"ديغر".. توم كروز ينقذ العالم من كارثة صنعها بنفسه
الجزيرة.نت -

ربما أضر صناع فيلم "ديغر" (Digger) به من دون قصد، حين بالغوا في الترويج لبطولة توم كروز وتعاونه الأول مع المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. وقد يكون هذا التركيز بتوجيه من مسؤولي التسويق، استجابة لطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها المتغيرة، لكنه صرف الأنظار عن جوانب مهمة في الفيلم، بدءا من قصته وصولا إلى بنائه المختلف حتى عن أعمال إيناريتو الأخرى.

كتب إيناريتو الفيلم بالاشتراك مع نيكولاس جياكوبوني وألكسندر دينيلاريس، اللذين شاركاه كتابة "بيردمان" (Birdman)، في حين يتولى كوزمو شيلدريك وضع الموسيقى. ويشارك في البطولة إلى جانب كروز كل من جيسي بليمنز، وساندرا هولر، ومايكل ستولبارغ، وريز أحمد، وجون غودمان، وكيلي ماكدونالد.

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

ينتمي "ديغر" إلى الكوميديا السوداء ذات الطابع الساخر الهجائي (Satire)، ويأتي من إنتاج ضخم بلغت ميزانيته نحو 125 مليون دولار، في تجربة تجمع بين الإنتاج الهوليودي العملاق والطابع التجريبي الذي ارتبط بالأفلام الفنية. وعُرض الفيلم عالميا للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 2026، قبل طرحه تجاريا في دور العرض، ليشكل عودة لإيناريتو إلى السينما بعد "باردو" (Bardo) في عام 2022، ومحطة جديدة في المسيرة المتنوعة لتوم كروز.

أفلام تجعل الكارثة حكاية

تدور أحداث "ديغر" حول ديغر روكويل (توم كروز)، ملياردير ورجل أعمال يملك إمبراطورية للتنقيب عن النفط، ويتسبب جشعه في كارثة بيئية تهدد العالم. يجد ديغر نفسه أمام مهمة عاجلة لإنقاذ البشرية من الكارثة التي تسبب فيها، بعدما يكلّفه الرئيس الأمريكي بالتعامل مع تداعياتها.

يبدو "ديغر" في بدايته كأنه حلقة جديدة في سلسلة الأفلام التي تستخدم الكوارث البيئية للسخرية من النظم السياسية والاقتصادية الحالية، منها على سبيل المثال "لا تنظر إلى الأعلى" (Don’t Look Up) للمخرج آدم مكاي، والذي تتحول فيه السخرية إلى وسيلة لكشف آليات الإنكار والتسطيح وتحويل الخطر إلى مادة للجدل الإعلامي، بينما تظل المصالح الاقتصادية والسياسية هي القوة التي تحدد طريقة التعامل مع هذا الخطر.

إعلان

يتحرك "ديغر" داخل المنطقة نفسها: الرأسمالية، واستغلال الموارد، وإنكار الخطر، والمجتمعات التي تستمر في حياتها اليومية بينما تتشكل الكارثة من حولها، غير أنه لا يكتفي بتفكيك هذه الآليات، وينقل جزءا من النقد إلى الفن نفسه، وإلى الطريقة التي نحول بها الكوارث إلى حكايات وصور وعروض يمكن مشاهدتها.

علاقة شائكة بين الواقع والفن

هناك نقطة أساسية في الأعمال التي تتناول البيئة والمناخ، وهي أن الكوارث البيئية بطبيعتها ليست سهلة التمثيل، فتغير المناخ عملية بطيئة وممتدة، وآثارها موزعة على أماكن وأزمنة مختلفة، بينما تحتاج السينما إلى أحداث وشخصيات وصراع يمكن رؤيته ومتابعته، لذلك تلجأ الأفلام إلى اختزال الأزمة في لحظة كارثية أو قصة إنسانية أو صورة مروعة، حتى يصبح ما هو "مجرد" ملموسا للمتفرج، هذا التحويل يمنح القضية حضورا عاطفيا قويا، غير أنه يجعل القصة استهلاكية كما لو أن أزمة المناخ تشبه جماعة مسلحة تحاول السيطرة على بنك في أي فيلم جريمة آخر.

لا "تنظر إلى الأعلى" وعى هذا التناقض، وسخر من الإنكار السياسي والإعلامي، من خلال كوميديا تجعل المتفرج يضحك على شخصيات تبدو أكثر جهلا منه على الرغم من تخصصها، وهنا ينشأ لديه إحساس بالراحة، لأنه يستطيع وضع نفسه خارج المشكلة، ويصبح هو الشخص الذي يفهم الحقيقة.

يذهب "ديغر" أبعد من ذلك، لأن الكارثة ليست هي الموضوع الوحيد للفيلم، بل هي موضوع لعمل فني داخل الفيلم نفسه، فبعد فترة من الأحداث التي تستعرض الكارثة المناخية، نكتشف أن كل ما شاهدناه منذ بداية الفيلم ليس إلا جزءا من عرض مسرحي بعنوان "فوسيل فولز"، يتناول بشكل ساخر كارثة مناخية دمرت أجزاء من أوروبا وعلى وشك تدمير الولايات المتحدة الأمريكية، ومع مضي الوقت نعرف أن هذه الكارثة ليست متخيلة، بل هي حقيقية وحدثت منذ عقدين من الزمن الذي يسبق عرض المسرحية.

وبذلك يصبح هناك أكثر من مستوى للتمثيل: كارثة تقع في العالم، ثم عمل فني يعيد صياغتها، ثم فيلم نشاهده نحن عن هذه الصياغة الفنية، والأهم أن الفيلم لا يحافظ على مسافة واضحة بين هذه المستويات، فيتقاطع العمل المسرحي مع الواقع الخاص بالممثلين المشاركين فيه، مع الواقع الذي يعيش فيه المتفرج على الفيلم السينمائي.

وهنا تتجاوز السخرية وظيفتها المعتادة كأداة لمهاجمة الرأسمالية أو السياسيين، وتصبح وسيلة لفحص علاقتنا بالمأساة، فالضحك لا يأتي فقط من غرابة الشخصيات أو عبثية المواقف، وإنما هو كذلك نتيجة للتناقض بين حجم الكارثة وكيف تتحول المأساة من مشهد مهيب ومأساوي إلى تسلية وفرجة، وهو الأمر الذي ينتقده الفيلم، وفي الوقت نفسه يحول القضية نفسها، بشكل أو بآخر، إلى فرجة جديدة على شكل فيلم سينمائي.

توم كروز وعودة إلى جذور أكثر فنية

يمثل "ديغر" لتوم كروز خليطا من المغامرة السينمائية والعودة إلى مرحلة سابقة في مسيرته، وقد ارتبط النجم في السنوات الأخيرة بصورة البطل القادر على فعل المستحيل، من "توب غان: مافريك" (Top Gun: Maverick) إلى سلسلة "مهمة مستحيلة" (Mission: Impossible)، وتقف شخصية ديغر، بكل ما فيها من غرور واستعراض وكاريكاتيرية، على تناقض مباشر مع الصورة البطولية التي رسخها كروز في وعي الجمهور.

إعلان

لكن المفارقة أن هذه الصورة لا تختصر مسيرته الفعلية، وقد قدم كروز في "مولود في الرابع من يوليو (تموز)" (Born on the Fourth of July) و"عيون مغلقة على اتساعها" (Eyes Wide Shut) و"ماغنوليا" (Magnolia) شخصيات بعيدة تماما عن نموذج البطل الذي لا يُهزم، كما استخدم جسده وصورته في "تروبيك ثاندر" (Tropic Thunder) لتقديم أداء ساخر ومشوّه.

لذلك لا يحتاج توم كروز في "ديغر" إلى إثبات أنه "ممثل جاد" فجأة، غير أنه يستخدم الصورة الحديثة عنه ليصنع المفارقة التي يحتاجها لتذكير المتفرجين بمسيرته المميزة التي نسيها كثيرون، وقد اعتمد أداؤه على المبالغة في الصوت والحركة والملابس والهيئة.

كروز في الفيلم لا يختفي داخل "ديغر"، وإنما يظل حاضرا وراءه، نحن نشاهد الشخصية، لكننا نشاهد معها تاريخ النجم الذي يؤديها. وبذلك يصبح أداء كروز نفسه امتدادا لفكرة الفيلم عن التمثيل والصورة والفرجة؛ رجل صنع حياته المهنية من تقديم المستحيل، يظهر هنا في صورة رجل يصر على تقديم نفسه باعتباره البطل، حتى عندما يكون هو أصل الكارثة.



إقرأ المزيد