الجزيرة.نت - 10/17/2026 1:10:55 AM - GMT (+3 )
لم تبدأ الحرب الأمريكية على إيران في فبراير/شباط الماضي، وإنما قبل قبل أكثر من 7 عقود عندما نفذ الأمريكيون والبريطانيون انقلابا أعادوا به الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم، ومعه استعادوا السيطرة على البلاد ووسعوا الهوة بين الإيرانيين وأمريكا.
فالمواجهة العسكرية الحالية -حسب فيلم "طريق إلى الحرب" الذي أنتجته قناة الجزيرة- تمثل حلقة أخيرة في صراع لطالما اقتصر على التهديد وحروب الوكالة والضغوط الاقتصادية وسياسة حافة الهاوية التي مارستها الولايات المتحدة كثيرا قبل أن تدفعها إسرائيل من مربع السياسة إلى دائرة القصف.
ويعود الصراع الأمريكي الإيراني إلى مطلع الخمسينيات عندما دبرت الولايات المتحدة انقلابا على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الذي أمم نفط البلاد.
فقد كان مصدق يحظى بدعم شعبي جارف، وجاء وصوله إلى السلطة عام 1951 بعد سنوات من الطبقية والهيمنة الأجنبية على مقدرات البلاد، وقد أنهى سيطرة شركة النفط الأنجلو-إيرانية المملوكة للبريطانيين على أثمن موارد إيران الطبيعية.
ومع تمسكه بحصول بلاده على نصف عائدات نفطها الذي كان ينقل كاملا إلى المملكة المتحدة، طلبت بريطانيا مساعدة واشنطن للإطاحة بمصدق، بعدما أقنعتهم بأنه "مشروع شيوعي محتمل"، بحسب المؤسس المشارك لمعهد كوينزي لإدارة الحكم المسؤول تريتا بارسي.
وبعد عامين فقط من وصوله للحكم، نفذت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) بالتعاون مع نظيرتها البريطانية (MI6)، في أغسطس/آب 1953، انقلابا أصاح بمصدق. وعلى إثر ذلك، عاد محمد رضا بهلوي من منفاه في إيطاليا ليستعيد عرش والده الشاه.
لكن ما حدث لم يكن مجرد انقلاب وإنما لحظة أعاد فيها التدخل الأجنبي تشكيل المسار السياسي للبلاد، وتسببت في تفكيك العلاقات الأمريكية-الإيرانية بدلا من تقويتها، حيث أصبح بهلوي "دمية بيد الأمريكيين تضمن وصول الشركات الغربية إلى النفط الإيراني"، كما يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو روبرت بيب.
إعلان
كما رأى الإيرانيون أن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا وراء الإطاحة بمصدق وأن حكومة الشاه مفروضة على البلاد وخاضعة لواشنطن، بحسب أستاذ السياسات الدولية بجامعة تافتس ولي نصر.
وعلى مدار عقدين، حكم محمد رضا بهلوي البلاد بقبضة من حديد، وأسس جهاز الأمن السري (السافاك) بوصفه أداة لترسيخ حكمه. كما استحوذ على جزء كبير من عائدات النفط وحوّل مليارات الدولارات إلى حسابات مصرفية خاصة بعائلته، بحسب روبرت بيب.
وعاشت إيران تحولات كبيرة في عهد بهلوي الذي أطلق ما عرفت بـ"الثورة البيضاء" لتحديث البلاد عام 1963، لكن اتفاقية "وضع القوات" التي وقعها مع واشنطن في العام نفسه، غذت غضب الإيرانيين لأنها منحت فئات من الأمريكيين العاملين في إيران حصانة جعلتهم فوق القانون الإيراني، بحسب بارسي.
صحيح أن الغضب بقي مكتوما بسبب القبضة القوية، لكن المعارضة واصلت عملها تحت السطح، وخصوصا روح الله موسوي خميني، الذي لمع كأحد أبرز منتقدي الشاه الذي كان يتهمه علنا ببيع إيران إلى الغرب، وفق بارسي، الذي قال إن الإيرانيين شعروا بحاجة إلى أن تكون بلادهم قوية، وقبل ذلك مستقلة.
فالخميني -المولود عام 1902- ابن حوزات قم الدينية وليس ابن قصور الحكم. ومع تنديده العلني بالحكم الملكي كثر أتباعه، والتفت إليه الشاه الذي نفاه إلى العراق ثم إلى فرنسا، فزادت شعبيته وأصبح صوته أكثر قوة.
ففي فرنسا، جمع الخميني ائتلافا غريبا من المحافظين الدينيين والناشطين العلمانيين، وبقي ينتظر الثورة التي كانت تقترب، حتى اندلعت انتفاضة أطاحت بالشاه في 16 يناير/كانون الثاني 1979.
ومع انهيار حكم البهلويين، عاد الخميني إلى البلاد التي استقبلته كبطل وما لبث أن حوّل الدين من موروث إلى أداة للحكم بعدما قدم مفهوما جديدا مخالفا للتقاليد الشيعية القديمة، وهو مفهوم يقول ولي نصر إنه كان ثوريا قام على تمكين الفقراء وتحرير البلاد من أمريكا.
ومن خلال هذا المزج الجديد بين الدين والسياسة، قدم الخميني نموذج حكم يحقق رغبات الإيرانيين في الاستقلال والديمقراطية، ولم يكن يريد استعداء الولايات المتحدة حتى لا تسعى لإسقاط الجمهورية الإسلامية، بحسب تريتا بارسي.
بيد أن الولايات المتحدة لم تكن مرتاحة لهذا النموذج الجديد وبدأت التواصل مع الشريحة المعتدلة من الثورة، والتي تمثلت آنذاك في رئيس الوزراء مهدي بازركان، ثم تنامى الشعور بالخوف والغضب من أمريكا عندما سمح الرئيس جيمي كارتر للشاه المخلوع بتلقي العلاج من السرطان في الولايات المتحدة.
وقد عزز هذا السلوك لدى الإيرانيين شعورا بأن انقلابا جديدا كالذي جرى ضد مصدق يجري التمهيد له، وبأن الولايات المتحدة ما تزال تدعم النظام السابق وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979 سيطر طلاب إيرانيون على السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا عددا من الموظفين والدبلوماسيين، وهو الخبر الذي كان محط أنظار العالم في حينه.
ورغم ما ينطوي عليه اقتحام السفارة من انتقادات، فإن سلوك الولايات المتحدة في ذلك الوقت كان يدل على أنها لا ترغب في الاعتراف بإرادة الإيرانيين وكانت تسعى لإيجاد حاكم خاضع لها، كما يقول وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف.
إعلان
وفي أبريل/نيسان 1980، حاولت واشنطن تحرير رهائنها في عملية عسكرية أطلقت عليها "مخلب النسر " التي انتهت بكارثة دون أن تتمكن من تحرير أسراها الذين لم يفرج عنهم إلا بعد 444 يوما وبطرق دبلوماسية.
واستغل الخميني الاهتمام العالمي بالحدث لإثبات أن واشنطن عاجزة عن فعل أي شيء إزاء ما قامت به طهران، كما استغل الأزمة نفسها لصرف النظر عن تصفية العناصر العلمانية واليسارية في الثورة بالكامل، بحسب ولي نصر.
وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980، تعامل الإيرانيون معها كحرب أمريكية على الثورة، بعدما غذت واشنطن مخاوف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من احتمال ثورة الشيعة العراقيين عليه، وتشجيعها دولا أخرى على تزويد بغداد بمعلومات استخبارية.
وخلال المواجهة، أبدى الخميني تشددا كبيرا وصور الحرب على أنها مقدسة ورفض كثيرا من طلبات وقف إطلاق النار التي جاءته من بغداد، وارتكب الطرفان تجاوزات أخلاقية وقانونية فادحة، وتكبدا خسائر اقتصادية وبشرية هائلة، لكن إيران خرجت منها أكثر جرأة.
فمن رحم هذه الحرب، تشكلت الجمهورية الإسلامية وخرج الحرس الثوري وتعلمت إيران دورسا عن المعارك والأمن القومي، وتأسست أفكار يقول ولي نصر إنها ما تزال قائمة حتى اليوم.
وفي يونيو/حزيران 1989 توفي الخميني، وخلفه في الزعامة علي خامنئي الذي لم يكن يوما رجل الدين الأعلى مرتبة، وإنما الرجل الثوري والتلميذ الأوفى لمعلمه. فلم تغير الولايات المتحدة نظرتها المتوجسة لإيران رغم تغير القائد، فيما واصلت إسرائيل التحذير من خطورة النفوذ الإيراني المتزايد، بعدما فشلت في تحويلها إلى حليف طيلة الثمانينيات، كما يقول تريتا بارسي.
ومنذ ذلك الحين، رددت الولايات المتحدة المخاوف من إيران، وحاولت مع حلفائها عزل طهران عن الاقتصاد العالمي وفرضت عليها عقوبات قاسية وحاصرتها اقتصاديا، لكنها لم تلجأ إلى المواجهة العسكرية.
ولتجاوز هذه العزلة، طبق الإيرانيون دروس الحرب العراقية بأن يعتمدوا على أنفسهم ويلتفوا على العقوبات الأميركية ويعززوا اكتفاءهم الذاتي حتى لو ازدادوا فقرا، كما يقول ولي نصر.
الخلاف النوويلكن الاكتفاء الذاتي له حدود بالنسبة لبلد معزول، وهو ما دفع إيران إلى البرنامج النووي الذي تقول إنه مخصص للاستخدام السلمي. ومع ذلك، رفضت واشنطن من الجمهورية الإسلامية ما قبلته أيام الشاه، حيث أوقفت دعمها لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية منذ عام 1979، وهو ما لم يقبله الإيرانيون، وفق تعبير روبرت بيب.
وفي عام 2002، اتخذ الخلاف منحى مختلفا عندما اكتشف موقع سري إيراني للطرد المركزي في نطنز، وهو ما اعتبرته إدارة جورج بوش الابن، انتهاكا لمعاهدة الحظر النووي، وتحول الأمر من خصومة سياسية إلى خصومة عسكرية، حسب تعبير روبرت بيب.
ومع تعثر الجهود الدبلوماسية واستمرار العقوبات، واصلت طهران تطوير برنامجها النووي، فيما بقيت إسرائيل تحذر الأمريكيين من خطر امتلاك الإيرانيين سلاحا نوويا، وعندما عجزت عن إقناعهم بشن الحرب، قامت بتخريب البرنامج واغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، ولم تتوقف إيران عن المضي قدما في مشروعها.
ولعقود طويلة، نأت الولايات المتحدة بنفسها عن الحرب، ثم حقق الرئيس الأميركي الاسبق باراك أوباما في عام 2015 ما عجزت عنه سنوات من العقوبات بتوقيعه الاتفاق النووي الذي ضمن لإيران استخدام الطاقة النووية سلميا دون السعي لامتلاك سلاح، وهو ما وصفه جواد ظريف باللحظة الأصعب التي توصل لها البلدان.
إعلان
غير أن منتقدي الاتفاق قالوا إن الولايات المتحدة قدمت تنازلا خطيرا في هذا الاتفاق الذي يصفه الجنرال الأمريكي المتقاعد مارك كيميت بـ "الهش "، قائلا إن واشنطن لم يكن مسموحا لها بتفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية إلا بعد تقديم طلب قبل شهر كامل من التفتيش.
وبعد شد وجذب، جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في دورته الأولى لينسحب من الاتفاق عام 2018، لكنه رفض طلبات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المتكررة بشن الحرب على إيران وإسقاط نظامها، كما يقول روبرت بيب.
بعد ذلك اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وفي يناير/كانون الثاني 2020، فتعهد علي خامنئي، بالثأر لكنه التزم ضبط النفس ولم يطلق هجوما انتقاميا بل وجاء رده أقل من المتوقع، بحسب بيب.
ومع ذلك، أخذ الوضع يتصاعد حتى جاء هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على إسرائيل، التي يقول ولي نصر إنها تغيرت وأصبحت أكثر شراسة وقررت الذهاب للقضاء على أي تهديد بأي كلفة.
وبعد عام من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، قصفت تل أبيب المجمع الدبلوماسي الإيراني في سوريا فقتلت قادة إيرانيين بارزين، وهو ما ردت عليه طهران بأول ضربة عسكرية مباشرة على إسرائيل.
كما اغتالت إسرائيل الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، الحليف القوي لإيران، ثم استهدفت الحليف الثاني، أنصار الله (الحوثيين) في اليمن. ثم سقط نظام بشار الأسد في دمشق، أحد أهم حلفاء طهران، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
فبعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عزمت إسرائيل -وفق ولي نصر- على تدمير غزة وتهجير الفلسطينيين منها وربما من الضفة الغربية كلها، والقضاء على (حماس) وحزب الله، والسيطرة على جنوب لبنان، وإبقاء سوريا ضعيفة وخاضعة، ثم الإجهاز على إيران.
والسبب في ذلك -حسب روبرت بيب- أن النظرية الأمنية الإسرائيلية تقوم على ضرورة تدمير كل بلد يمتلك قوة تجعله قادرا على مهاجمتها في المستقبل.
لكن هذا لم يمنع الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، حيث عُقدت مفاوضات غير مباشرة في سلطنة عمان. وهي المفاوضات التي شن نتنياهو خلالها (في يونيو/حزيران 2025) هجمات قال إنها شديدة الأهمية بالنسبة لتل أبيب، فردت عليها إيران بقصف إسرائيل في مواجهة استمرت 12 يوما.
وللمرة الأولى، دخلت الولايات المتحدة المواجهة العسكرية المباشرة عندما قصفت المنشآت النووية في يونيو/حزيران 2025، فيما عرف بعملية "مطرقة منتصف الليل ". ومع ذلك، أظهرت طهران ميلاً للدبلوماسية عوضا عن التصعيد. وعندما تعثرت الدبلوماسية، هاجمت إيران قاعدة "العديد " القطرية التي تضم قوات أمريكية.
ودانت دولة قطر الهجوم بشدة، لكنها مع ذلك بذلت جهودا دبلوماسية حثيثة انتهت بوقف حرب الـ12 يوما. لكن تصاعد الاضطرابات الداخلية التي شهدتها إيران في يناير/كانون الثاني 2026 شجعت ترمب على التدخل مجددا، فراح يشجع المحتجين الإيرانيين على إسقاط النظام، ووعدهم بمساعدة لم تصل.
ففي حين كان المحتجون الإيرانيون ينتظرون مساعدة ترمب، كان الأخير يحشد قواته في المنطقة بعدما أقنعته إسرائيل بأن إيران ضعيفة جدا من الداخل وأنه بحاجة لدفعة بسيطة كي تسقط أو تستسلم ثم ينسب الفضل لنفسه في إسقاط نظامها، كما يقول تريتا بارسي، مضيفا"كان هذا خطأً كبيراً في الحسابات".
وبينما كان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الوسيط الرئيسي، متفائلا بقرب التوصل لاتفاق أمريكي-إيراني، شنت واشنطن وتل أبيب هجوما مفاجئا على طهران في 28 فبراير/شباط 2026، لتطوى بذلك صفحة الدبلوماسية وتبدأ صفحة الحرب.
وسواء كانت لدى واشنطن نية في الحرب أو أنها انجرت خلف إسرائيل، فقد دخلت حربا يقول جواد ظريف إنها لا تخدم مصالحها ولا مصالح أحد غير نتنياهو.
فاغتيال المرشد الأعلى وكبار القادة لم يُسقط النظام لأن إيران بلد سلطوي لا ديكتاتوري، وقد بُنيت بطريقة تمكنها من الصمود والبقاء خصوصا بعد العيش في عزلة ومواجهة القوة العظمى لأربعة عقود، كما يقول ولي نصر.
إعلان
وتحت قيادة مجتبى خامنئي، الذي خلف والده في أرفع مناصب البلاد، نجحت صواريخ ومسيرات إيران في اختراق القبة الحديدية، وتبدت هشاشة إسرائيل. ثم ضربت إيران ما كان يعتقد أنه "حماية أمريكية راسخة على الضفة الأخرى من الخليج ".
والأكثر من ذلك، أن إيران تحكمت في مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، فأصبحت تتحكم بحركة مرور السفن، وفي الوقت ذاته واصلت التفاوض عبر باكستان، وصولا إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها طهران مع واشنطن في 17 يونيو/حزيران 2026.
غير أن مذكرة السلام لم تصمد أكثر من 19 يوما، حيث انهار السلام الهش، وأغلق هرمز مجددا، وبدأ ترمب الحديث عن رغبته في الاستيلاء على جزء من إيران أو نفطها، وهو ما ردت عليه الأخيرة بأنها قد ترد على هذا السلوك بالمثل.
وبينما كانت أصوات التفجيرات تعلو في أنحاء المنطقة جراء الصواريخ والمسيرات ومنظومات الدفاع الجوي، يواصل جيش الاحتلال نشاطه في غزة والضفة الغربية ولبنان، إذ أن إسرائيل تنظر لأي نوع من السلام بين واشنطن وطهران بوصفه خطرا عليها.
إقرأ المزيد


