معضلة ترمب مع الحوثيين.. الدفاع عن السعودية دون إغلاق ممر مائي آخر
الجزيرة.نت -

يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المساعدة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية، ومع ذلك يتركها والمنطقة بأسرها أقل أمنا؛ إذ قد تدفع الضربات الأمريكية وكلاء إيران الخطرين من الحوثيين إلى توسيع رقعة هجماتهم لتطال السفن الأمريكية، وتلك التابعة للحلفاء في البحر الأحمر وخليج عدن.

أسفر هجوم يوم السبت على مطار الملك خالد الدولي بالرياض عن مقتل مدنيين، بينهم مواطن أمريكي، وإصابة المئات، فضلا عن تعليق الرحلات الجوية. وصرّح ترمب، الذي الذي امتنع عن توجيه ضربات أمريكية، بأن واشنطن قد تنضم الآن إلى الحملة العسكرية السعودية، قائلا: "قد نفعل ذلك، وسوف ندرس الأمر".

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

التقى الرئيس فرانكلين روزفلت في عام 1945 بالملك عبد العزيز على متن البارجة "يو إس إس كوينسي"، ووقّع ترمب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي اتفاقية دفاع إستراتيجي لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، في حين لم يُعلن البيت الأبيض عن أي التزام أمريكي تلقائي بالانخراط في هذه الحرب.

تعكف الرياض منذ 45 عامًا على بناء ما أسميه "خلية الضغط"، وهي منظومة ترسم خريطة للمواضع التي يقع فيها الضغط، والتي يُمتص فيها، وينتقل إليها، وتتنبأ بالاتجاه الذي سيسلكه خلال الساعات الاثنتين والسبعين المقبلة، فتتيح للقادة خيارات قبل أن تنهار نقطة الضعف.

من شأن خوض حملة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط أن يدفع الناخبين نحو صناديق الاقتراع وسط عناوين أخبار متجددة حول الصواريخ وأسعار الوقود، ليجد ترمب نفسه مجبرا على الدفاع عن المنطقة، بينما يصارع في الوقت عينه للحفاظ على أغلبية حزبه في الكونغرس

وأنشأت المملكة العربية السعودية في عام 1981 خط أنابيب "شرق-غرب" ممتدا عبر 750 ميلا من الصحراء نحو ينبع للالتفاف على مضيق هرمز. وعقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في فبراير/شباط 2026 وانهيار حركة الشحن عبر هرمز، نقلت شركة أرامكو النفط الخام غربا، حتى إذا ما استهدفت الطائرات المسيرة منظومة الأنابيب في سبتمبر/أيلول، أعادت ضخ النفط نحو الشرق مجددا.

إعلان

تتجنب ناقلات النفط المبحرة شمالا من ينبع باتجاه السويس المرور بمضيق باب المندب، في حين تعبر الناقلات المتجهة جنوبا نحو آسيا عبر باب المندب، لتقع مباشرة ضمن مدى صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة.

واستثمرت الرياض كذلك في قطاعات السياحة والرياضة والترفيه والفنون. وفي صيف عام 2026 عملتُ مع أكاديمية وكالة الأنباء السعودية، حيث أعددتُ تمارين تدريبية للمسؤولين التنفيذيين السعوديين لإدارة الأزمات في مجالات السياحة، وموسم الحج، والهجمات السيبرانية، وحالات التسمم الغذائي؛ غير أن الهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت النفطية وحركة الملاحة البحرية باتت تهدد تلك الاستثمارات الحيوية برمتها.

ووقّعت المملكة "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" مع تركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026، معتبرة أن أي اعتداء على إحدى هذه الدول يُعد اعتداء على الجميع. وتعهدت تركيا بتقديم الدعم الدفاعي مستبعدة المشاركة في العمليات الهجومية، فيما لا يزال تصديق البرلمان التركي على الاتفاقية معلقا.

وهنا أعلن ترمب في سبتمبر/أيلول أن الحوثيين قد وافقوا على عدم استهداف الولايات المتحدة؛ وهي سياسة تركت المملكة العربية السعودية تخوض القتال بمفردها بينما نأت القوات الأمريكية بنفسها عن توجيه ضربات مباشرة. تستطيع إيران تضييق الخناق على مضيق هرمز، في حين يمكن لوكلائها الخطرين من الحوثيين تهديد باب المندب، ما يضع الرئيس الأمريكي أمام ضرورة الموازنة بين حماية البنية التحتية السعودية وخطر تجدد الهجمات على السفن الأمريكية.

وفي هذا السياق، فإنه في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي هجوما جديدا لاستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ومنذ ذلك الحين، تخوض القوات الحكومية وألوية العمالقة الجنوبية معارك على امتداد ساحل البحر الأحمر قرب باب المندب، مستهدفة سيطرة الحوثيين على الطرق والموانئ ومواقع إطلاق الصواريخ؛ فالطائرات السعودية والأمريكية قادرة على ضرب منصات الإطلاق، لكن القوات اليمنية هي التي يجب أن تسيطر على الأرض.

ويتعيّن على المجلس أن ينسّق بين القوات الحكومية والفصائل الجنوبية التي سبق أن تقاتلت فيما بينها، في حين تحدّ قلة الموارد ونقص المعدات العسكرية من قدرته على مواصلة الهجوم.

وقد أمضت السعودية جزءا كبيرا من عام 2026 في محاولة تعزيز هذا التنسيق. ويمكن للأمريكيين والسعوديين أن يقدّموا الأسلحة والتوجيه بعيدا عن الأضواء، فواشنطن والرياض بحاجة إلى قوات يمنية قادرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين ساحل البحر الأحمر.

وفي إطار هذا التطور الميداني نجدنا أمام عدة سيناريوهات:

السيناريو الأول: مزيد من الحماية دون ضربات أمريكية

أن تشارك واشنطن بالفعل المعلومات الاستخباراتية وتساعد في التخطيط للعمليات السعودية؛ لذا تتمثل الخطوة التالية الأكثر ترجيحا لترمب في تزويد المملكة بمزيد من الصواريخ الاعتراضية وتحسين أنظمة الإنذار المبكر لحماية المطارات والمنشآت النفطية.

قد لا تكفي زيادة الصواريخ الاعتراضية وحدها لسدّ هذه الثغرة الدفاعية؛ إذ تجري السلطات السعودية تحقيقات مكثفة لمعرفة كيف تمكنت الطائرات المسيرة والصواريخ من بلوغ أهدافها رغم المنظومات الدفاعية، في ظل نتائج أولية تشير إلى أن الطائرات المسيرة سبقت مزيجا من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية.

إعلان

ويتحتم على واشنطن والرياض تحديد ما إذا كان مصدر الثغرة يكمن في منظومات الرصد، أم في تقنيات الاعتراض، أم في استنزاف المخزون، وذلك قبل اتخاذ القرار بشأن نوعية الدعم المرسل.

وقد يدفع وقوع هجوم جديد يُسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ترمب نحو خيار توجيه الضربات. كما يستطيع الدعم الدفاعي شراء الوقت، لكنه يعجز عن ضمان توقف الحوثيين عن إطلاق النار.

يجب أن يقترن مفهوم النجاح بتراجع الهجمات وتأمين المطارات، وضمان حرية الملاحة البحرية دون أن تفرض جماعات مسلحة إرادتها على حركة المرور في المضائق. وإلا فقد يجد ترمب نفسه يخوض حربا كان هدفها فتح مطار، لتنتهي به الحال للقتال من أجل إعادة فتح مضيق بحري آخر

السيناريو الثاني: ضربات أمريكية محدودة

يستطيع ترمب، إذا تواصلت الهجمات، أن يأذن بضربات دقيقة تستهدف منصات إطلاق صواريخ الحوثيين ومستودعات أسلحتهم ومراكز القيادة التابعة لهم.

وقد أفادت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إبان حملة ترمب في أبريل/نيسان 2025 باستهداف أكثر من 800 موقع وتقليص عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية للحوثيين بنسبة 69%؛ ومع ذلك خَلُص تقييم أصدره مركز مكافحة الإرهاب في "وست بوينت" إلى أن قدرات الحوثيين الصاروخية ومسيراتهم قد ضعفت لكنها ظلت متماسكة وفعالة.

ويستهدف الحوثيون اليوم الرياض مباشرة، كما عززوا سيطرتهم على مواقع ساحلية تُحسن من قدرتهم على مراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر.

ومن المهم أنه على ترمب أن يوضح كيف ستترك حملة قصف جديدة على الحوثيين الرياضَ أكثر أمنا بعد أن تتوقف الطائرات الأمريكية عن التحليق.

شكك نائب الرئيس جيه دي فانس في جدوى حملة عام 2025 خلال محادثة عبر تطبيق "سيغنال" تسربت عن طريق الخطأ إلى محرر مجلة "ذا أتلانتيك" (The Atlantic)؛ إذ تساءل عن مبررات تحمل أمريكا كلفة حماية مسارات ملاحية تستفيد منها أوروبا، محذرا من تبعات الضربات على أسعار النفط، وذلك قبل أن يقبل بقرار المضي قدما. ومما لا شك فيه أنه سيعيد طرح تلك التحفظات مجددا في الغرف المغلقة.

وهنا يجدر بنا التذكير بأنه تفصلنا عن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني أيام معدودات؛ وقد أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس في سبتمبر/أيلول أن نسبة تأييد توجيه ضربات أمريكية لإيران بلغت 34%، في حين لم تتعدّ نسبة الرضا عن أداء ترمب 32%، مع تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين بثماني نقاط في سباق الكونغرس.

ومن شأن خوض حملة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط أن يدفع الناخبين نحو صناديق الاقتراع وسط عناوين أخبار متجددة حول الصواريخ وأسعار الوقود، ليجد ترمب نفسه مجبرا على الدفاع عن المنطقة، بينما يصارع في الوقت عينه للحفاظ على أغلبية حزبه في الكونغرس.

استخدمت الولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن قاذفات "بي-2" الشبحية لضرب مواقع الأسلحة المحصنة للحوثيين في أكتوبر/تشرين الأول 2024؛ ويحتاج ترمب اليوم إلى معلومات استخباراتية موثوقة تؤكد تعذُر إعادة بناء تلك الأسلحة سريعا.

يحتاج الرئيس الأمريكي، حتى لو حدد المخططون الأمريكيون عشرة أهداف بالغة الأهمية، إلى أدلة حاسمة تثبت أن تدميرها سيجعل المملكة العربية السعودية أكثر أمانا؛ إذ بوسع قوات الحوثيين المتبقية أن ترد باستهداف المدن السعودية، أو مهاجمة السفن الأمريكية وسفن الحلفاء في خليج عدن والبحر الأحمر.

يتعهد الحوثيون في الوقت الحالي بعدم مهاجمة السفن الأمريكية ما دامت واشنطن تنأى بنفسها عن توجيه ضربات مباشرة، غير أنه بمجرد أن تُغير الطائرات الأمريكية على مواقعهم، قد تعلن الجماعة إلغاء تلك التعهدات، وتشرع في استهداف السفن الأمريكية، أو توسيع رقعة الهجمات على حركة التجارة البحرية. كما قد يواصل الحوثيون قصف السعودية مع استثناء السفن الأمريكية في محاولة لزرع الشقاق بين الرياض وواشنطن.

إعلان

لذا ينبغي لواشنطن والرياض، قبل المضي في توجيه الضربات، الاتفاق المسبق على معادلة واضحة؛ توقف الضربات الأمريكية فور تحقيق وقف مستدام وموثوق لهجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية والسفن التجارية، مدعوما باستطلاع أمريكي وسعودي مشترك للتحقق من الامتثال، على أن يستدعي أي هجوم جديد اتخاذ قرار مشترك لاستئناف العمليات.

دخلت السعودية حرب اليمن في عام 2015، وأسفرت سنوات القتال الطويلة عن إشكالات كثيرة، ولم يتراجع تهديد الحوثيين؛ لذا ترغب الرياض في وقف هذه الهجمات نهائيا وتفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة تدوم لسنوات.

أعلن ترمب في سبتمبر/أيلول أن الحوثيين قد وافقوا على عدم استهداف الولايات المتحدة؛ وهي سياسة تركت المملكة العربية السعودية تخوض القتال بمفردها بينما نأت القوات الأمريكية بنفسها عن توجيه ضربات مباشرة

السيناريو الثالث: اتساع رقعة الحرب لتشمل إيران

قد تجر الضربات الأمريكية في اليمن ردودا تستهدف السفن أو القواعد الأمريكية، يعقبها رد انتقامي أمريكي ضد شبكات الدعم الإيرانية أو داخل الأراضي الإيرانية نفسها.

تستطيع طهران مواصلة إمداد الحوثيين بالعتاد بينما تستنزف القوات الأمريكية والسعودية صواريخها الاعتراضية، وتنشغل بحماية السفن، وتنفذ ضربات متكررة. وتشهد الرياض بالفعل ضغطا على مخزون الصواريخ الاعتراضية وفق ما نقله مسؤولون لوكالة "أسوشيتد برس".

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" (The Wall Street Journal) أن هجوما إيرانيا واحدا استهدف القوات الأمريكية في الأردن بنحو 20 صاروخا باليستيا استلزم إطلاق ما بين 60 إلى 70 صاروخ باتريوت وأكثر من 12 صاروخ ثاد؛ ما يعني قدرة إيران على إجبار واشنطن والرياض على استنزاف مخزوناتهما الشحيحة بالتوازي مع استمرار دعم الحوثيين، وإن كان ذلك لا يثبت إصدار طهران الأوامر المباشرة لكل عملية إطلاق.

عرضت وزارة الخارجية الإيرانية يوم الاثنين المساعدة في ترتيب محادثات مباشرة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين.

طلبت الرياض بالفعل من الصين ممارسة ضغوطها على إيران لكبح جماح الحوثيين. وأفادت وكالة "رويترز" في سبتمبر/أيلول بأن بكين نقلت تلك الرسالة سرا دون التلويح بتبعات اقتصادية؛ كما أدانت الصين يوم الاثنين الهجمات على المطارات السعودية ومنشآت الطاقة، لكن إطلاق الصواريخ ظل مستمرا. وتحتاج واشنطن والرياض إلى مساهمة فعلية من طهران في وقف الهجمات، وليس الاكتفاء بعرض الوساطة الدبلوماسية.

يُرجح أن تكتفي إيران بمواصلة دعم الحوثيين بالسلاح بدلا من الدخول المباشر في ساحة الحرب والمخاطرة برد أمريكي انتقامي؛ غير أن توجيه ضربات أمريكية داخل العمق الإيراني قد يدفع طهران حتما إلى رد مباشر، فضلا عن إمكانية تدخلها المباشر إذا ما هددت الضربات الأمريكية بقاء وكلائها الحوثيين.

يجب أن يقترن مفهوم النجاح بتراجع الهجمات وتأمين المطارات، وضمان حرية الملاحة البحرية دون أن تفرض جماعات مسلحة إرادتها على حركة المرور في المضائق. وإلا فقد يجد ترمب نفسه يخوض حربا كان هدفها فتح مطار، لتنتهي به الحال للقتال من أجل إعادة فتح مضيق بحري آخر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد