بعد سيطرة الجيش وتهميش الجبهة.. هل تنفجر الأوضاع في تيغراي؟
الجزيرة.نت -

Published On 16/10/2026

تضع الإدارة الانتقالية التي أعلنتها أديس أبابا في تيغراي، بإشراف فدرالي مباشر ولمدة 6 أشهر، اتفاق بريتوريا أمام اختبار جديد، وسط مخاوف من أن يؤدي فرض ترتيبات سياسية أحادية إلى تقويض التسوية وإعادة الإقليم إلى المواجهة المسلحة.

وتكشف الخطوة عن صراع يتجاوز السيطرة على المدن إلى تحديد الجهة التي تملك حق إدارة الإقليم وصياغة مستقبله السياسي، فبينما تراهن الحكومة على الانتخابات لتثبيت سلطتها، تظل مشاركة جبهة تحرير تيغراي وتسوية الخلافات معها شرطا حاسما لاستقرار المرحلة المقبلة.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وفي حلقة برنامج "ما وراء الخبر"، يرى الكاتب والمحلل السياسي زاهد زيدان، أن الإدارة المحددة بـ6 أشهر تتيح لسكان تيغراي استعادة حقهم في اختيار ممثليهم، وتفتح المجال أمام استئناف النشاط السياسي بعد سنوات من هيمنة الجبهة على القرار الإقليمي.

ويستند زيدان إلى وجود شخصيات من أبناء الإقليم في الإدارة الجديدة، وإلى دور قوات سلام تيغراي التي انشقت عن التشكيلات المسلحة المرتبطة بالجبهة، ويرى أن انتشار هذه القوات داخل المدن قد يعزز ثقة السكان ويحد من الاحتكاك بالقوات الفدرالية.

وتعكس هذه القراءة رهانا حكوميا على بناء شرعية محلية عبر الانتخابات والاستعانة بقوى من داخل الإقليم، بالتوازي مع استعادة الخدمات وتسهيل عودة النازحين. غير أن نجاح هذا المسار يرتبط بمدى قدرة الإدارة على توسيع قاعدة المشاركة السياسية.

في المقابل، يضع مستشار معهد الدراسات الأمنية الأفريقي وليام إلس اتفاق بريتوريا في صلب الأزمة، معتبرا أن استعادة مساره تتطلب الالتزام ببنوده والتعامل مع أطرافه على قدم المساواة، بما يحد من مخاطر فرض ترتيبات حكومية من جانب واحد.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن الاتفاق الذي أنهى حرب 2020-2022 ربط تشكيل الإدارة المؤقتة بحوار سياسي بين الحكومة الفدرالية والجبهة، ومن ثم، فإن تجاوز آلية التوافق يثير تساؤلات بشأن شرعية الترتيبات الجديدة وقدرتها على استيعاب الخلافات القائمة.

إعلان

ويشير أستاذ القانون بجامعة كيلي في لندن أول ألو، إلى أن تعثر الإدارة المؤقتة السابقة والخلافات التي أحاطت بها أسهما في تجدد القتال، وتكشف هذه التجربة أن أي ترتيب انتقالي يظل عرضة للانهيار عندما تتراجع فرص الحوار بين الأطراف الرئيسية.

مخاطر المواجهة

وتتجلى المعضلة الأمنية في أن سيطرة القوات الفدرالية وحلفائها على المدن الرئيسية لم تنه الصراع، في ظل انسحاب مقاتلي الجبهة باتجاه الحدود الإريترية واستمرار احتفاظهم بالسلاح، وهو ما يجعل تثبيت السيطرة الميدانية بداية لاختبار أكثر تعقيدا.

ويرى ألو أن الجبهة فقدت كثيرا من نفوذها العسكري والسياسي السابق، لكنه يربط فرص عودتها إلى العملية السياسية بوجود تفاهمات بنّاءة مع الحكومة، ويستبعد مشاركتها في انتخابات خلال 6 أشهر، بالنظر إلى عمق الخلافات وصعوبة الأوضاع الراهنة.

وتضع هذه التقديرات الجدول الزمني الحكومي أمام تحديات جدية؛ فتنظيم الانتخابات في موعدها يتطلب بيئة آمنة ومؤسسات عاملة ومشاركة سياسية واسعة، وإذا استمرت المواجهة، فقد يتحول الاستحقاق الانتخابي إلى مصدر إضافي للخلاف بشأن التمثيل والشرعية.

ويبرز نزع السلاح باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الانتقالية، إذ تحتاج عملية تسريح المقاتلين وإعادة دمجهم إلى ضمانات أمنية وسياسية مقنعة، وقد يؤدي التعامل مع الملف باعتباره إجراء مفروضا إلى تعزيز مخاوف الجبهة ودفعها نحو مواصلة القتال.

في المقابل، يراهن زيدان على انشقاق قيادات عسكرية وسياسية عن الجبهة، وعلى دور قوات سلام تيغراي في حماية المدن وتعزيز الثقة المحلية، لكن نجاح هذا الرهان يتوقف على تماسك تلك القوات وقدرتها على احتواء التوترات ومنع اتساع الانقسام داخل المجتمع.

ويشدد إلس على أن استعادة الاستقرار تتطلب خفض التصعيد ووقف الأعمال القتالية واستعادة ثقة السكان، إلى جانب إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، فإعادة بناء المؤسسات والرعاية الصحية والتعليم والمصارف، وتسهيل عودة النازحين، تمثل ركائز ضرورية لتهيئة الإقليم لمرحلة سياسية أكثر استقرارا.

توازنات الإقليم

وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود العلاقة بين أديس أبابا والجبهة، بحسب ألو، الذي يلفت إلى انخراط أطراف إقليمية ودولية في حسابات النزاع، بينها إريتريا ومصر والسودان، ويزيد هذا التشابك صعوبة احتواء المواجهة، ويجعل مسارها مرتبطا بتوازنات تتجاوز الإقليم.

ويثير زيدان مخاوف من أن يشكل وجود مقاتلي الجبهة قرب الحدود الإريترية فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم، مستندا إلى معلومات أشار إليها بشأن احتواء إريتريا لبعض المنسحبين، ويرى أن التدخلات الخارجية قد تمنح الرافضين للإدارة الجديدة هامشا إضافيا للمناورة.

وتكشف هذه المعطيات أن الترتيبات الأمنية داخل تيغراي لا يمكن فصلها عن علاقات إثيوبيا بجوارها الإقليمي، فاستمرار التوتر مع إريتريا، بالتوازي مع غياب تسوية داخلية، قد يوسّع نطاق المواجهة ويجعل فرص استعادة الاستقرار أكثر تعقيدا.

أما الانتخابات المقررة خلال 6 أشهر، فتظل مرتبطة بقدرة الإدارة على معالجة آثار الحرب، وفي مقدمتها النزوح وتضرر البنية التحتية وتعطل الخدمات، فتهيئة السكان للمشاركة السياسية تتطلب ظروفا تسمح بالاقتراع الحر، ومؤسسات قادرة على إدارة المنافسة الانتخابية.

إعلان

ويحذر إلس من أن تردد الجبهة في المشاركة السياسية قد يقوّض اتفاق بريتوريا برمته، وهو ما يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطا بمدى استعداد الأطراف لإعادة النظر في ترتيبات المرحلة الانتقالية. فالتسوية تحتاج إلى مسار تفاوضي يحد من فرص العودة إلى المواجهة.

وبينما تراهن أديس أبابا على الإدارة الجديدة لتثبيت الأمن وفتح الطريق أمام الانتخابات، يبقى نجاحها مرهونا بقدرتها على الجمع بين السيطرة الميدانية والتوافق السياسي، فاستبعاد الجبهة قد يسرّع فرض واقع جديد، لكنه قد يضعف فرص تحوله إلى سلام مستدام.



إقرأ المزيد