من التمريض إلى الطب.. مصرية عادت للدراسة في الـ25 وفازت بلقب "الطالبة المثالية"
الجزيرة.نت -

في سن الـ25، قررت المصرية فيفي فتحي العودة إلى الدراسة لتحقيق حلم رافقها منذ الطفولة: أن تصبح طبيبة. كانت تعمل ممرضة وأما لطفلين، لكن مسؤوليات العمل والأسرة لم تمنعها من الالتحاق بالثانوية العامة، ثم بكلية الطب، حيث واصلت تفوقها حتى حصدت لقب "الطالبة المثالية" على مستوى الجامعات المصرية.

حلم بدأ في الطفولة

في قريتها بمحافظة الغربية، بدأ حلم فيفي بالطب خلال المرحلة الابتدائية، حين اعتادت أن تخبر من حولها: "سوف أصبح طبيبة أطفال". أحبت الدراسة والقراءة، ورأت في الطبيب قدوة لها. وتقول للجزيرة نت: "كان الطبيب في نظري شخصا عظيما؛ يذهب إليه الناس مرضى، فيمنحهم الدواء ويصبحون أفضل".

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

لكن الظروف المادية لأسرتها، مع كثرة الإخوة، حالت دون التحاقها بالثانوية العامة، رغم تفوقها في المرحلة الإعدادية، فاتجهت إلى مدرسة التمريض. وتقول: "حصلت على مجموع كبير في الإعدادية، لكن الظروف المادية الصعبة لوالدي حالت دون سلوك الطريق إلى كلية الطب، فالتحقت بمدرسة التمريض".

ومع ذلك، لم تعتبر فيفي أن حلمها انتهى، وظلت تتحدث عن العودة إلى الدراسة، حتى وإن لم تعرف كيف ستفعل ذلك أو متى. وتستعيد تلك الفترة قائلة: "كنت أمازح زملائي وأقول لهم إنه سيأتي يوم وألتحق بالثانوية العامة. لم أكن أعلم متى أو كيف، لكن الأقدار تؤخذ من الأفواه".

فيفي فتحي الطالبة المثالية على مستوى جامعات مصر (حساب سيدات مصر على فيسبوك)
سر "الدعوة" التي غيرت حياتها

التحقت فيفي بمعهد فني صحي، أملا في أن تتمكن لاحقا من الالتحاق بكلية التمريض، لكن الظروف حالت دون ذلك. وتقول: "وقتها قررت السفر إلى السعودية، حيث عملت ممرضة لعامين، وأنجبت هناك طفليّ. وخلال عملي، قابلت سيدة برفقة ابنها المريض الذي كان يحتاج إلى تركيب كانيولا، فاستطعت تركيبها بسهولة من المرة الأولى".

وتتابع: "قالت لي: يا رب تصبحي طبيبة، أنت تستطيعين أن تكوني طبيبة في يوم من الأيام. فأمّنت على دعائها، وطلبت مني أن أتذكرها حين يستجيب الله له. بقيت دعوتها في رأسي حتى عدت إلى مصر، وبدأت أسلك الطريق إلى تحقيقها، رغم أنني لا أعرف حتى اسم تلك السيدة".

إعلان

وفي سن الـ25، التحقت فيفي بالثانوية العامة، لتبدأ التوفيق بين الدراسة والعمل ورعاية طفليها. وتقول: "كان ابني وقتها في الرابعة، وابنتي عمرها سنتان فقط. بدا الأمر صعبا إلى جانب عملي، لكن زوجي شجعني على التجربة، فجمعت بين أعمال البيت والعمل اليومي، ودرست عبر الإنترنت، وحصلت على الثانوية العامة بنظام المنازل، وكنت من بين الأوائل في مدرستي".

ولم تحظ فيفي بكثير من التشجيع خارج البيت، إذ واجهت تساؤلات تشكك في خطوتها وجدواها. وتروي: "كانوا يقولون لي في العمل: ماذا تفعلين؟ وإلى أين ستصلين؟ وكم سيكون عمرك حين تحققين حلمك؟ لكنني ظللت أتلقى الدعم من دائرتي القريبة؛ فقد كانت والدتي، رحمها الله، داعمتي الرئيسية، وكذلك زوجي، الجندي المجهول في قصتي".

وتضيف: "كان يقول لي دائما: نحن راضون بأي نتيجة، المهم أن تكوني أنت راضية عما تفعلينه، ونحن معك وفي ظهرك حتى تصلي إلى ما تريدين. وكان هذا كافيا بالنسبة لي".

فقدت والدتها ليلة أول امتحان بكلية الطب، ثم أدت امتحاناتها لاحقا وحصلت على تقدير امتياز  (الجزيرة)
كلمة السر وراء التفوق

واجهت فيفي عقبات عديدة خلال رحلتها، وتستعيد موقفا شعرت فيه باليأس، فقالت لوالدتها إنها لن تستطيع مواصلة الطريق. وتقول: "ردت عليّ: طالما غيرك استطاع، فأنت أيضا تستطيعين، ما المانع؟ وضعت كلماتها نصب عيني، إلى جانب كلمات جدتي التي كانت تقول لي: الشاطر في شيء شاطر في كل شيء، وإن لم يصل إلى مراده، فسيصل حتما إلى شيء يرضيه".

ساعدتها هذه الكلمات على الصمود في واحدة من أقسى فترات حياتها، حين أصيبت والدتها بورم في المخ، فتضاعفت مسؤولياتها بين الدراسة ورعاية طفليها والاعتناء بأمها. وتقول: "عاهدت نفسي على أن أبذل كل ما أستطيع حتى أصل إلى باب لجنة الامتحان. وحصلت على مجموع 90.7%، وهي نتيجة فاقت توقعاتي، والتحقت بالفعل بكلية الطب البشري في الوادي الجديد".

جمعت فيفي بين العمل ورعاية طفليها والاستعداد للثانوية العامة، وحصلت على مجموع 90.7% (الجزيرة)
رحيل الأم ليلة أول امتحان

اكتملت فرحة فيفي بالالتحاق بكلية الطب مع تعافي والدتها، التي شجعتها على بدء عامها الأول، واستضافت طفليها حتى تتفرغ للدراسة في المحافظة البعيدة. لكن فيفي لم تحتمل ابتعادهما عنها، فاصطحبتهما للإقامة معها.

ثم رحلت والدتها فجأة ليلة امتحانها الأول بكلية الطب، ففاتها ذلك الامتحان والامتحان الذي تلاه. وتقول: "أتاحت لي إدارة الكلية، مشكورة، أداء الامتحانات التي فاتتني في موعد لاحق، وحصلت على تقدير امتياز في ذلك العام، وكذلك في الأعوام التالية".

ومرة أخرى، كان زوجها سندا لها في تجاوز هذه المرحلة. وتقول: "لم أكن لأتمكن من فعل شيء لولا دعمه. حين توفيت والدتي، عاد فورا من السفر، وتولى مسؤولية الأولاد حتى أتممت امتحاناتي، وشجعني على مواصلة التعلم والحياة، مؤكدا أن والدتي ستكون سعيدة بي حين أحقق حلمها".

ومع التحاق ابنها بعامه الدراسي الأول وابنتها بالروضة، أعادت فيفي تنظيم حياتها بما يسمح لها بمتابعة دراستها ورعايتهما، بينما كان زوجها يعمل خارج البلاد. وتقول: "اخترت مدرستيهما، ورتبت السكن بالقرب من الكلية، حتى أكون قريبة منهما طوال الوقت. في الصباح أوصلهما إلى المدرسة، وفي الظهر أذاكر معهما، وفي الليل، بعدما ينامان، أبدأ مذاكرتي. وهكذا توزعت أيامي طوال فترة الدراسة بين الطهي والتنظيف والمذاكرة ورعاية الأولاد".

خصصت فيفي النهار لرعاية طفليها ومتابعة دراستهما، والليل لمذاكرة مقررات الطب (حساب سيدات مصر على فيسبوك)
سبب غريب وراء الترشح للقب "الطالبة المثالية"

في عامها الخامس بالكلية قررت فيفي الترشح لمسابقة الطالبة المثالية، تقول: "لم أفكر لحظة في الترشح لأن متطلبات الطالب المثالي عديدة، لكن ابني الذي ترشح في مدرسته ليصبح طالبا مثاليا سألني لماذا لا أترشح مثله وقال لي: يا ماما أنا شايف حضرتك مثالية، ففكرت أنني أحب القراءة منذ سن العاشرة، وأنني أملك معلومات عامة في مجالات عدة كالتاريخ والفلك والفضاء، وأشارك في الأنشطة الطلابية، وأتطوع لتقديم محاضرات للطلبة في المدارس عن معلومات صحية تفيدهم، فقررت أن أكون قدوة لابني وحصلت على المركز الأول على مستوى الكلية، ثم على مستوى الجامعة، ثم على مستوى الجامعات المصرية".

إعلان

تبلغ فيفي 33 عاما، وتدرس في عامها الخامس بكلية الطب بينما يدرس ابنها في الصف الأول الإعدادي، وابنتها بالصف الخامس الابتدائي: "أقول دائما إن العمر مجرد رقم، وأخبر كل فتاة ألا تنتظر أي شيء، لا دعما ولا مدحا، وأن تصدق نفسها وتفعل ما تشعر أنها تجيده وتحبه أيضا، مهما بدت الآراء قاسية، فالمختلف يبدو غريبا، والسنوات ستفوت في النهاية، لذا فالأفضل أن تفوت ونحن نفعل شيئا يضيف لنا".



إقرأ المزيد