الجزيرة.نت - 10/17/2026 12:22:39 PM - GMT (+3 )
مع تحول البحث إلى إجابات جاهزة يصوغها الذكاء الاصطناعي، يرى خبراء إعلام أن رهان المؤسسات الصحفية الرابح لم يعد الزيارات، بل السمعة الموثوقة والعلاقة المباشرة مع القراء.
Published On 17/10/2026
يتراجع تدفق الزوار من محركات البحث إلى المواقع الإخبارية بوتيرة غير مسبوقة، مع تحول غوغل من بوابة للإنترنت إلى محرك يقدم الإجابات مباشرة مولدة بالذكاء الاصطناعي. وأمام ذلك يرى خبراء أن بناء سمعة المؤسسة الإعلامية وعلاقتها المباشرة مع جمهورها صار أهم من مطاردة الزيارات.
جاء ذلك في تقرير نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة الثلاثاء الماضي. وقد أعدت التقرير الصحفية غريتل كان، واستندت فيه إلى حوارات مع 5 خبراء من مؤسسات بينها موقع أكسيوس الأمريكي وصحيفة الغارديان البريطانية وموقع ذا أثليتيك الرياضي.
ويستشهد التقرير بأرقام شركة "تشارتبيت" لتحليلات الجمهور، التي تظهر أن الزيارات القادمة من محرك غوغل إلى مئات الناشرين انخفضت بـ40% بين يوليو/تموز 2025 ويوليو/تموز 2026، أي بضعف التراجع المسجل في العام السابق. ويثير ذلك قلق مديري المؤسسات الإعلامية مما يُعرف بـ"غوغل صفر"، أي اليوم الذي يكف فيه غوغل عن توجيه القراء إلى المواقع.
وتوضح الكاتبة أن غرف الأخبار أمضت عقدين في تعلم تحسين الظهور في محركات البحث، المعروف اختصارا بـ"سيو" (SEO). فأنشأت فرقا متخصصة، ودرّبت صحفييها على صياغة العناوين وفق ما يبحث عنه الناس. لكن الجمهور صار يحصل على إجاباته من ملخصات غوغل المولدة بالذكاء الاصطناعي ومن روبوتات الدردشة، دون أن ينقر على رابط الموقع.
1/ ما الذي يجعل البحث بالذكاء الاصطناعي صندوقا أسود؟خلافا لمحركات البحث التقليدية التي تعرض قائمة روابط، تجمع منصات الذكاء الاصطناعي المعلومات من مصادر متعددة وتصوغها في ملخص واحد يستشهد بعدد محدود من المصادر. وبينما توفر محركات البحث ومنصات التواصل لوحات بيانات تكشف ما ينجح من المحتوى، يبقى ما يجري داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي لغزا.
ويقول إزرا إيمان مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام بالرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار إنه اطلع على أدلة إرشادية لا تحصى، ووجد أن الكثير منها متناقض. ويوضح أن المصادر المفضلة لدى هذه الأنظمة تتبدل باستمرار، فكانت "ويكيبيديا" ثم "ريديت" ثم "يوتيوب". ويضيف أن الاستشهادات تتركز عادة في عدد قليل من المصادر المهيمنة، مما يصعّب على الناشرين الصغار الظهور.
إعلان
وتشكو شيلبي بلاكلي مديرة البحث والذكاء الاصطناعي في موقع "ذا أثليتيك" المملوك لصحيفة "نيويورك تايمز" من شح البيانات المتاحة للقطاع كله. أما مستشارة الجمهور كلارا سوتيراس فترى أن ما يسمى "تحسين الظهور في محركات التوليد" (Generative Engine Optimization) المعروف اختصارا بـ"جيو" ليس صندوقا مغلقا تماما، إذ يمكن التعلم بالتجربة والخطأ ومراقبة ذكر العلامة التجارية. وتدعو إلى تغيير مؤشرات الأداء، لأن الظهور في ملخصات الذكاء الاصطناعي لا يجلب نقرات.
2/ كيف تتسلل المؤسسات إلى داخل الصندوق؟يشير تقرير معهد رويترز إلى أن الاستخدام الأسبوعي للذكاء الاصطناعي التوليدي تضاعف تقريبا بين 2024 و2025 من 18% إلى 34% في 6 دول شملها مسح المعهد. ومع أن 10% فقط من المشاركين في تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 يستخدمون روبوتات الدردشة للحصول على الأخبار، فإن النسبة ظهرت أعلى بكثير بين الشباب.
ويقول بن بيركويتز المشرف على عمليات الذكاء الاصطناعي في غرفة أخبار "أكسيوس" إن مؤسسته تستعد هذا العالم لترسيخ مكانتها مصدرا موثوقا به، ويوضح أنها تختبر الأسئلة المحتملة للمستخدمين وترصد عدد مرات الاستشهاد بها.
ويرى بيركويتز أن أسلوب أكسيوس القائم على الفقرات القصيرة والنقاط المركزة يلائم نماذج الذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة. لكنه يراهن على ما يصعب تقليده، وهو الخبرة والسمعة والعلاقة مع القراء عبر النشرات البريدية والفعاليات. ويقول: "المسألة ليست زيارات فقط، بل علامة تجارية أيضا".
وتنصح جيسي ويلمز محررة "سيو" في صحيفة "الغارديان" بالتعامل مع تحسين الذكاء الاصطناعي على أنه طبقة إضافية فوق أساسيات تحسين البحث، لا بديلا عنها.
3/ هل تقايض المؤسسات الزيارات بالظهور؟يكمن جوهر المعضلة في أن الظهور لا يعني الزيارات بالضرورة، فقد وجدت دراسة لمركز "بيو" الأمريكي للأبحاث شملت أكثر من 68 ألف عملية بحث أجراها 900 مستخدم أمريكي أن 1% فقط منها انتهى بنقرة على مصدر مذكور في ملخص غوغل.
لكن إزرا إيمان يرى أن الظهور المتكرر في الإجابات يعزز شهرة العلامة ويجذب المشتركين، ويمنح الناشر ورقة تفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي. ويقول إن الناشر الذي يظهر في 80% من الإجابات يستطيع أن يقول لهذه الشركات: "أنتم بحاجة إلينا".
تتصدر استشهادات الذكاء الاصطناعي المؤسسات الإعلامية الراسخة، أما الناشرون الصغار ففرصتهم في المعلومات المحلية والمتخصصة التي لا يملكها غيرهم.
بواسطة إزرا إيمان
ويلفت التقرير إلى أن مؤسسات راسخة مثل "رويترز" و"بي بي سي" و"نيويورك تايمز" و"الغارديان" تتصدر الاستشهادات غالبا. أما الناشرون الصغار فيرى إيمان أن فرصتهم تكمن في المعلومات المحلية والمتخصصة التي لا يملكها غيرهم.
وتعترف بلاكلي بأن الوضع ليس عادلا، لكنها ترى أن غياب "ذا أثليتيك" عن إجابات الذكاء الاصطناعي الرياضية سيكون فرصة ضائعة. وتوضح أن ظهور العلامة في الملخصات يخلق صلة نفسية قد تدفع القارئ إلى العودة لاحقا.
4/ ماذا تفعل المواقع الإخبارية مع برامج الزحف؟تواجه المؤسسات معضلة أخرى هي حجب برامج الزحف التي تستخدمها شركات مثل غوغل وأوبن إيه آي لجمع البيانات. ووفق أبحاث المعهد كانت 48% من كبرى المواقع الإخبارية في 10 دول تحجب برامج "أوبن إيه آي" بنهاية 2023، رفضا لاستخدام محتواها الصحفي مجانا في تدريب النماذج التجارية وخشية أن تحل الإجابات محل زيارة تلك المواقع.
وبرامج الزحف (Web Crawlers)، التي تُعرف أيضا بالروبرتس (Bots) أو العناكب (Spiders)، هي برامج حاسوبية آلية وممنهجة تطلقها محركات البحث والمؤسسات التقنية لتصفح صفحات شبكة الإنترنت وتنزيل محتواها بهدف فهرستها وفهم محتواها بدقة.
إعلان
غير أن الحجب صار أكثر تعقيدا، لأن منع برامج الاسترجاع يقلل فرص ظهور الصحافة في إجابات الذكاء الاصطناعي. ويقترح إيمان نهجا انتقائيا يحمي المحتوى المدفوع ويفتح المحتوى المجاني للتعريف بالعلامة. ويقول إن الناشرين الأكثر نضجا يربطون إستراتيجيتهم تجاه هذه البرامج بأهدافهم وطرق قياسهم.
وترى ويلمز أن ترخيص المحتوى لشركات الذكاء الاصطناعي قد يوفر إيرادات قصيرة الأجل أو غير مضمونة. وتقول إن غياب مؤسسة تغطي السياسة عن ملخصات يطالعها الناس يوميا "فرصة ضائعة كبيرة"، داعية إلى اعتبار الظهور بداية علاقة لا نهايتها.
5/ هل تصبح غرف الأخبار رهينة للخوارزميات؟يذكر التقرير بأن الناشرين طاردوا محركات البحث، ثم فيسبوك ويوتيوب، ثم تيك توك وإنستغرام. ويتساءل كيف يتجنبون تكرار الدورة نفسها مع نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتقول ويلمز إن مطاردة خوارزمية أو منصة ليست إستراتيجية طويلة الأمد، وإنها قد تنجح في البداية لكن تتوقف عن النجاح بعد ذلك. ويرى بيركويتز أن المعرفة المتبادلة والتواصل المباشر مع الجمهور يجعلانه يبقى مع المؤسسة حين تنهار زيارات البحث ومنصات التواصل.
وتختم سوتيراس بأن قطاع الإعلام يمر بمنعطف حاسم. وتقول: "لا ينبغي أن نصبح عبيدا للخوارزمية، بل أن نبني الولاء لدى جمهورنا". وتضيف أن لكل مؤسسة منصتها الأنسب، لكن الهدف واحد وهو الحصول على جمهور وفيّ.
المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)
إقرأ المزيد


