سجين سابق يبني زنزانة متنقلة لمنع الجريمة
الجزيرة.نت -

Published On 16/10/2026

|

آخر تحديث: 22:39 (توقيت مكة)

قبل أن يدخل ريان إلى الزنزانة المتنقلة الموضوعة وسط الأبراج السكنية في حي تونكين بضواحي ليون، وسط فرنسا، كان يعتقد أن الاحتجاز أحيانا قد يكون "جيدا، مع وجود أشياء كثيرة، مثل أجهزة بلايستيشن".

لكن المراهق يدخل بعد ذلك، برفقة ثلاثة طلاب آخرين من المرحلة الإعدادية، إلى هذه الزنزانة التي تبلغ مساحتها ثمانية أمتار مربعة، والتي أعاد يانيك ديسلاند تصميمها لتجسيد تفاصيل حياته اليومية في السجن بعد إدانته بالاتجار بالمخدرات.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

تضم الزنزانة سريرا بطابقين قرب الحوض والمرحاض وتلفازا ومرآة مكسورة عليها دماء، فيما يمكن للزائر أن يشاهد آثار عفن هنا وهناك، بينما يسمع أصواتا متواصلة ومزعجة من الصراخ والأبواب وهي تُغلق والمفاتيح وهي تدور.

وعند خروجه، يبدو ريان متأثرا بما رآه، ويقول: "لا توجد أي خصوصية على الإطلاق. المكان صاخب جدا. بصراحة، لا بد أن العيش هنا حتى أسبوع واحد أمر صعب".

أما ياسين (14 عاما) الذي يقف إلى جواره فيضيف: "شعرنا بعدم الراحة والحرارة والضوضاء بشيء من الانزعاج. كنت أظن أن المكان أكثر هدوءا واتساعا. هذا سيجعلني أعيد التفكير. ليس بالضرورة أن أتوقف تماما عن التصرفات السيئة، لكن..".

وهذا بالضبط ما أراد يانيك ديسلاند (57 عاما) أن يصل إليه: أن يجعل الشباب يدركون أن السجن "ليس منتجعا"، خلافا للصورة التي تروج لها أحيانا وسائل التواصل الاجتماعي.

ويتساءل: "ما الرسالة التي نوجّهها إلى الشباب عندما نجعلهم يعتقدون أن السجن منتجع سياحي؟ وما الرسالة التي نوجّهها إلى الضحايا أيضا؟".

ديسلاند يشرح للزائرين الشباب كيف عاش في هذه المساحة 22 عاما (الفرنسية)
الانزلاق إلى الجريمة

في فيلوربان، حيث توجد زنزانة ديسلاند وعلى مقربة من الأحياء الراقية في ليون، كان هناك نحو عشر نقاط لبيع المخدرات قبل بضعة أشهر فقط.

وفي طريقهم إلى المدرسة، قد يبدأ الأمر بأن يستوقف شبان يتاجرون بالمخدرات الأطفال، ثم يطلبون منهم شراء علبة مشروب، وبعدها مراقبة نهاية الشارع، لتبدأ بذلك سلسلة من الخطوات التي تقود تدريجيا إلى التورط في الجريمة.

إعلان

ويروي يانيك ديسلاند للزائرين تفاصيل تجربته، مستخدما عبارات يدرك أنها قد تترك أثرا في نفوسهم.

ويقول السجين السابق: "كنت أبيع المخدرات وأعتقد أنني أستطيع الخروج من هذا الوضع بهذه الطريقة. وعندما كنت في السجن، كانت أمي أحيانا لا تأكل لمدة يومين أو ثلاثة حتى تتمكن من إرسال حوالة مالية إليّ".

ويضيف: "كم ربحت من الاتجار بالمخدرات؟ اثنان وعشرون عاما في السجن، وغرامة سأظل أسددها حتى نهاية حياتي".

وفي أبريل/نيسان 2025، أسس ديسلاند جمعية لتوعية الشباب بواقع الحياة داخل السجون والوقاية من تجارة المخدرات. ومن خلال زنزانته المتنقلة المثبتة على مقطورة تجرها سيارة، يجوب ديسلاند مدن فرنسا استجابة للدعوات. وبعد منطقة ليون، سيتوجه إلى مرسيليا ثم نيس.

وخلال رحلته يزور يانيك المدارس الإعدادية والسجون، ويأمل في توفير التمويل اللازم لبناء زنزانة ثانية.

وفي حي تونكين، لم يتبقَّ سوى "نقطتين لبيع المخدرات"، بحسب جيريمي فلورود، منسق برنامج الوقاية من انخراط الشباب في الاتجار بالمخدرات بمدينة فيلوربان، وذلك بعد عمليات أمنية متعددة.

ويتمثل التحدي الآن، بالنسبة إليه، في إقناع الشباب بأن الاتجار بالمخدرات "ليس أمرا طبيعيا"، إلى جانب تعزيز الوجود المجتمعي في الأماكن العامة، إذ يقول: "كلما زاد عدد الأشخاص الموجودين في الفضاء العام، تقلصت المساحة المتاحة أمامهم".

يريد ديسلاند أن يجعل الشباب يدركون أن السجن ليس منتجعا (الفرنسية)
تغيير المسار

لا يزال فلورود مقتنعا بأهمية الاستعانة بشخص سبق أن ارتكب جرائم، حتى لو كان هذا النهج قد يثير انزعاج البعض.

ويشرح: "يتفاعل الشباب بشكل مختلف عندما يتحدث إليهم شخص عرف السجن فعليا، ويتحدث عن علاقته بعائلته، وحياته اليومية، وما يأتي بعد السجن أيضا".

ويدعو ديسلاند إلى تطوير نهج المساعدة المتبادلة بين الأقران، وهو نهج سبق تطبيقه مع مجموعات مدمني الكحول المجهولين، وفي مجالات الإدمان الأخرى والطب النفسي، ويتيح للأشخاص الذين واجهوا صعوبات متشابهة تقديم الدعم لبعضهم بعضا وتبادل الخبرات.

ويختتم قائلا: "إنها الحلقة المفقودة فعلا، لأن الشاب عندما يعرفني، يستطيع أن يفضي إليّ بأمور لا يمكنه أن يقولها للمربين أو المشرفين الاجتماعيين".



إقرأ المزيد