الجزيرة.نت - 10/15/2026 7:55:59 PM - GMT (+3 )
لم تعد أزمة تكاليف المعيشة في أمريكا مجرد عبء يومي تتحمله الأسر أمام رفوف المتاجر ومحطات الوقود، بل تحولت إلى اختبار سياسي مباشر للرئيس دونالد ترمب وحزبه الجمهوري، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وبينما تتصاعد الأسعار وتتراجع القوة الشرائية، تتسع الفجوة بين وعود الرئيس بتحقيق الرخاء وشعور قطاعات من الأمريكيين بأن أوضاعهم المعيشية تزداد سوءا.
وفي تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، ربطت الصحفية جيس بيدغود بين أحدث بيانات التضخم وتفاقم القلق داخل الحزب الجمهوري، مشيرة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 3.7% خلال عام، في وقت أصبحت فيه القدرة على تحمل تكاليف الحياة القضية التي قد تحسم الانتخابات.
وجاءت هذه الأرقام قبل أسابيع قليلة من الاقتراع، لتمنح الديمقراطيين فرصة جديدة لتحميل ترمب مسؤولية الضغوط الاقتصادية التي تواجه الناخبين.
وتزداد حساسية هذه التطورات لأن ترمب عاد إلى البيت الأبيض عام 2024 مستفيدا من استياء الناخبين من ارتفاع الأسعار خلال إدارة جو بايدن، متعهدا بجعل أمريكا أكثر قدرة على تحمل تكاليف المعيشة، بل قال إنه فاز بفضل قضية أسعار البقالة.
لكن ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود يضع هذا التعهد اليوم أمام اختبار صعب، ويهدد بتقويض إحدى أهم نقاط القوة التي استند إليها الجمهوريون في الانتخابات السابقة.
تقدم الشهادات التي جمعتها نيويورك تايمز من ناخبين صوتوا لترمب في ولايات تشهد منافسات حاسمة على مقاعد مجلس الشيوخ صورة واضحة للتحدي، ففي ولاية أيوا قال جيسي حكيزيمانا، وهو صاحب شركة ومهاجر من رواندا، إنه لم يعد يتسوق بالطريقة نفسها، وأصبح يبحث عن القسائم والخصومات بعدما كان يشتري احتياجات أسرته من دون التفكير فيها كثيرا، وأضاف أنه لا يستطيع القول إنه نادم على تصويته لترمب، لكن النتائج حتى الآن لا تبعث على التفاؤل.
إعلان
أما أنجل هارتمير، وهي أم عزباء لثلاثة أطفال تعمل في محطة وقود ورعاية الأطفال بولاية أوهايو، فقالت إنها شعرت بخيبة أمل لأنها كانت تتوقع أن تتغير الأوضاع بعد انتخاب ترمب، وكانت انتخابات 2024 أول مرة تدلي فيها بصوتها، لكنها باتت غير متأكدة مما ستفعله في انتخابات التجديد النصفي.
ولا تعني هذه الشهادات أن الناخبين الذين تضرروا من الغلاء سيتحولون تلقائيا إلى الديمقراطيين، فبعض مؤيدي ترمب ما زالوا يفضلون الجمهوريين لأسباب تتعلق بالإجهاض والقضايا الثقافية أو الأمن القومي، فيما يحمّل آخرون الإدارة السابقة جزءا من المسؤولية، ويعتقدون أن ارتفاع الأسعار المرتبط بالحرب مع إيران يمثل كلفة مؤقتة لحماية البلاد.
الحرب والتضخمأنجل هارتمير، وهي أم عزباء لثلاثة أطفال تعمل في محطة وقود ورعاية الأطفال بولاية أوهايو، قالت إنها شعرت بخيبة أمل لأنها كانت تتوقع أن تتغير الأوضاع بعد انتخاب ترمب
لكن هذه الانقسامات تكشف أن الولاء السياسي لم يعد كافيا بالضرورة لحجب الضغوط المعيشية، فالناخب الذي يواجه صعوبة في شراء الغذاء أو دفع فواتير الوقود قد يظل مؤيدا لترمب في قضايا أخرى، لكنه يصبح أقل استعدادا لمنح حزبه تفويضا انتخابيا جديدا.
وفقا لنيويورك تايمز، ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 2.5% خلال 12 شهرا الماضية، فيما زادت أسعار الفواكه والخضراوات بنسبة 3.7%، والمشروبات غير الكحولية والمواد المرتبطة بها بنسبة 3.8%، والمنتجات المصنوعة من الحبوب والمخبوزات بنسبة 2.1%.
وتتجاوز المشكلة أسعار السلع نفسها، إذ أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل، مما زاد تكاليف نقل البضائع وألقى بأعباء إضافية على الشركات والمستهلكين.
وتظهر آثار الوقود في سلسلة واسعة من الأنشطة، من نقل المواد الغذائية إلى تدفئة المنازل وتشغيل الأعمال، لتصبح الزيادة عبئا متكررا يلاحق الأسر في تفاصيل حياتها اليومية.
وتشير الصحيفة إلى أن نحو نصف الأمريكيين يواجهون صعوبات في دفع تكاليف الاحتياجات الأساسية، بينما لم تواكب الأجور ارتفاع الأسعار بما يكفي لتحسين القدرة الشرائية، وبذلك لا تتعلق المشكلة فقط بمعدل التضخم، بل أيضا بما يستطيع الأمريكيون شراءه فعليا من دخولهم.
المناطق الريفيةوفي مجلة أتلانتيك، ترسم الصحفية إيفون وينغيت سانشيز صورة أكثر قسوة من المناطق الريفية في ولاية أريزونا، حيث لم يعد بعض السكان قادرين على توفير الطعام لأسرهم، رغم أن كثيرا منهم يعملون أو كانوا في السابق يقدمون التبرعات لبنوك الطعام.
وتروي سانشيز قصة كاندي سوتو، وهي متقاعدة تبلغ 66 عاما، اضطرت إلى طلب المساعدة الغذائية بعدما توقف زوجها عن العمل إثر إصابة في رقبته، وعجز دخل الأسرة المحدود عن مواكبة ارتفاع الأسعار.
وكانت سوتو قد صوتت لترمب على أمل أن يفي بوعده بجعل أمريكا أكثر قدرة على تحمل تكاليف المعيشة، لكنها باتت تتساءل عن الفارق بين حديث الرئيس عن ازدهار الاقتصاد والواقع الذي تعيشه.
وتقول المجلة إن أريزونا شهدت أيضا تزايد الاعتماد على بنوك الطعام، إذ ارتفع متوسط عدد المستفيدين شهريا من نحو 626 ألفا و881 شخصا في عام 2024 إلى نحو 786 ألفا و366 شخصا خلال العام الحالي.
إعلان
وتربط سانشيز تفاقم الحاجة إلى المساعدات بارتفاع النفقات وبالتغييرات التي أدخلها قانون ترمب الضريبي والإنفاقي على شروط الحصول على المساعدات الغذائية.
وتشير حالات أخرى إلى أن بعض الأسر فقدت مئات الدولارات شهريا من إعانات الغذاء، مما دفعها إلى تقليص مشترياتها والاعتماد على وجبات رخيصة، بل ومبادلة الخدمات لتغطية احتياجاتها. وهكذا تصبح الأزمة أبعد من مجرد أرقام اقتصادية، إنها تمس نوعية الغذاء وصحة الأطفال وقدرة الأسر على الاحتفاظ بحد أدنى من الاستقرار.
سياسيا، يسعى الديمقراطيون إلى ربط الضغوط الاقتصادية مباشرة بقرارات ترمب، وفي مقدمتها الحرب مع إيران والسياسات الجمركية.
ونقلت نيويورك تايمز عن مرشحين ديمقراطيين استخدامهم إعلانات انتخابية تتهم الجمهوريين بدعم سياسات تزيد تكاليف الوقود والسلع، فيما حمّل وزير النقل السابق بيت بوتيغيغ الرئيس مسؤولية التضخم، عازيا إياه إلى الحرب والرسوم الجمركية والتخفيضات الضريبية للشركات.
وتشير استطلاعات أوردتها الصحيفة إلى أن 61% من الناخبين في خمس ولايات تميل إلى الجمهوريين لا يوافقون على طريقة تعامل ترمب مع الاقتصاد، مقابل 38% يؤيدونها، كما أظهر استطلاع آخر تفوق الديمقراطيين على الجمهوريين في ثقة الناخبين بقدرتهم على إدارة الاقتصاد والتعامل مع تكاليف المعيشة.
وفي تحليل نشرته صحيفة واشنطن بوست ، تقول أمبر فيليبس إن الديمقراطيين يقتربون من استعادة الأغلبية في مجلس النواب، إذ يحتاجون إلى كسب ثلاثة مقاعد صافية فقط، وترى أن البيئة السياسية الراهنة تصب في مصلحتهم، مع انخفاض شعبية ترمب وارتفاع الأسعار، لافتة إلى أن استطلاعا لرويترز أظهر أن 78% من الناخبين يحمّلون إدارة ترمب مسؤولية ارتفاع التكاليف.
وتواجه هذه المؤشرات الجمهوريين في وقت تحاول فيه حملاتهم الدفاع عن مقاعدها، رغم ضخ مئات الملايين من الدولارات في السباقات الانتخابية.
وتوضح صحيفة وول ستريت جورنال -في تقرير لسابرينا رودريغيز وأوليفيا بيبرز- أن الجمهوريين يوسعون إنفاقهم الإعلاني ويستعينون بترمب ونائبه جيه دي فانس لحشد الناخبين، بينما يوسّع الديمقراطيون نطاق الولايات والدوائر التي يأملون الفوز بها.
الأموال لا تغير توجهات الناخبين
ووفق التقرير، يتقدم الديمقراطيون في خريطة المنافسة على مجلس النواب، فيما تبدو عدة سباقات لمجلس الشيوخ متقاربة للغاية، لكن ضخ الأموال لا يضمن تغيير اتجاهات الناخبين؛ إذ لم تُظهر استطلاعات بعض المنافسات الرئيسية تحولا كبيرا رغم الإنفاق الجمهوري المكثف.
ولا تزال أمام الجمهوريين عوامل قد تحد من خسائرهم، من بينها إعادة رسم بعض الدوائر الانتخابية لمصلحتهم، وقدرة المرشحين المحليين على فصل حملاتهم عن الأداء العام للرئيس، كما أن الديمقراطيين لا يتمتعون بشعبية واسعة في كل مكان، وقد يستغل الجمهوريون مواقف بعض مرشحيهم التقدمية لتصوير الحزب بوصفه بعيدا عن الوسط السياسي.
اختبار يتجاوز انتخابات نوفمبرتظل النتيجة الانتخابية غير محسومة، لكن القلق الجمهوري يعكس إدراكا متزايدا بأن المال الانتخابي والتعبئة الحزبية قد لا يكفيان لتعويض تراجع الثقة الاقتصادية. فالرئيس الذي جعل خفض تكاليف المعيشة وعدا مركزيا في حملته يواجه الآن ناخبين يقيسون نجاحه بما يبقى في محافظهم وما يستطيعون وضعه على موائد أسرهم.
وإذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب، فلن يعني ذلك بالضرورة قدرتهم على تمرير تشريعات واسعة، لكنه سيمنحهم سلطة التحقيق والاستدعاء والرقابة على الإدارة، فضلا عن منصة سياسية مهمة استعدادا لانتخابات الرئاسة عام 2028.
في النهاية، لا يدور الصراع الانتخابي حول الأسعار بوصفها مؤشرا اقتصاديا مجردا، بل حول الثقة والوفاء بالوعود.
إعلان
وبينما يتحدث ترمب عن عودة الحلم الأمريكي، يجد بعض مؤيديه السابقين أنفسهم أمام خيارات يومية صعبة لتأمين الغذاء والوقود والسكن.
وقد يكون الفارق بين ما تعد به الإدارة وما يعيشه هؤلاء الناخبون هو العامل الذي يحدد إن كان الجمهوريون سيحتفظون بأغلبيتهم، أم أن الغلاء سيحوّل موائد الأمريكيين إلى نقطة انطلاق لتغيير موازين القوة في واشنطن.
المصدر: أتلانتك + نيويورك تايمز + واشنطن بوست + وول ستريت جورنال
إقرأ المزيد


