الجزيرة.نت - 10/14/2026 8:38:08 PM - GMT (+3 )
Published On 14/10/2026
|آخر تحديث: 20:20 (توقيت مكة)
تتجدد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، في مشهد يعيد إلى الواجهة تاريخا طويلا من الصراع والتنافس الإقليمي، رغم الروابط الجغرافية والتاريخية التي جمعت البلدين، والتحالفات التي خاضا في إطارها مواجهات مشتركة قبل أن تتحول خلافاتهما إلى حرب حدودية دامية، أعقبتها سنوات من القطيعة والتوتر المتقطع.
ويعكس التصعيد الأخير بين البلدين، الذي وصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية المتبادلة وفقا لما أورده تقرير للجزيرة، عمق الخلافات المتعلقة بالحدود والنفوذ الإقليمي والوصول إلى البحر الأحمر، فضلا عن الاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية، في وقت تواجه فيه إثيوبيا تحديات أمنية داخلية متجددة، وتثير تطلعاتها البحرية مخاوف لدى جارتها الشمالية.
وتعود جذور الأزمة إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين خضعت إريتريا للحكم الإيطالي عام 1890، بينما تعرضت إثيوبيا بدورها للغزو الإيطالي، وأعلنت روما ضمها عام 1936، ودمج أراضيها مع إريتريا والصومال ضمن ما أطلق عليه آنذاك "أفريقيا الشرقية الإيطالية".
وبعد هزيمة القوات الإيطالية عام 1941، خضعت إريتريا للإدارة البريطانية، قبل أن تقرر الأمم المتحدة عام 1950 إقامة اتحاد فيدرالي بينها وبين إثيوبيا، دخل حيز التنفيذ عام 1952، في خطوة مهدت لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، لكنها لم تحقق تطلعات قطاعات واسعة من الإريتريين الذين كانوا ينشدون الاستقلال.
وفي عام 1962، ألغى الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي النظام الفيدرالي، وضم إريتريا إلى إثيوبيا، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المقاومة المسلحة الإريترية، التي استمرت في مواجهة الحكومات الإثيوبية المتعاقبة، بما فيها حكومة منغستو هيلا مريام التي وصلت إلى السلطة عام 1974.
تحالف لإسقاط نظام منغستو واستقلال إريتريا
ومع تصاعد المعارضة المسلحة للنظام الإثيوبي، تلاقت مصالح الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وجبهة تحرير تيغراي، التي قادت تحالفا عسكريا أطاح بحكومة منغستو عام 1991، فاتحا الطريق أمام استقلال إريتريا بعد عقود من الصراع.
إعلان
وفي عام 1993، أجري استفتاء شعبي في إريتريا أفضى إلى تأييد الاستقلال، واعترفت إثيوبيا بسيادة جارتها الجديدة في مايو/أيار من العام نفسه، لتبدأ مرحلة اتسمت في بدايتها بآمال إقامة علاقات طبيعية وتعاون اقتصادي بين البلدين. غير أن الاستقلال أفرز واقعا جيوسياسيا جديدا، إذ فقدت إثيوبيا منفذها المباشر على البحر الأحمر، وأصبحت دولة حبيسة تعتمد على موانئ الدول المجاورة لتلبية احتياجات تجارتها الخارجية، في مقدمتها جيبوتي.
وتفاقمت الخلافات بين البلدين بشأن ترسيم الحدود والتبادل التجاري والرسوم والمعاملات المالية، خصوصا بعد إصدار إريتريا عملتها الوطنية "الناكفا" عام 1997، بدلا من استخدام العملة الإثيوبية، وهو ما زاد من تعقيد العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
حرب بادمي.. مواجهة دامية وخسائر فادحةوفي السادس من مايو/أيار عام 1998، اندلعت مواجهات عسكرية بين البلدين على خلفية نزاع حدودي في منطقة بادمي، قبل أن تتسع رقعة القتال لتشمل مناطق أخرى على طول الحدود المشتركة. وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع الحرب، التي تحولت إلى واحدة من أكثر النزاعات الدموية في منطقة القرن الأفريقي، وشهدت استخدام الأسلحة الثقيلة وشن هجمات برية وجوية، فضلا عن تعبئة واسعة للقوات.
وبعد تحقيق القوات الإريترية مكاسب ميدانية في بداية المواجهات، تمكنت القوات الإثيوبية من استعادة زمام المبادرة، ووسعت عملياتها العسكرية في الأراضي المتنازع عليها، إلى أن توقفت الحرب فعليا عام 2000. وخلف النزاع عشرات الآلاف من القتلى، وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد الضحايا بلغ نحو 100 ألف شخص من الجانبين، فضلا عن آلاف الجرحى والأسرى والنازحين، إلى جانب خسائر اقتصادية كبيرة وأضرار لحقت بالبنية التحتية في المناطق الحدودية.
وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2000، نجحت الوساطة الجزائرية في التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين، نص على وقف الأعمال العدائية، وإطلاق الأسرى، وتشكيل آلية مستقلة لترسيم الحدود، إلى جانب معالجة الآثار الإنسانية والاقتصادية للحرب.
لكن الاتفاق لم يؤد إلى مصالحة شاملة، إذ ظلت العلاقات السياسية والاقتصادية شبه مجمدة، واستمرت القوات العسكرية في الانتشار على جانبي الحدود، فيما دخل البلدان مرحلة عرفت بأنها "لا حرب ولا سلام"، استمرت قرابة عقدين.
انفراج مؤقت في عهد آبي أحمدوشهدت العلاقات تحولا مهما عام 2018، عقب وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في إثيوبيا، وإعلانه استعداده لتطبيق اتفاق السلام وتسوية الخلافات مع إريتريا. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، زار آبي أحمد العاصمة الإريترية أسمرة، والتقى الرئيس أسياس أفورقي، في خطوة مهدت لاستعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود واستئناف الاتصالات بين البلدين، بعد قطيعة استمرت نحو عشرين عاما.
وأثار التقارب آنذاك آمالا بإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، خصوصا في مجالات التجارة والنقل والأمن، غير أن المصالحة لم تعالج جميع الملفات العالقة، كما لم تبدد التنافس المرتبط بالمصالح الإستراتيجية لكل طرف.
وعادت التوترات إلى الواجهة مع تصاعد الحديث الإثيوبي عن ضرورة الحصول على منفذ بحري، بعدما أكد آبي أحمد في خطاب أمام البرلمان عام 2023 أهمية وصول بلاده إلى المياه الدافئة، سواء عبر إريتريا أو الصومال أو جيبوتي. واستند الخطاب إلى اعتبارات جغرافية واقتصادية وأمنية، في ظل اعتماد إثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، بدرجة كبيرة على الموانئ المجاورة لتأمين تجارتها الدولية.
إعلان
لكن هذه التطلعات أثارت مخاوف إريتريا، التي تنظر إلى البحر الأحمر وسواحلها باعتبارهما عنصرين أساسيين في أمنها القومي وسيادتها، في ظل تاريخ طويل من النزاعات بين البلدين. وتصاعدت الخلافات في الأشهر التالية، مع اتخاذ إريتريا إجراءات ضد الخطوط الجوية الإثيوبية وتعليق بعض التعاملات، وفقا لما أورده تقرير الجزيرة، وسط تبادل الاتهامات بشأن أسباب تلك الخطوات.
وفي مطلع عام 2025، ازدادت حدة التوتر بعدما سمحت الحكومة الإثيوبية بعقد اجتماع علني لفصائل من المعارضة الإريترية، وهي خطوة اعتبرتها أسمرة تدخلا في شؤونها الداخلية ومحاولة لتأجيج الصراع السياسي داخل البلاد، فيما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة مخاوف متبادلة من دعم أطراف معارضة أو استخدام النفوذ السياسي لزعزعة استقرار الطرف الآخر.
قطيعة دبلوماسية ومخاوف من تصعيد جديدومع تجدد المواجهات والتوترات الأمنية داخل إثيوبيا خلال عام 2026، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة أكثر خطورة، بعدما أعلنت أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة إريتريا بممارسة أعمال عدائية وتصعيد مباشر وغير مباشر ضدها.
وردت إريتريا باتهام إثيوبيا بمواصلة الأعمال العدائية، وأعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية معها، لتتراجع بذلك فرص الحوار بين الجانبين في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات التوتر على استقرار القرن الأفريقي. ويثير هذا التصعيد تساؤلات بشأن قدرة البلدين على احتواء خلافاتهما، خصوصا في ظل تشابك الملفات الحدودية والأمنية والاقتصادية، وتزايد أهمية البحر الأحمر في الحسابات الإستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.
الجغرافيا والمصالح.. معادلة الصراع المستمرةوتكشف مسيرة العلاقات الإثيوبية الإريترية أن الخلاف بين البلدين لا يرتبط بملف واحد، بل يتداخل فيه الإرث التاريخي مع التنافس على الحدود والموانئ والنفوذ، فضلا عن المخاوف المتبادلة من التدخل في الشؤون الداخلية.
فبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل الوصول إلى البحر الأحمر قضية ذات أبعاد اقتصادية وإستراتيجية، بالنظر إلى اعتمادها على الموانئ الخارجية وحاجتها إلى تأمين طرق التجارة والإمدادات. أما إريتريا، فتنظر إلى أي تحرك قد يمس سيادتها على أراضيها وسواحلها باعتباره مسألة تمس أمنها القومي، في ظل تجربة تاريخية اتسمت بالصراع وعدم الثقة.
ويزيد من تعقيد المشهد أن البلدين، رغم تاريخهما المشترك، لم ينجحا في بناء منظومة مستقرة لإدارة خلافاتهما، إذ تعاقبت فترات التقارب والقطيعة دون معالجة جذرية للأسباب التي أدت إلى الحرب الأولى.
وفي ضوء التطورات الأخيرة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تفعيل قنوات الاتصال والوساطة، وتجنب التصريحات والخطوات التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، خصوصا أن أي مواجهة جديدة بين البلدين لن تقتصر تداعياتها على حدودهما، بل قد تمتد إلى استقرار منطقة القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر.
إقرأ المزيد


