الجزيرة.نت - 10/16/2026 9:28:50 PM - GMT (+3 )
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سلسلة من الانتكاسات القضائية التي تعكس اتساع المواجهة بين البيت الأبيض والمحاكم الفدرالية، في وقت تتزايد فيه محاولات الإدارة توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وفرض سياسات مثيرة للجدل في ملفات الانتخابات والصحافة والإنفاق العام والمؤسسات الحكومية.
وفي أحكام متتالية، لم يكتفِ قضاة برفض قرارات الإدارة، بل استند بعضهم إلى تصريحات ترمب نفسه للتشكيك في دوافعها، بينما اتهم آخرون الحكومة بتجاهل أوامر قضائية.
وفي تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، ترصد أمبر فيليبس سلسلة من هذه الانتكاسات، مشيرة إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت خسائر قضائية متلاحقة للإدارة، في قضايا تتعلق بممارسة السلطة التنفيذية وحدودها الدستورية.
وتنقل الصحيفة عن أستاذة القانون بجامعة بالتيمور كيمبرلي ويلي، قولها إن المحاكم الأدنى درجة تؤدي واجبها، وإن كثيرا من هذه القضايا لا ينطوي على غموض قانوني كبير.
لكن المشهد لا يخلو من تعقيدات؛ إذ إن المحكمة العليا الأمريكية تظل عاملا غير محسوم، بعدما أيدت في بعض القضايا خطوات لترمب، بينها إقالة مسؤولين مستقلين وحجب أموال أقرها الكونغرس، بينما تدخلت في قضايا أخرى لوقف قرارات رئاسية.
ولذلك، فإن خسائر الإدارة أمام المحاكم الأدنى لا تعني بالضرورة أن جميع سياساتها ستتعثر في نهاية المطاف، لكنها تكشف أن سلطة الرئيس ليست مطلقة، وأن قراراته تظل خاضعة للطعن والمراجعة القضائية.
ومن أبرز المواجهات قضية حظر دخول بعض المؤسسات الإعلامية إلى البيت الأبيض، فقد قضى قاضٍ بأن ترمب ربما انتهك التعديل الأول للدستور الذي يحمي حرية التعبير والصحافة، عندما منع مراسلي شبكات ومؤسسات إخبارية، بينها "سي إن إن" و"إم إس ناو" و"بوليتيكو" من التغطية الصحفية داخل البيت الأبيض، وأمر القاضي بإعادة السماح لها بالدخول مؤقتا، إلى حين الفصل في جوهر القضية.
ليس له حق تلقائي في منع الصحفيين من التغطيةولفتت نيويورك تايمز إلى أن القاضي، الذي عيّنه ترمب نفسه، استند إلى شكاوى الرئيس المتكررة من التغطية الإعلامية غير المنصفة، معتبرا أنها تشير إلى احتمال أن يكون الحظر مدفوعا باعتبارات سياسية، لا بمخاوف تتعلق بالأمن القومي.
إعلان
وتؤكد القضية أن الخلاف بين الرئيس ووسائل الإعلام لا يمنح الإدارة تلقائيا حق إقصاء المؤسسات الصحفية من تغطية مقر الحكم، وقد استأنفت الإدارة القرار.
وفي قضية أخرى، منعت المحكمة الإدارة من مواصلة ملاحقة الرياضي الأولمبي السابق ديفيد هيرن، الذي اعتُقل بعدما حاول التقاط قطعة من بطانة عائمة في حوض الانعكاس أمام البيت الأبيض، خلال أعمال تجديد أثارت انتقادات بسبب استعجالها وسوء تنفيذها.
وكانت وزارة العدل قد أسقطت القضية بعد أسابيع من توجيه الاتهامات إلى هيرن، قبل أن يصدر قاضٍ في واشنطن هذا الشهر حكما يحول دون إعادة ملاحقته في القضية نفسها، واستند القاضي إلى هجمات ترمب الشخصية على هيرن، محذرا من أن الحكومة لا يحق لها مضاعفة أخطائها السابقة أو إبقاء الرجل تحت تهديد الملاحقة مجددا.
رفض استخدام الأموال العامة في الترويج للرئيسمحاولات ترمب توسيع نفوذه تواجه مقاومة من قضاة ومسؤولين محليين، بل ومن بعض المؤسسات التي يقودها جمهوريون
وامتدت الانتكاسات إلى استخدام الأموال العامة في الترويج للرئيس، فقد أمر قاضٍ فدرالي بوقف إعلانات تلفزيونية مؤيدة لترمب، قُدرت تكلفتها بنحو 20 مليون دولار من أموال أقرها الكونغرس، كان جزء منها مخصصا للنصب التذكارية لضباط قُتلوا أثناء أداء واجبهم.
واعتُبرت الإعلانات موضع شبهة بموجب قانون قديم يحظر استخدام المال العام في الحملات السياسية الصريحة، غير أن الإدارة واصلت بثها بعد ساعات من صدور أمر المنع، مما أثار تساؤلات بشأن مدى التزامها بالتوجيهات القضائية.
وفي ملف آخر، واجهت الإدارة توبيخا حادا بعدما أمرت محكمة بوقف أعمال تمهيدية لإعادة تطوير ملعب غولف عام تاريخي في واشنطن، إلى حين النظر في اعتراضات دعاة حماية المواقع التاريخية والبيئية، لكن الحكومة قطعت مئات الأشجار خلال عطلة نهاية الأسبوع، رغم الأمر القضائي.
ووجهت القاضية آنا رييس انتقادات شديدة للإدارة، متهمة إياها بالتسرع في تنفيذ رغبة ترمب، وبأنها قدمت للمحكمة صورة مضللة عن دراسة الأثر البيئي للمشروع.
ولم تقتصر المواجهة على الصحافة والإنفاق والمشروعات العمرانية، بل شملت أيضا محاولات التأثير في إدارة الانتخابات.
ففي مجلة أتلانتيك، كتبت كوينتا جوريجيتش أن وزارة العدل أخفقت حتى الآن في كسب أي من القضايا التي رفعتها لإجبار الولايات على تسليم سجلات الناخبين إلى الحكومة الفدرالية، فمنذ سبتمبر/أيلول 2025، أقامت الوزارة دعاوى ضد 30 ولاية ومقاطعة كولومبيا، سعيا للحصول على بيانات تتضمن معلومات شخصية حساسة، مثل العناوين وأرقام رخص القيادة وأجزاء من أرقام الضمان الاجتماعي.
خسارة كل القضايا التي بتت فيها المحاكموتقول الإدارة إن الهدف هو كشف تسجيل غير المواطنين للتصويت ومنع التلاعب بالانتخابات، لكن الكاتبة تشير إلى أن التصويت غير القانوني من جانب غير المواطنين نادر للغاية، وأن الولايات أثارت مخاوف بشأن قانونية الطلبات والخصوصية واحتمال استخدام المعلومات لأغراض أخرى، بينها إنفاذ قوانين الهجرة.
كما أن قاعدة البيانات الفدرالية التي أرادت الإدارة الاستعانة بها لم تُصمم أصلا لتكون سجلا شاملا ودقيقا للمواطنة، وقد تتضمن بيانات ناقصة أو غير صحيحة.
إعلان
ووفقا لأتلانتيك، خسرت وزارة العدل 26 قضية أمام المحاكم الابتدائية ولم تحقق انتصارا في أي منها، بينما ظلت قضايا أخرى معلقة.
وشملت الهزائم أحكاما أصدرها قضاة عيّنهم رؤساء جمهوريون، بينهم ترمب نفسه، فضلا عن قضاة عيّنهم ديمقراطيون، وفي أحدث هذه الأحكام، اعتبرت القاضية سباركل سوكنانان أن البرنامج الوطني لجمع سجلات الناخبين غير قانوني.
ورأت محاكم أن القوانين التي استندت إليها الوزارة لا تمنحها الصلاحية المطلوبة، وأنها لم تقدم مبررا كافيا لجمع هذا الكمّ من البيانات الحساسة، كما أثارت أحكام قضائية مخاوف من أن يتحول الطلب إلى بحث مفتوح في سجلات الناخبين من دون تحديد مخالفات واضحة مسبقا.
وتلفت الكاتبة إلى أن بعض الولايات التي وافقت على تسليم سجلاتها واجهت بدورها مشكلات؛ ففي تكساس، صُنّف أكثر من 2500 شخص على أنهم قد يكونون غير مواطنين، قبل أن يتبين أن بعضهم مواطنون أمريكيون يحق لهم التصويت قانونا.
وتبرز هذه القضية، بحسب أتلانتيك، قدرة النظام الانتخابي اللامركزي الذي تديره الولايات والسلطات المحلية، على مقاومة محاولات فرض سيطرة فدرالية أوسع، كما أن جمع البيانات لا يمنح الحكومة تلقائيا سلطة حذف الناخبين من القوائم؛ إذ تفرض القوانين قيودا على عمليات الشطب الجماعي، خصوصا في الفترة السابقة للانتخابات.
معاقبة موظفين لأسباب سياسية
وفي سياق موازٍ، تكشف دعوى جديدة عن صراع داخل المؤسسات الأمنية الفدرالية، فقد أفادت صحيفة ذا هيل بأن 9 عملاء سابقين في مكتب التحقيقات الفدرالي رفعوا دعوى ضد وزارة العدل، متهمين الإدارة بفصلهم بصورة غير قانونية؛ بسبب مشاركتهم في التحقيق المتعلق بوثائق سرية عُثِر عليها في مقر إقامة ترمب بمارالاغو.
ويقول المدعون إن مصيرهم حُسم لمجرد عملهم في التحقيق، وإن فصلهم جرى من دون تحقيق داخلي أو إجراءات تأديبية أو منحهم فرصة للاعتراض.
وتتهم الدعوى الإدارة باستخدام صلاحيات الرئيس الدستورية ذريعة لمعاقبة موظفين لأسباب سياسية، في حين لم يصدر حكم قضائي يحسم هذه الاتهامات بعد.
ويمنح هذا التطور المواجهة القانونية بُعدا إضافيا، يتعلق باستقلال أجهزة إنفاذ القانون وحدود سلطة الرئيس في إدارة المؤسسات الفدرالية.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة أن محاولات ترمب توسيع نفوذه تواجه مقاومة من قضاة ومسؤولين محليين، بل ومن بعض المؤسسات التي يقودها جمهوريون، ومع ذلك لا تعني الأحكام المتتالية أن المعركة حُسمت؛ فالاستئناف والمحكمة العليا قد يغيران مسار بعض القضايا.
إقرأ المزيد


