الجزيرة.نت - 10/14/2026 7:21:06 PM - GMT (+3 )
Published On 14/10/2026
يواجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اختبارا سياسيا جديدا، بعد سنوات من الحكم في ظل غياب أغلبية برلمانية مستقرة، اعتمد خلالها على تحالفات متباينة أيديولوجيا، ومفاوضات شاقة مع أحزاب إقليمية وقومية، مكنته من البقاء في السلطة رغم الأزمات المتكررة التي هددت مستقبله السياسي.
وبعد أن أسقط البرلمان مراسيم حكومته المتعلقة بالسكن، دعا سانشيز إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجه ائتلافه، وسط خلافات مع حلفائه وتصاعد الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، فضلا عن ملفات سياسية وقضائية ألقت بظلالها على حكومته.
وتعود مسيرة سانشيز السياسية، كما يذكر تقرير للجزيرة، إلى عام 2016، عندما خسر قيادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، واضطر إلى الاستقالة من منصبه ومن عضوية البرلمان، رافضا المشاركة في تصويت يتيح لحزب الشعب اليميني المحافظ تشكيل حكومة. واعتقد كثيرون آنذاك أن مسيرته السياسية وصلت إلى نهايتها، لكنه اختار العودة إلى قواعد حزبه، مستندا إلى دعم أعضائه في مختلف المقاطعات والمدن الإسبانية، حتى استعاد زعامته في مايو/أيار 2017.
ولم تمض سوى أشهر حتى استثمر فضيحة فساد هزت حكومة رئيس الوزراء المحافظ ماريانو راخوي، وقاد في يونيو/حزيران 2018 أول تصويت ناجح لحجب الثقة عن حكومة في تاريخ إسبانيا الديمقراطية الحديث، ليتولى رئاسة الوزراء رغم أن حزبه لم يكن يمتلك سوى 84 مقعدا من أصل 350 في مجلس النواب.
وأمام استمرار الانسداد السياسي، اتجه سانشيز إلى تشكيل أول حكومة ائتلافية في إسبانيا منذ عودة الديمقراطية في سبعينيات القرن الماضي، بالتحالف مع حزب "بوديموس" اليساري، وتمكن في يناير/كانون الثاني 2020 من نيل ثقة البرلمان بأغلبية بسيطة، فاتحا بذلك مرحلة جديدة من الحكم القائم على التفاوض المستمر مع قوى سياسية متباينة المصالح والتوجهات.
إعلان
تحالفات صعبة للبقاء في السلطة
وكان ملف كتالونيا أحد أبرز الاختبارات التي واجهت بيدرو سانشيز، إذ أثار قراره في يونيو/حزيران 2021 منح عفو جزئي عن تسعة من القادة الانفصاليين الذين سجنوا على خلفية محاولة الإقليم الانفصال عن إسبانيا عام 2017 جدلا واسعا، في ظل معارضة قطاعات من الرأي العام الإسباني للخطوة.
وتجددت الأزمة عقب الانتخابات العامة المبكرة في يوليو/تموز 2023، عندما تصدر حزب الشعب المحافظ النتائج دون أن يتمكن من حشد الأصوات الكافية لتشكيل حكومة. وفي المقابل، سعى سانشيز إلى تأمين دعم حزب "جونتس" المؤيد لاستقلال كتالونيا، الذي كان يملك سبعة مقاعد حاسمة في البرلمان.
وفي مقابل تأييد الحزب ترشيحه لرئاسة الحكومة، وافق سانشيز على المضي في قانون للعفو العام يشمل مئات المشاركين في محاولة الانفصال عام 2017، وهو اتفاق أثار انتقادات حادة من المعارضة التي اتهمته بتقديم تنازلات تمس سيادة القانون ووحدة البلاد مقابل ضمان بقائه في السلطة.
ونجح في الحصول على ثقة البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ثم أقر البرلمان قانون العفو العام في مايو/أيار 2024، لتستمر حكومته معتمدة على ائتلاف يضم الاشتراكيين واليسار، إلى جانب دعم أحزاب قومية وإقليمية تتباين مواقفها بشأن عدد من القضايا الرئيسية.
مواقف خارجية مغايرة للتيار الأوروبيوعلى الصعيد الخارجي، تبنى سانشيز مواقف برزت فيها إسبانيا بين الدول الأوروبية الأكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إذ دعا في فبراير/شباط 2024، بالتنسيق مع رئيس الوزراء الأيرلندي آنذاك، إلى مراجعة مدى التزام إسرائيل باتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
وفي مايو/أيار من العام نفسه، أعلنت إسبانيا اعترافها بدولة فلسطين بالتزامن مع اعتراف النرويج وأيرلندا، في خطوة قالت مدريد إنها تستهدف دعم حل الدولتين وتعزيز فرص تحقيق السلام.
وتواصلت المواقف الإسبانية المنتقدة لإسرائيل خلال عام 2025، مع مطالبة سانشيز الاتحاد الأوروبي بتعليق اتفاقية الشراكة مع تل أبيب، وإقرار البرلمان الإسباني إجراءات لحظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل واستيرادها منها، في سياق توجه حكومي لتشديد الضغوط السياسية على الحكومة الإسرائيلية.
مؤشرات اقتصادية إيجابية وتحديات معيشيةوعلى الرغم من هشاشة وضعه البرلماني، استطاع سانشيز تسجيل مؤشرات اقتصادية إيجابية، إذ توقع صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز 2026 نمو الاقتصاد الإسباني بنسبة 2.1 بالمئة خلال العام الجاري، مقارنة بنحو 0.9 بالمئة لمنطقة اليورو، في حين تراجع معدل البطالة إلى 9.87 بالمئة في الربع الثاني من العام، وهو أدنى مستوى يسجله منذ عام 2008.
واستندت الحكومة في سياستها الاقتصادية إلى مجموعة من الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي، شملت رفع الحد الأدنى للأجور ثماني مرات منذ وصولها إلى السلطة عام 2018، من 735 يورو إلى 1221 يورو شهريا عام 2026، إلى جانب إصلاح سوق العمل الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2022 للحد من الاعتماد على العقود المؤقتة.
غير أن هذه المؤشرات لم تنعكس بالقدر نفسه على حياة جميع الإسبان، خصوصا في سوق الإسكان، حيث ارتفعت تكاليف السكن بنحو 13 بالمئة على أساس سنوي في نهاية عام 2025، وسط تقديرات لبنك إسبانيا تشير إلى عجز يبلغ نحو 700 ألف وحدة سكنية.
إعلان
وزادت الضغوط مع تسجيل إسبانيا رقما قياسيا في أعداد السياح خلال عام 2025، بلغ نحو 97 مليون زائر، وهو ما أسهم، إلى جانب عوامل أخرى، في زيادة الطلب على المساكن وتوسع الإيجارات السياحية في مراكز المدن، بما أثار مخاوف السكان من تراجع قدرتهم على تحمل تكاليف السكن.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، أعلنت الحكومة خطة بقيمة سبعة مليارات يورو لبناء مساكن عامة خلال أربع سنوات، تستهدف دعم الشباب وتعزيز فرص الحصول على مساكن للإيجار والشراء بأسعار ميسرة.
لكن أزمة السكن ظلت مصدرا للاحتجاجات الشعبية، التي تجددت خلال عام 2026، وسط تصاعد المخاوف بشأن ارتفاع الإيجارات وعجز المستأجرين عن السداد. وأثار إخراج امرأة تبلغ من العمر 87 عاما من شقتها في مدريد، في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد أن عاشت فيها سبعة عقود، موجة من الغضب، بعدما أفاد اتحاد المستأجرين بأن شركة عقارية اشترت المبنى ورفعت الإيجار بنسبة 275 بالمئة.
انتخابات مبكرة واختبار جديد للمستقبل السياسيوبعد ثلاثة أيام من إسقاط المراسيم، أعلن سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، واضعا الناخبين أمام خيار تجديد الثقة في نهجه السياسي أو فتح الباب أمام تغيير في قيادة الحكومة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتداخل فيه الضغوط البرلمانية مع تداعيات أزمة السكن، والخلافات مع الأحزاب التي يعتمد عليها الائتلاف، فضلا عن تحقيقات قضائية وصلت إلى محيط رئيس الوزراء، بعدما قرر القضاء إحالة زوجته بيغونيا غوميز إلى المحاكمة بتهمتي استغلال النفوذ واختلاس المال العام، وهي اتهامات لا تعني ثبوت ارتكابها الجرائم المنسوبة إليها، وقد نفى سانشيز وحكومته الاتهامات الموجهة إليها.
إقرأ المزيد


