الجزيرة.نت - 10/14/2026 8:57:03 PM - GMT (+3 )
لم تمنح الصين إذنا للتشغيل الفوري لبطاقات "فيزا" بالعملة الصينية المحلية، ولكنها وافقت على بدء التحضير لإنشاء مؤسسة محلية لتسوية معاملاتها. وبين الخطوتين يكمن مفتاح قراءة التوجّه المالي الصيني بتوسيع المشاركة الدولية والاحتفاظ بسلطة تحديد شروط الدخول ومراحل التشغيل.
ومن هذه الزاوية، تتناول تقارير الصحافة الصينية الانفتاح المالي عبر ثلاثة مستويات منفصلة ومترابطة، أولا بدخول المؤسسات الأجنبية إلى سوق المدفوعات، ثم توظيف هونغ كونغ واجهةً مالية دولية، إضافة إلى إدارة النقاش حول سعر العملة.
وتلتقي هذه المستويات عند صيغة الانفتاح المنضبط أو "المُدار"، التي توسّع الروابط الخارجية من دون أن تجعلها مرادفا للتخلي عن الإطار التنظيمي الداخلي أو استقلال القرار النقدي.
أفاد موقع شبكة الصين الإخباري بأن بنك الشعب الصيني أعلن في 13 أكتوبر/تشرين الأول الموافقة على تحضير شركة "فيزا لتكنولوجيا المعلومات (بكين) المحدودة"، الكيان المحلي التابع لـ"فيزا" (Visa) لإنشاء مؤسسة لتسوية معاملات البطاقات المصرفية، على اعتبار أن هذه مرحلة تمهيدية، وليست رخصة نهائية لمزاولة النشاط، ولا إعلانا عن بدء تقديم خدمات التسوية المحلية بالفعل.
وبحسب التقرير، يتعين على الشركة استكمال التحضيرات خلال عام، ثم التقدم بطلب بدء النشاط، وبعد موافقة البنك المركزي والهيئة الوطنية للتنظيم المالي، تمنح رخصة أعمال التسوية، وعند استكمال هذه المراحل، يصبح ممكنا تقديم خدمات تسوية بطاقات الرنمينبي ودعم إصدار منتجات تحمل علامة فيزا للاستخدام داخل الصين.
وتثبت هذه الموافقة اتساع فرص المشاركة الأجنبية في نظام المدفوعات الائتمانية، لكنها لا تثبت حتى الآن تحقق منافسة تشغيلية جديدة، أو تغيرا في تجربة المستهلك.
وتتجاوز أهمية الخطوة إدخال علامة دولية إلى السوق، فقد نقل تقرير موقع شبكة الصين عن جوو جِن، الأستاذ المشارك في كلية التمويل التابعة لبنك الشعب الصيني بجامعة تشينغهوا، قوله إن مؤسسات التسوية تؤدي وظيفة أساسية في ربط جهات إصدار البطاقات بالجهات التي تقبلها، بما يدعم الابتكار وتنوع الخدمات.
إعلان
ويرى جوو أن خبرة "فيزا" في المدفوعات العابرة للحدود قد تساعد على تحسين استخدام البطاقات الأجنبية وتجربة القادمين إلى الصين. وتظل هذه مكاسب محتملة مرهونة باستكمال الترخيص والتنفيذ.
ويضع التقرير هذا القرار ضمن مسار سبق أن شمل "أمريكان إكسبريس" و"ماستركارد"، معتبرا أن المغزى ليس باستبدال التنظيم المحلي بقواعد المؤسسات العالمية، بل بإدخال مزودين دوليين إلى السوق ضمن إجراءات صينية متدرجة، وهنا تتجسد العلاقة بين الانفتاح المالي والسيادة التنظيمية في توسيع دائرة المشاركين، مع بقاء شروط مزاولة النشاط خاضعة للسلطات المحلية.
على مستوى آخر، تقرأ افتتاحية صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست اختيار هونغ كونغ لاستضافة اجتماع وزراء مالية منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك) بوصفه قرارا سياسيا مقصودا يؤكد مكانة المدينة مركزا ماليا دوليا للصين.
لكن الدلالة السياسية للاستضافة تختلف عن الوظيفة الاقتصادية التي تؤديها المدينة، فلا يعني الحدث وحده مقياسا لتدفقات الاستثمار، إذ تقدم هونغ كونغ باعتبارها قناة تصل شركات البر الرئيسي الصيني بالمستثمرين الدوليين، وتمنح "الرنمينبي" امتدادا أوسع خارج السوق المحلية.
وتستدل الصحيفة بتقديرات شركة "كيه بي إم جي" (KPMG) للخدمات الإدارية والمالية التي أظهرت جمع أكثر من 388 مليار دولار هونغ كونغي (نحو 49 مليار دولار أمريكي) من خلال 116 عملية طرح عام أولي حتى نهاية سبتمبر/أيلول، وجاء نحو 70% من هذه العائدات عبر عمليات الإدراج المزدوج (A+H) -الذي يجمع الإدراج المحلي والإدراج في هونغ كونغ- لشركات من البر الرئيسي تسعى للحصول على رؤوس أموال دولية.
بان غونغ شنغ:
الصين تلتزم بالدور الحاسم للسوق في تشكيل سعر الصرف، وفي الوقت نفسه تحميه من "تأثيرات القطيع" والدعم الذاتي للتوقعات غير العقلانية في السوق
توضح هذه المؤشرات وظيفة الوساطة المالية بصورة أدق من رمزية "أبيك"، إذ توجد بها الشركات الباحثة عن رأس مال دولي، ويصل إليها مستثمرون عبر سوق مالية دولية، ومع ذلك فإن حصيلة عمليات الطرح لا تعادل إجمالي تدفقات الاستثمار، واستضافة الاجتماع الوزاري لا تعني بالضرورة نشوء تدفقات جديدة.
ولهذا شددت الافتتاحية على أن الاستضافة قد تبرز القدرات القائمة لكنها لا توجدها من العدم، وربطت استمرار جاذبية المدينة بأسواق عميقة وعالية السيولة، وعملة قابلة للتحويل، ولوائح تنظيمية شفافة، وخبرات مهنية يتوقعها المستثمرون العالميون، مدعومة بسيادة القانون وبسياسات ثابتة يمكن التنبؤ بها.
وبذلك، تصبح الاستضافة منصة لتعزيز العلاقات وإظهار الإمكانات، لا بديلا عن المقومات المؤسسية التي تمنح المركز المالي قيمته.
أسند موقع أخبار الصين تقريره إلى موقف بنك الشعب الصيني المنشور في 8 أكتوبر/تشرين الأول، الذي يؤكد اعتماد نظام تعويم مُدار يستند إلى العرض والطلب ويسترشد بسلة العملات العالمية.
إعلان
ونقل التقرير عن محافظ البنك بان غونغ شنغ قوله إن الصين تلتزم بالدور الحاسم للسوق في تشكيل سعر الصرف، وفي الوقت نفسه تحميه من "تأثيرات القطيع" والدعم الذاتي للتوقعات غير العقلانية في السوق.
ويكشف ذلك حدود الانفتاح من منظور السياسة النقدية في قبول حركة السوق، من دون التخلي عن إدارة أخطار الاستقرار.
وفي مواجهة اتهامات خفض قيمة العملة لدعم الصادرات، عرض التقرير حجة البنك المركزي بأن تطور التجارة الصينية يستند إلى تحسن القدرة الصناعية التنافسية، واستشهد بزيادة حصة الصين من الصادرات العالمية بـ1.7 نقطة مئوية خلال 2020–2021 بالتزامن مع ارتفاع "الرنمينبي" أمام الدولار بـ9%؛ بينما تراجعت الحصة بـ0.7 نقطة في 2022 رغم انخفاض العملة بأكثر من 8%.
تضعف هذه المقارنات التفسير الذي يربط نجاح الصادرات تلقائيا بانخفاض قيمة العملة، لكنها لا تنفي تأثير سعر الصرف في الأسعار والأرباح.
وينقل التقرير عن غوو ينغ فنغ، الباحث المشارك في المركز الصيني للتبادلات الاقتصادية الدولية، قوله إن السبب الرئيسي لانخفاض حساسية التجارة لتغيرات أسعار الصرف يكمن في تغير هيكل الصادرات، لأن المنافسة الآن أصبحت تعتمد أكثر على التقنية والجودة والتسليم واستقرار سلاسل التوريد.
يؤكّد يانغ خه، مدير معهد أبحاث التمويل الحديث بالبنك الصناعي والتجاري الصيني، ضرورة تقييم تأثير سعر الصرف في الصادرات بالتزامن مع القدرة التنافسية الصناعية وطلب السوق.
وفي هذا الإطار، يرى يانغ أن المنتجات ذات القيمة المضافة العالية تتميز بكفاءة أعلى في مواءمة سلاسل التوريد، والتراكم التكنولوجي وقدرات التوصيل، مما يعزز القدرة التنافسية في السوق وقوة التفاوض، ويتيح استجابة أكثر مرونة لتقلبات أسعار الصرف، وفق ما أورده التقرير.
ويقتضي هذا المنظور عدم اختزال حركة سعر صرف العملة في فائض تجارة السلع، ويشدد غوو ينغ فنغ على أن معالجة الاختلالات العالمية تتطلب إصلاحات لدى دول العجز والفائض، ولا تتحقق برفع "الرنمينبي" وحده.
اختلاف الأدوات وحدود الانفتاحتكشف القراءة المجتمعة للتقارير أن الانفتاح المالي ليس قرارا واحدا ولا ملفا متحدا، فدخول شركة مدفوعات يتعلق بالتراخيص والبنية التشغيلية والمنافسة؛ ومكانة هونغ كونغ تتصل بعمق الأسواق وجودة المؤسسات وقدرتها على الوساطة؛ أما سياسة الصرف فتعالج تكوين سعر العملة والتوقعات وأخطار التقلب.
وترتبط هذه الملفات جميعها بتوسيع اتصال الصين بالعالم، لكنها لا تتحرك بذات الأدوات ولا تُقاس بذات النتائج.
والخلاصة هي أن الصين توسع منافذ التعامل المالي الخارجي مع الحفاظ على أدوات تنظيم كل منفذ وإدارة أخطاره بشكل منفرد، ويستوجب تقييم هذا المسار متابعة ما يتحقق فعليا في كل مجال، قبل الحديث عن انفتاح مالي شامل أو تحرر نقدي لا تثبته الوقائع.
إقرأ المزيد


