الجزيرة.نت - 10/14/2026 10:46:55 PM - GMT (+3 )
يصل فيلم "مطلوب عائليا" إلى دور العرض في توقيت غريب نسبيا؛ فالفيلم خرج إلى الجمهور في أكتوبر/تشرين الأول، بعد انحسار موسم الصيف السينمائي تقريبا، وقد أخذ الجمهور فرصته في مشاهدة عدد من الأفلام المصرية التي تنافست خلال الأشهر الماضية.
تجاريا، قد يبدو هذا التوقيت أقل حظا لفيلم جديد، بعد أن هدأت ذروة الموسم وتراجعت حالة الترقب المصاحبة للأفلام الجماهيرية. لكن المفارقة أن ابتعاده عن زحام الموسم قد يكون في مصلحته أيضا؛ فالمشاهد يدخل إلى تجربة جديدة بعين أقل انشغالا بالمقارنة، وربما بقدر أكبر من الرغبة في اكتشاف ما يقدمه الفيلم نفسه.
"مطلوب عائليا" هو أحدث أفلام كريم عبد العزيز، ويجمعه مجددا بياسمين صبري بعد تعاونهما في "المشروع X". الفيلم من إخراج معتز التوني وتأليف شريف الليثي، ويشارك في بطولته مصطفى خاطر، إلى جانب عدد من الفنانين وضيوف الشرف.
ويأتي العمل في مساحة مختلفة نسبيا عن أفلام الأكشن التي ارتبط بها كريم عبد العزيز خلال السنوات الأخيرة، إذ يحاول الجمع بين الكوميديا الاجتماعية والمغامرة.
ثلاثة أفلام داخل فيلم واحدنتعرف في "مطلوب عائليا" على فاروق (كريم عبد العزيز)، وهو مدير سوبر ماركت كبير وناجح في عمله، لكنه بعيد عن تفاصيل حياة أسرته الصغيرة المكونة من زوجته مي (ياسمين صبري) وابنه وابنته.
يرى فاروق أن مسؤوليته الأساسية تجاه عائلته هي أن يوفر لها الاستقرار المادي والاجتماعي، حتى لو جاء ذلك على حساب حضوره داخل البيت، وهو ما لا تراه مي بالطريقة نفسها.
يختل هذا التوازن مع انتقال جلال (مصطفى خاطر)، شقيق مي، للإقامة معهما، وحين يحاول فاروق التخلص من وجوده يجد نفسه داخل سلسلة من الأزمات والمغامرات التي لم يكن مستعدا لها.
من هذه النقطة، يحاول الفيلم التحرك بين أكثر من نوع سينمائي: الكوميديا العائلية، والدراما، والأكشن. والمزج بين الأنواع ليس مشكلة في حد ذاته؛ فتاريخ السينما مليء بأفلام استطاعت أن تجعل الكوميديا جزءا من الأكشن، أو أن تستخرج التشويق من العلاقات الاجتماعية.
إعلان
المشكلة في "مطلوب عائليا" أن هذه الأنواع لا تتحرك في مسار القصة بسلاسة، ويظهر الانفصال بوضوح في الانتقالات الحادة بينها، فبعد مغامرة كبيرة في ماليزيا، ينتقل الفيلم سريعا إلى أغنية عن حب الأسرة، وكأننا انتقلنا من فيلم إلى آخر من دون جسر درامي يصل بينهما، ومن مشهد درامي حزين نجد أنفسنا أمام لقطة كوميدية قصيرة، وهكذا.
يبدو "مطلوب عائليا" أحيانا كأنه ثلاثة أفلام قصيرة وُضعت داخل فيلم واحد، من دون أن يُمنح أي منها الوقت الكافي لكي يكتمل، وذلك لغياب البناء الذي يجعل الأنواع المختلفة تنتمي إلى الحكاية ذاتها، مما أدى إلى إخفاقه في تقديم كوميديا مضحكة، أو مغامرة مختلفة عن "حرامية في تايلند" أو أي فيلم مغامرات خفيف آخر لكريم عبد العزيز، أو تحليل العلاقات الأسرية في العصر الحديث.
عندما تختفي الشخصيات خلف الممثلينمن كبرى مشكلات "مطلوب عائليا" أن الارتباك في البناء لا يتوقف عند الحبكة، وإنما يمتد إلى الشخصيات نفسها. فحتى عندما نعرف المعلومات الأساسية عن الشخصيات، يصعب أن نشعر بأنها تمتلك دوافع وملامح وقاموسا خاصا يجعلها قابلة للحياة بعيدا عن الممثل الذي يؤديها.
وحين لا تمنح الكتابة الشخصية ما يكفي من التفاصيل، يجد الممثل نفسه مضطرا إلى ملء هذا الفراغ من مخزونه السابق، فتتحول الشخصية الجديدة إلى نسخة من شخصيات قديمة يعرفها الجمهور.
هذا واضح خصوصا مع كريم عبد العزيز، الذي يبدو في أجزاء من الفيلم وكأنه يستدعي شيئا من شخصية "أبو علي"؛ ليس لأن فاروق هو الشخصية نفسها، وإنما لأن الأداء يعتمد على قاموس مألوف من الردود وطريقة الكلام والحضور الكوميدي الذي استخدمه الممثل سابقا عندما قدم دور رجل الشارع الاعتيادي الذي يتورط في مغامرة أكبر منه بكثير.
الأمر نفسه يظهر مع مصطفى خاطر، الذي يستدعي في بعض لحظات الفيلم الطاقة الكوميدية التي ارتبط بها في "نيللي وشريهان" وأعمال أخرى. طريقة الأداء مألوفة لأن الشخصية نفسها ليست واضحة، وكأن الفيلم يفترض أن مجرد استدعاء الذاكرة الجماهيرية للممثل قادر على إنتاج الضحك.
النجومية يمكنها بالتأكيد أن تساعد أي فيلم؛ فالممثل يأتي محملا بتاريخ من الأدوار والصور التي يعرفها الجمهور، ويمكن للكاتب والمخرج أن يستثمرا هذه المعرفة لصالح العمل.
لكن هناك فرقا بين أن يستخدم الفيلم هذه الصورة السابقة للممثل طبقة إضافية فوق الشخصية، وبين أن تصبح هذه الصورة بديلا عن الشخصية نفسها.
الفيلم الذي لا يثق في مشاهديهمن أكثر ما يلفت النظر في "مطلوب عائليا" إصراره على شرح الفكرة نفسها أكثر من مرة، وخصوصا تصور فاروق لمسؤوليته تجاه أسرته باعتباره الأب الذي يوفر المال ويؤمّن لهم الاستقرار.
المشكلة هنا ليست في الفكرة نفسها، فهي تصلح لأن تكون مدخلا اجتماعيا جيدا لشخصية رجل يختزل دوره داخل الأسرة في كونه المعيل، وإنما في أن الفيلم لا يترك لنا مساحة لاكتشافها.
فبدلا من أن نرى أثر هذا التصور على علاقته بزوجته وأبنائه، أو نكتشفه من خلال اختياراته وتصرفاته، تتكرر الفكرة في حوارات ومونولوغات متقاربة، وكأن الفيلم يخشى أن يكون المعنى قد فاتنا في المرة الأولى.
إعلان
التكرار هنا ليس مجرد مشكلة في الحوار، لأنه يكشف عن غياب الثقة في السرد نفسه. كل مرة تعود فيها الفكرة من دون أن تضيف إليها طبقة جديدة، يتحول التأكيد إلى حشو، ويكشف أن الفيلم في قلبه خاوٍ من أي تناول عميق للمعاني التي يطمح إلى تقديمها.
إقرأ المزيد


