الجزيرة.نت - 10/17/2026 12:40:55 AM - GMT (+3 )
Published On 17/10/2026
|آخر تحديث: 00:20 (توقيت مكة)
بين ألسنة اللهب والركام، كان صوت بكاء الطفلة مريم الاستغاثة الوحيدة التي تقود إلى مكانها داخل شقة سكنية استهدفها قصف إسرائيلي غرب مدينة غزة. هناك، ترك الصحفي الفلسطيني علي الجعفراوي كاميرته، واندفع لانتشال طفلة لم تتجاوز عامين ونصف العام، بينما كانت النيران تحاصرها.
وفي قصة أعدها الصحفي أحمد جلال للجزيرة، تتكشف تفاصيل إنقاذ مريم من الغرفة المشتعلة، بعدما أصيبت بحروق بالغة وفقدت والدتها في القصف، وبينما تستكمل الطفلة علاجها في المستشفى، يروي جدها محمود غانم فصول المأساة التي أضافت اليتم إلى معاناتها مع النزوح والحرب.
ويروي غانم أن القصف وقع قرابة الرابعة فجرا، حين استهدفت مروحية إسرائيلية من طراز أباتشي شقة سكنية في محيط مجمع الشفاء الطبي غرب المدينة، وكانت زوجة ابنه الراحل أحمد تقيم فيها مع طفلتها، قبل أن يؤدي الاستهداف إلى استشهاد الأم وإصابة مريم بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة.
وتعود مأساة العائلة إلى الأشهر الأولى من الحرب، حين استشهد أحمد في نوفمبر/تشرين الثاني، وكانت زوجته حاملا بمريم. وجاءت الطفلة إلى الدنيا يتيمة الأب، وعاشت مع والدتها في غرفة داخل شقة بمدينة غزة، قبل أن يفقدها القصف والدتها أيضا.
ويقول الجد إن مريم كانت نائمة إلى جوار أمها لحظة الاستهداف، فسقطت عن السرير بفعل القصف، وظلت تصرخ وسط النيران حتى وصل إليها المنقذون. أما والدتها، فبقيت على السرير بعدما أصيبت بحروق شديدة أودت بحياتها.
من التوثيق إلى الإنقاذويروي الصحفي الفلسطيني علي الجعفراوي، الذي وثق اللحظات الأولى للحريق، أنه استنفر سكان البناية والجيران لمساعدة العالقين داخل الشقة، في ظل غياب فرق الإنقاذ خلال الدقائق الأولى، وتوجه الجميع نحو الغرفة التي تصاعدت منها ألسنة اللهب والدخان الكثيف.
ويقول الجعفراوي إنهم دخلوا الغرفة وشرعوا في إزاحة قطع الأثاث المحترقة والحجارة والركام، حتى قادهم صوت البكاء إلى مريم، كانت الطفلة جالسة بمفردها وسط النيران والرماد، تستغيث بمن حولها، في مشهد يقول إنه لم يستطع تحمله.
إعلان
ويضيف أن اللحظة حسمت قراره؛ فترك الكاميرا، وانتشل مريم واحتضنها، ثم سلّمها إلى الأهالي عند باب الغرفة المشتعلة، وفي الخارج، علت أصوات الموجودين معلنة نجاة الطفلة، وسط مشاعر امتزج فيها الخوف بالارتياح.
ويشير الجعفراوي إلى أن النيران التهمت الغرفة بالكامل بعد نحو دقيقة من إخراج مريم، واحترقت الفرشة التي كانت تجلس عليها، وكانت والدتها قد فارقت الحياة متأثرة بحروقها، في حين نُقلت الطفلة لتلقي العلاج من إصابات طالت وجهها وظهرها ويديها وقدميها.
وتكشف المشاهد المصورة تفاصيل تلك اللحظات، من النداءات المتكررة للبحث عن ناجين إلى محاولات التقدم وسط الدخان والركام، وفي قلب المشهد، تحولت الكاميرا التي توثق ما يجري إلى مهمة أخرى، حين أصبح إنقاذ الطفلة أولوية أمام خطر يهدد حياتها.
أمانة لدى العائلةوبينما تتلقى مريم العلاج في المستشفى، يحاول جدها التخفيف عنها ومواساتها بالألعاب والمعجون الملون، في مشهد تختلط فيه آثار الإصابة بملامح طفولة حُرمت من والديها، ولم يعد أمامها سوى أفراد العائلة الذين يتعهدون برعايتها.
وقال غانم إن ما حدث لحفيدته يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال، لكنه يستمد الصبر من إيمانه، معربا عن أمله في أن تتعافى من إصاباتها، وأن تتمكن من تجاوز آثار الحروق التي أصابت أجزاء واسعة من جسدها.
وأكد أن مريم ستعيش في كنف عائلة والدها بعد استشهاد أبويها، وستكون أمانة في أعناق أفراد الأسرة، مضيفا أنهم سيعاملونها باعتبارها واحدة من أبنائهم وبناتهم، ويحرصون على رعايتها حتى تكبر وتتعلم وتواصل حياتها.
وتبقى مريم، التي نجت من النيران بعدما كادت أن تبتلعها داخل الغرفة، أمام رحلة علاج ورعاية طويلة، وبينما يترقب الجميع تعافيها، يلوّح أحد أفراد الأسرة ببالون وردي أمامها، محاولا رسم ابتسامة على وجهها الذي أنهكته الحروق والضمادات.
إقرأ المزيد


