الجزيرة.نت - 10/15/2026 8:50:54 AM - GMT (+3 )
Published On 15/10/2026
روى الصحفي الأمريكي بن تاوب كيف قضى أشهرا وهو في الثانية والعشرين من عمره في بلدة كيليس التركية على الحدود السورية عام 2013، ليتعلم كيف يعمل الصحفيون في مناطق الحرب. وهناك اكتشف أن البطل الذي احتفت به الصحافة الغربية قد لا يكون أكثر من أسطورة صنعها صاحبها.
جاء ذلك في مقال مطوّل نشرته مجلة "نيو يوركر" الأمريكية الاثنين الماضي، كتبه بن تاوب الكاتب في المجلة نفسها والحائز على جائزة بوليتزر للكتابة الصحفية عام 2020. ويستعيد فيه تجربته الأولى في الاقتراب من الحرب السورية، ويقرأ ما جرى في سوريا منذ ذلك الحين.
يقول تاوب إنه أخذ سنة استراحة من دراسته الجامعية ليقرر هل يحترف الموسيقى أم الصحافة. ولم يكن يعتزم دخول سوريا، بل لقاء مراسلي الحرب عند خروجهم ودخولهم منها، ليفهم التحديات الأخلاقية واللوجيستية للعمل الصحفي في المناطق الملتهبة.
وأوضح أن أحد أساتذته في الصحافة زوّده بأرقام وعناوين لأشخاص في كيليس، آخر بلدة تركية على الطريق إلى حلب. وهناك نزل في "فندق إسطنبول" المتهالك، الذي كان يؤوي صحفيين مستقلين وسياحا يبحثون عن مغامرة الحرب ومقاتلين وجواسيس، حتى وصفته مجلة ألمانية بأنه "فندق الجنون".
ويوضح الكاتب أن سيطرة المعارضة على المعابر الحدودية جعلت دخول سوريا متاحا لأي صحفي مستقل أو عامل إغاثة أو مقاتل يطير إلى تركيا ثم يعبر الحدود سيرا.
كان موعد تاوب الأول مع ناشط سوري يدعى أحمد ويعرف بلقب "هارفستر" أي "الحاصد". وقد قدمته صحف غربية بوصفه مهندس برمجيات وقرصانا يقود مجموعة مناهضة للنظام تسمى "قراصنة حلب"، ويطور روبوتا لإنقاذ الجرحى من مرمى القناصة.
ونقلت تلك الصحف عنه أنه اعتُقل وعذب على يد أجهزة النظام، وأنه اخترق قناة تلفزيونية موالية مرات عدة، وصدر بحقه حكمان غيابيان بالإعدام. لكن الرجل الذي التقاه تاوب كان يرتدي بدلة سوداء ونظارة عاكسة ويتجول ومعه "حارس شخصي"، ويسكن غرفة ضيقة بلا حمام في الفندق نفسه.
إعلان
ويقول الكاتب إن أحمد كان يعمل وسيطا بين الصحفيين والمرافقين المحليين في سوريا مقابل 50 دولارا. وكان يفاخر بأنه أدخل 87 شخصا إلى سوريا وأخرجهم سالمين.
ويضيف أن الإنترنت في الفندق كان ضعيفا إلى حد أن إرسال رسالة بريد إلكتروني يستغرق دقائق. أما "النموذج الأولي" لروبوت أحمد فلم يكن سوى سيارة لعبة بأسلاك مكشوفة وكماشة لا تعمل.
حين يقرر الصحفي ألا يذهبيقول تاوب إن قائدا في الجيش السوري الحر عرض عليه أن يصطحبه إلى حلب، لكنه رفض. ويضيف أنه تخيل أُما في حلب تبوح له بمأساتها ظنا منها أنه سيوصل صوتها إلى العالم، ثم لا يستطيع أن يكتب قصتها كما تستحق.
ويشير في مقاله إلى أن عمليات خطف الصحفيين بدأت تتصاعد في مناطق المعارضة، فتوقف المراسلون المخضرمون عن المجيء. وصارت الحرب في سوريا حرب الصحفيين المستقلين، وأغلب من بقي فيها صحفيون شبان بلا خبرة ولا مؤسسات تسندهم.
ويضيف أنه عبر الحدود مرة واحدة إلى مخيم للنازحين في باب السلامة، وظلت في ذهنه نصيحة أستاذته: "فكّر فيمن سيعقد المؤتمر الصحفي الذي يعلن فيه اختطافك". وهناك التقى شخصا اسمه أسعد حمد، كانت زوجته بحاجة ماسة إلى جراحة في القلب، والذي أخبره أن السلطات التركية منعتهما من العبور.
وكتب تاوب قصة الزوجين على أمل أن يفتح النشر لهما الأبواب، فردت أستاذته بأن هناك آلاف القصص المشابهة، وأن لا أحد قادم للإنقاذ. وبعد أيام علم أن الزوجة توفيت.
اختطاف الصحفي سوتلوفحين عاد تاوب إلى كيليس في صيف 2013 كان قد جرى الإعلان عن تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية، وتصاعد خطف الصحفيين وعمال الإغاثة. ويقول إن عناصر من التنظيم كانوا يراقبون الغربيين في البلدة، ويبلغون رفاقهم عبر الحدود حين يغادر أحدهم الفندق حاملا سترة واقية وخوذة.
وفي تلك الفترة التقى الصحفي الأمريكي ستيفن سوتلوف الذي كان في طريقه إلى حلب. ونصحه تاوب بتجنب مرافق محلي اسمه يوسف لأن التنظيم كشفه، لكن سوتلوف اختُطف مع يوسف بعد 10 دقائق من عبور الحدود.
عدت إلى كيليس عام 2023، ووجدت بلالا يملك متجرا للحواسيب وشبكة إنترنت محلية. أما موظفو فندق إسطنبول، الذي قضيت فيه أكثر أشهر مسيرتي تأثيرا، فلم يتذكرني أحد منهم.
بواسطة بن توب
ويروي الكاتب أنه اكتشف لاحقا أن رسائله إلى سوتلوف على فيسبوك قرأها شخص بعد الاختطاف، ما يعني أن الخاطفين ربما عرفوا رقم غرفته في الفندق. وفي اليوم نفسه حاول رجل بريطاني يدعي أنه طبيب استدراجه إلى شاحنة قرب المقهى، فرفض وغادر البلدة.
وبعد عام بث التنظيم مقطع إعدام سوتلوف، ويقول تاوب إنه شاهد المقطع في أسبوعه الأول في كلية الصحافة، ثم دخل قاعة الدرس باكيا.
سقوط الأسطورةيكشف الكاتب أن مقربين من أحمد الشهير بلقب "هارفستر" أخبروه أنه محتال، اعتاد أخذ المال من نساء في منتصف العمر تعرف عليهن عبر الإنترنت. ويروي أن امرأتين كنديتين اكتشفتا أنه خدعهما بالطريقة نفسها، وأن إحداهما أرسلت له نحو 10 آلاف دولار.
ويضيف أن أحمد تزوج امرأة فرنسية في الثانية والخمسين من عمرها تعرف عليها في مجموعة مؤيدة للثورة السورية على فيسبوك، وأقنعها باستثمار آلاف اليوروهات في الروبوت، وانتقل معها إلى فرنسا عام 2014 بجواز سفر سوري اشتراه من السوق السوداء.
إعلان
ويقول تاوب إن بلال، الفني السوري الذي عمل مع أحمد، أكد له أن فكرة الروبوت كانت فكرته هو بعد أن قتل قناص قريبا لزوجته، وأنه لم يعرف قط أين ذهبت أموال التبرعات. وأكد بلال وشقيق أحمد أن أحدا من العائلة لم يعتقل أو يعذب، وأن أحمد لم يخترق أي قناة تلفزيونية.
ويضيف الكاتب أن "قراصنة حلب" لم تكن موجودة إلا في تصريحات أحمد للصحافة الغربية، التي استشهد بها معهد أوروبي كبير للأبحاث الدفاعية، أما أحمد فما زال يصر على أن روايته صحيحة.
يختم تاوب مقاله بتفاصيل عودته إلى كيليس عام 2023. فقد صار بلال يملك متجرا للحواسيب وشبكة إنترنت محلية يعرفها أهل البلدة باسمه. أما موظفو فندق إسطنبول، الذي قضى فيه أكثر أشهر مسيرته تأثيرا، فلم يتذكره أحد منهم.
إقرأ المزيد


