الجزيرة.نت - 10/14/2026 9:26:49 PM - GMT (+3 )
لا تقتصر أدوات الإيطالي دافيدي أنشيلوتي مدرب ليل الفرنسي على الخطط التكتيكية والتحليل الفني، بل تمتد إلى الأدب والفلسفة والأساطير اليونانية، في محاولة لفهم اللاعبين والتواصل معهم بطرق تتجاوز حدود كرة القدم.
ففي مكتبه ومركز تدريبات فريقه، يجد المدرب الإيطالي أفكارا يستلهمها من روايات إرنست همنغواي وجون شتاينبك، وتجارب مدرب كرة السلة الأمريكي فيل جاكسون، وتأملات فريدريك نيتشه وألبرت أينشتاين. ولا تبدو هذه القراءات مجرد هواية شخصية، بل تعد جزءا من اهتمامه بتطوير أسلوبه في القيادة والتواصل داخل غرفة الملابس.
وقد سلطت تقارير صحفية إيطالية -من بينها "غازيتا ديلو سبورت "- الضوء على هذا الجانب المتميز من شخصية أنشيلوتي، الذي يخوض تجربته الأولى مدربا رئيسيا في كرة القدم الأوروبية، بعد سنوات عمل فيها مساعدا لوالده كارلو في ريال مدريد بين عامي 2021 و2025.
الأدب نافذة لفهم اللاعبينلا يخفي أنشيلوتي الابن إعجابه الكبير بالأدب الأمريكي، مشيدا بشكل خاص بأعمال همنغواي ورواية "عن الرجال والفئران " لشتاينبك التي يصفها بـ"التحفة الفنية".
ويرى أن القراءة تمنح المدرب أبعادا جديدة لفهم الاختلافات الفردية بين اللاعبين وتفهم خلفياتهم وظروفهم الخاصة. فالهدف ليس البحث عن حلول جاهزة للمشاكل داخل الروايات، بل فتح زوايا تفكير جديدة تنظر إلى اللاعب بوصفه إنسانا مستقلا وليس مجرد اسم في تشكيلة المباراة.
كما تتحول هذه المراجع الأدبية في كثير من الأحيان إلى مصدر إلهام لصياغة الخطابات التحفيزية، أو اختيار الأسلوب الأنسب للتعامل مع لاعب يمر بفترة هبوط في المستوى أو يحتاج إلى دعم نفسي مختلف.
وبالنسبة إلى أنشيلوتي، يمكن أن تتحول الكتب إلى مصدر إلهام في إعداد الكلمات التحفيزية قبل المباريات، أو وسيلة تساعده على اختيار الطريقة المناسبة للتواصل مع لاعب يمر بفترة صعبة أو يحتاج إلى دعم مختلف.
إعلان
ولا يعني ذلك أن رواية أدبية يمكن أن تقدم حلا جاهزا لمشكلة داخل الفريق، بل إن قيمتها تكمن في فتح زاوية جديدة للتفكير، ومساعدة المدرب على النظر إلى اللاعب بوصفه إنسانا له شخصيته وخلفيته وليس مجرد عنصر في التشكيلة.
دروس من الفلسفة والرياضة الأمريكيةفي مركز "لوشان " التدريبي، يحتفظ أنشيلوتي بكتاب "دليل المدرب للتعليم" (The Coach’s Guide to Teaching) للباحث الأمريكي دوغ ليموف. إذ يعتمد عليه مرجعا في تبسيط الأفكار وتوصيلها بوضوح للتشكيلة، مؤمنا بأن أي فكرة تكتيكية تفقد قيمتها إذا عجز اللاعب عن فهمها وتطبيقها تحت ضغط المنافسة.
ولا تتوقف استعارة أنشيلوتي للدروس عند حدود الأدب، بل تمتد إلى تجربة فيل جاكسون (المدرب التاريخي لشيكاغو بولز ولوس أنجلوس ليكرز) ليستلهم منها أساليب الاحتواء النفسي وإدارة التنوع البشري داخل غرفة الملابس.
وتكشف هذه المقاربة عن نقاط تقاطع عميقة بين كرة السلة وكرة القدم، إذ يتجاوز النجاح التدريبي حدود وضع الخطط واختيار التشكيلة، ليرتبط بمفهوم أوسع للقيادة يستند إلى بناء الثقة، وامتصاص الضغوط، وتحقيق المعادلة الصعبة بين طموحات الفرد ومصلحة المجموعة.
كتاب لكل نجم.. فكرة أنشيلوتي مع مبابي وفينيسيوستتميز التجربة الفكرية والإنسانية لأنشيلوتي بالبحث الدائم عن قنوات غير تقليدية مع لاعبيه، وتتجلى هذه المقاربة في اقتراحه -أثناء عمله ضمن طاقم فني في ريال مدريد- إهداء كتب متخصصة للثنائي الهجومي كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور.
وقد هدفت الفكرة إلى كسر جمود لغة التعليمات التكتيكية المباشرة، وحث النجمين على فهم متطلبات الأداء الجماعي والالتزام بالواجبات الدفاعية برؤية استيعابية أكثر عمقا.
وقال في تصريحات لصحيفة "ليكيب" (L’Équipe) إن المدرب قد يفكر في كتاب يمكن أن يقرأه اللاعب إذا كان يمر بفترة صعبة، حتى لو لم يقرأه في النهاية، لأن المبادرة نفسها قد تكون وسيلة لبناء علاقة مختلفة معه.
وتقوم الفكرة على أن التواصل الفعال لا يخضع لوصفة واحدة، فبعض اللاعبين يستجيبون للكلمات المباشرة، بينما يحتاج آخرون إلى أسلوب مختلف يلامس اهتماماتهم أو يساعدهم على النظر إلى الأمور من زاوية جديدة.
وسبق لأنشيلوتي أن أهدى كتبا للاعبي بوتافوغو خلال تجربته التدريبية القصيرة مع النادي البرازيلي، وفقا لما أوردته "غازيتا ديلو سبورت " في خطوة تعكس اهتمامه بتحويل القراءة من نشاط فردي إلى وسيلة محتملة للتواصل مع اللاعبين.
الأسطورة بروميثيوس في غرفة الملابسلا يستمد أنشيلوتي أفكاره من الكتب وحدها، بل يستعين أيضا بالأساطير اليونانية في خطاباته التحفيزية، وهو ما كشف عنه مهاجم ليل المخضرم أوليفيه جيرو الذي أكد أن خطابات المدرب الإيطالي الشاب قبل المباريات تتميز ببعد ثقافي وفكري ملهم، إذ يستحضر أسطورة "بروميثيوس" الذي سرق النار ليمنحها للبشر، بوصفه رمزا لنقل المعرفة والشغف والاهتمام بالإنسان.
وعلى جدران مكتبه، يستعين بمقولتين مرجعيتين تعكسان رؤيته. الأولى للفيلسوف نيتشه بوصفها تحذيرا دائما من التأثر بسلبيات الصراعات الحادة في عالم المستطيل الأخضر وضرورة التمسك بالقيم، والثانية لأينشتاين من أجل حث الذات على تبسيط الأفكار المعقدة، انطلاقا من مبدأ أن العجز عن الشرح الميسر يعني عدم فهم الفكرة جيدا.
إعلان
ولا تكمن أهمية هذه المقولات في وجودها على جدران المكتب فحسب، بل في الأسئلة التي تطرحها حول طبيعة القيادة: كيف يحافظ المدرب على هدوئه؟ وكيف يشرح أفكاره؟ وكيف يجعل اللاعبين أكثر قدرة على فهم الأدوار المطلوبة منهم؟
السينما أيضا.. اهتمامات تتجاوز كرة القدميمتد شغف أنشيلوتي إلى السينما، إذ يهتم بأفلام المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، في حين يفضل والده كارلو الممثل روبرت دي نيرو الذي تعاون كثيرا مع المخرج الأمريكي.
وتضيف هذه الاهتمامات الثقافية بعدا آخر إلى شخصية مدرب ليل، الذي لا يحصر مصادر المعرفة في كرة القدم أو الكتب المتخصصة في التدريب، بل ينفتح على الأدب والفلسفة والسينما والأساطير.
ومع ذلك، لا تعني هذه المقاربة أن القراءة تحل محل الإعداد البدني والتحليل الفني والتخطيط التكتيكي، أو أنها تفسر وحدها نتائج الفريق. فنجاح أي مدرب يظل مرتبطا بعوامل عديدة، من جودة اللاعبين إلى التنظيم والعمل اليومي والظروف التنافسية.
لكن ما تكشفه تجربة أنشيلوتي هو سعيه إلى توسيع أدواته المهنية، والبحث عن طرق إضافية لفهم اللاعبين والتأثير فيهم.
تجربة جديدة وفلسفة تتشكل في ليلتكشف تجربة أنشيلوتي الأولى مدربًا رئيسيًا مع ليل، بعد سنوات قضاها مساعدًا لوالده في ريال مدريد، عن شغفه بالأدب والفلسفة: من روايات همنغواي وشتاينبك، إلى تجارب فيل جاكسون، وأسطورة بروميثيوس، وأفكار نيتشه وأينشتاين.
ورغم أن الفريق بدأ موسمه بقوة وبلغ المركز الثاني في الدوري الفرنسي بفارق نقطة عن موناكو، فإن هذه الانطلاقة لا تُنسب إلى قراءاته، بل إلى رؤيته التدريبية الأوسع.
وتقوم هذه الرؤية على أن كرة القدم تجربة إنسانية قبل أن تكون خططًا ونتائج، فالمدرب لا يكتفي بتوجيه اللاعب إلى ما يفعله في الملعب، بل يسعى إلى فهم شخصيته، واختيار أسلوب التواصل الأنسب معه، وتحفيزه على التطور. وهكذا لا تحل الكتب محل اللعبة، بل تصبح نافذة أخرى لفهمها عبر فهم البشر الذين يصنعونها
إقرأ المزيد


