الجزيرة.نت - 10/15/2026 7:56:04 PM - GMT (+3 )
هناك ظروف تقتضي التخلي عن السياسة التقليدية والمواقف المعتادة والالتزامات الأيديولوجية. وفي مثل هذه الظروف، ينبغي الانتقال إلى نهج سياسة الطوارئ.
فعندما تواجه دولة أو أمة أو بلد مخاطر تهدد وجودها أو قدرتها على الصمود أو تنذر بفقدان وظائفها الحيوية، ينبغي لها الانتقال إلى سياسة الطوارئ، تماما كما تُعلن حالة الطوارئ.
وتتيح هذه الاستجابة للدولة أو الأمة البقاء والاستمرار في الحياة، وتمنحها الوقت اللازم لتحسين الظروف.
ويمكن تشبيه ذلك برد فعل عملية الأيض عندما تتعرض الوظائف الحيوية للإنسان للخطر. فإذا تعرض ذراعك أو جزء آخر من جسمك للبتر، وكنت تعاني نزيفا حادا، فإن عملية الأيض لا تنشغل بآلام الظهر أو طنين الأذن أو سيلان الأنف، بل تركز بكل طاقتها على وقف النزيف.
وهذا ما يسمى إعلان عملية الأيض حالة الطوارئ في مواجهة النزيف الحاد. ولا تحدث هذه الاستجابة الضرورية بإرادة الإنسان، بل من خلال التفعيل التلقائي لنظام الدفاع الذاتي في الجسم.
وينطبق الأمر نفسه على الدول والبلدان والأمم. فإذا كان بلدك يتعرض لهجوم، وكنت تخوض معركة من أجل الوجود والبقاء، فلن تنشغل بمشكلاتك الصغيرة أو خلافاتك التقليدية. بل ينبغي لك تجاهل جميع المشكلات الأخرى وإعلان حالة الطوارئ على الفور لإزالة ذلك التهديد، وانتهاج سياسة تتناسب مع هذا الوضع.
ما الدول التي ينبغي أن تنتقل إلى سياسة الطوارئ؟النظام العالمي على وشك الانقلاب رأسا على عقب. فالمنظمات الدولية المسؤولة عن حفظ النظام، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، تفقد وظائفها، ويشهد العالم حاليا حالة من الفوضى الشديدة. وتنهار السياسة الدولية التقليدية والتحالفات والتكتلات، أو تتغير مواقعها
تواجه دول عديدة في العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط التي نعيش فيها، تهديدات تمس أمنها القومي واستقلالها ومستقبلها.
وسأستعرض بعض هذه التهديدات:
1. التهديد الإسرائيلي
إعلان
إذا كانت إسرائيل قد هاجمت 6 دول حتى الآن، فهذا يعني أنها قد تهاجم دولا أخرى في المستقبل. فإسرائيل دولة لا تتحرك وفق السياسة الواقعية، بل وفق تفكير ديني سياسي، ودافعها الأساسي هو تحقيق حلم "أرض الميعاد". ولم يعد هذا المشروع أمرا سريا، بل أصبح يشكل أساس السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية الإسرائيلية.
ولهذا السبب، تخطط إسرائيل لاحتلال أراضي دول أخرى من أجل تحقيق حلم "أرض الميعاد". وهذه الدول هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين وتركيا والسعودية ومصر والعراق.
وقد احتلت إسرائيل بالفعل فلسطين بالكامل تقريبا، وأجزاء من سوريا. وبما أنها ستواصل ذلك، فإن الدول الأخرى الواقعة ضمن هذه الخريطة تواجه خطرا وجوديا. وإذا كنت تواجه خطرا يهدد حياتك، فعليك تنحية مشكلاتك الصغيرة وخلافاتك التقليدية جانبا، والتركيز على المشكلة الحادة التي تواجهك.
2. النظام العالمي الفوضوي
النظام العالمي على وشك الانقلاب رأسا على عقب. فالمنظمات الدولية المسؤولة عن حفظ النظام، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، تفقد وظائفها، ويشهد العالم حاليا حالة من الفوضى الشديدة. وتنهار السياسة الدولية التقليدية والتحالفات والتكتلات، أو تتغير مواقعها.
ولم يكن أحد في المعسكر الأطلسي يتصور أن تصل الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى هذا الحد، أو أن تشن إحداهما هجمات اقتصادية على الأخرى، لكن هذا ما يحدث الآن.
وفي أوراسيا، تجد دول المنطقة نفسها حائرة بشأن السياسات التي ينبغي اتباعها في مواجهة القوة الصينية الصاعدة. ولا يستطيع أحد التنبؤ بأين ستتوقف الحرب الروسية الأوكرانية، أو بكيفية امتداد الدمار الناجم عنها.
أما أفريقيا، فبينما تتخلص من القوى الاستعمارية التقليدية، تنزلق في الوقت نفسه إلى صراعات داخلية، من دون أن تكون لديها فكرة عن كيفية وقفها.
وفي الشرق الأوسط، كما تعلمون، لا يمكن التنبؤ بالدوامة التي قد يدخلها الإقليم نتيجة الصراع في اليمن.
وباختصار، فقد تغيرت موازين الأمور في العالم كله، وفاضت الأنهار، وشهدت البحار حالات من المد والجزر، وكل ذلك يؤدي إلى خسائر في الأرواح وتغيرات جغرافية وحالة من الفوضى العميقة.
3. انتشار الهيمنة الرقمية
قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي، وما تلاها من ذكاء اصطناعي، أكثر اختراعات البشرية ضررا بعد القنبلة الذرية. فوسائل التواصل الاجتماعي تشكل حاليا الأساس الذهني والنفسي للنظام العالمي الفوضوي.
وبعد أن دمرت شركات التواصل الاجتماعي قنوات الاتصال التقليدية وأنشأت أنظمة الاتصال الخاصة بها، بدأت الآن تستخدم هذه القوة لإقامة نظام قائم على الهيمنة.
لم نشعر بعد بالحجم الكامل للأضرار التي لحقت بالاقتصادات جراء ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية والأزمات في مضيقي هرمز وباب المندب. فارتفاع التكاليف والتضخم الناتج عنه يؤديان إلى تدهور مباشر في حياة كل فرد
واليوم، أصبحت التركيبة الجينية الرقمية لجميع مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، ولجميع الشركات تقريبا، بما فيها المؤسسات الحكومية، في أيدي دولة أخرى. وتتحكم بضع شركات في اتصالات جميع الأمم التي تتحدث مئات اللغات المختلفة حول العالم. ومن خلال هذه السيطرة، يمكن توجيه جماهير واسعة والتلاعب بها وخداعها حسب الرغبة.
إعلان
واليوم، فإن جميع شركات الأمن السيبراني تقريبا، التي تؤدي دور قفل باب المنزل بالنسبة إلينا، هي شركات أمريكية أو إسرائيلية أو صينية.
ويأتي ضياع الحقيقة في مقدمة الأضرار التي تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي حتى إلى اندلاع صراعات كبيرة وحالات فوضى وحروب. ويشكل انتشار الأخبار الكاذبة بسرعة تفوق سرعة انتشار الأخبار الصحيحة بعشرة أضعاف، ووصولها قبلها، واستحالة التراجع عن آثارها، خطرا كبيرا على البشرية.
وبينما لم تتمكن البشرية بعد من التعامل مع جميع هذه المشكلات، وجدت نفسها أمام خطر الذكاء الاصطناعي أيضا. فحتى أصحاب أكبر الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي في العالم باتوا يقولون إن البشرية تواجه خطر الفناء. وأصبحت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة ذاتيا تشن هجمات من تلقاء نفسها على البنى التحتية لشركات ودول أخرى، وتستطيع السيطرة عليها.
وفي تركيا، بدأت بعض المؤسسات الإستراتيجية حظر دخول السيارات الكهربائية والأجهزة المزودة بالذكاء الاصطناعي إلى مقارها. كما تستعد لحظر استخدام جميع البرامج الأجنبية داخل المؤسسات الحكومية، من خلال تطوير برامج الأمن السيبراني الخاصة بها.
وفي أوروبا، تدور نقاشات مكثفة بشأن وضع لوائح تنظيمية صارمة في مجالات وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وجميع هذه المسائل تهدد بصورة مباشرة الأمن القومي للدول ومستقبل الشعوب والأمم. ألا يستدعي ذلك إعلان حالة الطوارئ؟
4. الأزمة الاقتصادية
لم نشعر بعد بالحجم الكامل للأضرار التي لحقت بالاقتصادات جراء ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية والأزمات في مضيقي هرمز وباب المندب. فارتفاع التكاليف والتضخم الناتج عنه يؤديان إلى تدهور مباشر في حياة كل فرد.
ورغم أن الحكومات التي تدير الدول تحاول حاليا منع انعكاس هذه التكاليف على المواطنين من خلال الدعم المالي، فإن المدة التي يمكنها الصمود خلالها غير معروفة. ولا ينبغي أن يتفاجأ أحد إذا وصلت الدول، مثل الشركات، بعد فترة إلى مرحلة تعجز فيها عن سداد ديونها وتطلب إجراء تسوية قضائية مع دائنيها. فأزمات الطاقة تؤثر بصورة مباشرة في جميع القطاعات، من الإبر إلى السيارات، ولا يوجد بديل آخر للطاقة.
أصبح العالم على وشك الدخول في أزمة اقتصادية حادة أو مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية. وفي ظل أزمة اقتصادية كهذه، قد لا تتمكن دول كثيرة من الحفاظ على وجودها أو مواصلة وظائفها الحيوية. ولهذا السبب، ينبغي لها الانتقال إلى سياسة الطوارئ
ولا تقتصر المشكلة على الطاقة وحدها، بل إن التحولات الجذرية في مواقع مراكز الإنتاج أخلت أيضا بالتوازن الاقتصادي. فقد أدت القدرات الإنتاجية للصين إلى وقوع كثير من دول العالم في حالة من الاعتماد عليها، دون أن تجد بديلا لذلك.
وفي أوروبا، تتجه جميع مراكز الإنتاج، بما فيها مصانع السيارات والمنشآت المنتجة للمعدات الصناعية، إلى تقليص أعمالها أو إغلاقها في مواجهة التهديد الصيني، دون أن تتمكن من إيجاد حل.
أما انعدام العدالة في توزيع الدخل، فيضاعف تأثير جميع هذه المشكلات. فقد تجاوزت ثروات عدد قليل من أغنى الأشخاص في العالم إجمالي الدخل القومي لعشرات الدول. وتتسع هذه الفجوة غير المعقولة باستمرار.
باختصار، أصبح العالم على وشك الدخول في أزمة اقتصادية حادة أو مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية. وفي ظل أزمة اقتصادية كهذه، قد لا تتمكن دول كثيرة من الحفاظ على وجودها أو مواصلة وظائفها الحيوية. ولهذا السبب، ينبغي لها الانتقال إلى سياسة الطوارئ.
5- صعود الأيديولوجيات المتطرفة
توشك أوروبا وأمريكا وإسرائيل على الانجراف نحو اتجاه آخر مع صعود اليمين المتطرف. وتشير التوقعات إلى أن أحزاب اليمين المتطرف، أي الأحزاب المعادية للأجانب والعنصرية والمعادية للإسلام والداعية إلى الانغلاق على الذات، قد تصل إلى السلطة في جميع الدول الأوروبية تقريبا خلال السنوات العشر المقبلة.
إعلان
وهناك زيادة ملحوظة في المظاهرات وأعمال العنف والهجمات. وللأسف، قد تشهد الأجيال المقبلة في أوروبا، التي يعيش فيها 30 مليون مسلم، موجة من التهجير القسري شبيهة بما حدث في الأندلس.
وفي إسرائيل، تؤدي الأحزاب اليمينية المتطرفة دورا محوريا في كل من السلطة والمعارضة.
أما في الدول المسلمة، فكلما ازدادت المشكلات التي تعاني منها المجتمعات وعجزت عن حلها، اتجهت نحو الأيديولوجيات والجماعات المتطرفة والأحزاب المؤيدة للتشدد.
كيف تُمارس سياسة الطوارئ؟إذا أخذنا جميع ما ذكرته في الاعتبار، فإن على كل دولة وبلد وأمة، بل حتى الأفراد، أن يقلق كل منها بشأن مستقبله، وأن يضع خارطة طريق جديدة بناء على ذلك. وهذا ما يسمى سياسة الطوارئ.
والقاعدة الأولى لمواجهة هذه المشكلات الخطيرة هي عدم إهدار الطاقة والقوة والموارد في أمور أخرى. فليس هذا وقت الصراعات المذهبية، ولا النقاشات الأيديولوجية، ولا الخلافات التاريخية غير المنطقية، ولا النزاعات العقيمة. وحتى إذا كانت لديك خلافات تقليدية مع دولة أو أمة أو أيديولوجية، فعليك تأجيلها ما دامت لا تندرج ضمن الأزمات التي ذكرتها.
والآن، سأكتب بصورة أكثر وضوحا: ضعوا هذه الأزمات على الطاولة، ثم فكروا فيما يلي:
- فكروا في التصعيد في اليمن.
- فكروا في خلاف إيران مع دول الخليج.
- فكروا في التنافس بين تركيا وإيران.
- فكروا في الصراع بين باكستان وأفغانستان.
- فكروا في الحروب الأهلية في الصومال والسودان وإثيوبيا.
ألا تبدو لكم جميع هذه الصراعات بلا معنى أيضا، إذا فكرتم في المشكلات الحادة التي نواجهها حاليا؟
ولهذا أقول إن علينا التخلص من هذه الأزمات التي لا معنى لها، والانتقال إلى "سياسة الطوارئ".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


