الجزيرة.نت - 10/14/2026 7:06:20 PM - GMT (+3 )
أمين الريحاني "لحظة" محيرة، أو قل حالة يصعب تثبيتها، في المرحلة المتأخرة مما لا يزال يحتمل وصفه بعصر النهضة الثقافية والأدبية العربية. ولا يكفي أن نقول إن هذا المفكر اللبناني يقع بين خانتين؛ فهو يتحرك، أحيانا في الصفحة الواحدة، بين خانات اعتدنا الفصل بينها، بين الأديب والرحالة، المهاجر والمشرقي، المتأمل الفيلسوف والكاتب السياسي، القومي العربي والأمريكي المتجنس، الماروني المتحرر من العصبية الكنسية من غير أن يمحو ذاكرته المارونية، الرومانسي والواقعي.
وهو في الآن نفسه ابن الشاعر الأمريكي والت ويتمان والفيلسوف رالف والدو إمرسون بقدر ما هو قارئ مفتون بلزوميات أبي العلاء المعري. ثم تتسلل إليه، شيئا فشيئا، تلك "الروح الهندية" في الصيغة التي أذاعها شاعر البنغال وحكيمها رابندرانات طاغور.
التقى الرجلان في نيويورك بعد الحرب الكبرى، واجتمعا، كل من طريقه، على ضرب من "دين الإنسانية" الكوني المستأنس بالطبيعة، وعلى نزعة كوزموبوليتانية تتجاوز القوميات ولا تلغي اللغات. جعل طاغور البنغالية لغة موسيقية كونية في "قربان الأغاني" (غيتانجالي)؛ وكتب الريحاني بالإنجليزية، وعمل في الوقت نفسه على استصلاح العربية وتوسيع إمكاناتها.
ولم يجانب زكي نجيب محمود الصواب حين قال إن أمين الريحاني كان للأمة العربية ما كان طاغور لأبناء الهند.
ولد الريحاني في الفريكة، في المتن الشمالي من جبل لبنان، عام 1876، يوم كان الجبل جزءا من سوريا العثمانية. وتتحدر أسرته في الأصل من بلدة بجة في بلاد جبيل، ومنها انتقلت في القرن السابع عشر إلى بيت شباب، ثم إلى الشاوية، قبل أن يستقر أحد فروعها في الفريكة. أما لقب "الريحاني" فغلب، وفق الرواية العائلية، بعدما أحاطت بالدار أشجار الآس، أو "بنات الريحان"، حتى طغت الكنية الجديدة على اللقب الأقدم.
إعلان
في الحادية عشرة من عمره، هاجر أمين مع عمه وعائلته إلى الولايات المتحدة، شأن كثيرين من أبناء متصرفية جبل لبنان، الإقليم العثماني ذي الحكم الذاتي، في ذلك الزمن. كان والده فارس يعمل في تجارة الحرير الخام وتصنيعه، وكان المنتظر من الفتى أن يساعد عمه في مسك دفاتر التجارة في نيويورك. لكن الصبي وجد في الكتب غواية أشد من الحسابات. حاول الالتحاق بفرقة مسرحية جوالة، وتعثر في دراسة الحقوق، ثم أصيب بمرض صدري حاد فنُصح بالعودة إلى جبل طفولته.
هناك اكتشف أن الغربة أضعفت لسانه العربي، فانكب نحو عامين على النحو واللغة وعيون التراث. ومن هذه الخلوة الجبلية خرجت عروبته الأولى: تحديا لاستعادة لغة، قبل أن تصير عقيدة سياسية. ولم يعد بعدها ابن لغة واحدة؛ ظل يفكر ويكتب بلغتين، يلاقح العربية بالإنجليزية والإنجليزية بالعربية. ومن ثمار هذا المسار ترجمته مختارات من "اللزوميات" إلى الإنجليزية بعد عودته إلى المهجر.
وفي نيويورك أيضا أصدر كتابه العربي الأول، "نبذة في الثورة الفرنسية"، منحازا إلى قيم تلك الثورة، وموظفا إياها في نقد الاستبداد؛ والعهد الحميدي حاضر في الخلفية. لكن الحدث الأكثر دلالة في سني شبابه كان ما أثارته مسرحيته الساخرة "المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية"، التي أجرى فيها الكلام على ألسنة ثعلب وحصان وحمار، وانتقد من خلالها سلطة الإكليروس. صدر بحقه حرم كنسي، ولم ترفعه البطريركية المارونية رسميا في ما بعد.
منذ وقت مبكر، إذن، لم يكن الريحاني معنيا بالخروج من جماعة صغرى إلى جماعة كبرى، على طريقة من يستبدل عصبية بعصبية. ظل مهجوسا بالموازنة بين العسف الذي قد يلقاه الفرد داخل الجماعة الصغيرة والاستبداد الذي تمارسه الدائرة السياسية الأوسع، مثلما ظل يوازن بين مظالم الاستبداد وشرور الاستعمار.
بين جبران وطاغوروالريحاني، قبل أي شيء آخر، واحد من أكثر حلقات الوصل فرادة بين أدب المهجر الشمالي والفكر الإصلاحي والسياسي في المشرق.
جمعته بجبران خليل جبران، منذ لقائهما الموثق في باريس عام 1910 ورحلتهما معا إلى لندن، صداقة فكرية وفنية متينة. وكان الريحاني، وهو الأكبر سنا والأسبق إلى الكتابة بالإنجليزية، ممن نظر إليهم جبران بإعجاب واضح. ثم دب الفتور في العلاقة، لأسباب يصعب اختزالها في منافسة أدبية بسيطة.
صدر "كتاب خالد" بالإنجليزية عام 1911، ويُعد على نطاق واسع أول رواية يكتبها عربي بالإنجليزية. يروي فيها الريحاني حكاية خالد وشكيب، الشابين البعلبكيين اللذين يهاجران إلى "سوريا الصغيرة" في نيويورك ثم يعودان إلى البلاد. يصطدم خالد شيئا فشيئا بالإكليروس، ثم بالسلطات العثمانية، وينتهي مختفيا في الصحراء؛ ويبقى شكيب، الأكثر عملية بين الاثنين، شاهدا تُروى الحكاية من خلاله.
وتُذكّر فكرة "الدين العالمي" التي يبسطها خالد بعالم طاغور، وإن لم يقرأ الريحاني شاعر البنغال قراءة متعمقة إلا بعد الرواية، ولا سيما بعد صدور الترجمة الإنجليزية لـ"غيتانجالي" في العام التالي. وكان أثر طاغور في هذه الكوكبة من أدباء المهجر والنهضة واسعا في زمنهم، خصوصا بعد أن صار عام 1913 أول آسيوي ينال جائزة نوبل للآداب. أما الذاكرة اللاحقة فلم تحفظ من هذا الأثر إلا القليل.
رسم جبران لوحات "كتاب خالد"، واختُلف في مقدار ما أخذه منه حين ألف "النبي". والمحصلة أن "النبي" حقق انتشارا عالميا كاسحا طمس، إلى حد بعيد، أثر رواية الريحاني. ولا يصعب أن نتصور أن ذلك لم يكن مريحا لصاحب "كتاب خالد"، وإن كان الفتور بين الرجلين سابقا على صدور "النبي".
إعلان
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، جمعت "لجنة إغاثة المنكوبين في سوريا وجبل لبنان" الأديبين من جديد. لكن خلافا سياسيا أخذ يتضح بينهما. كان جبران أميل إلى فرنسا وإلى الاستغاثة الدبلوماسية بها، في حين عوّل الريحاني على "مبادئ الرئيس ويلسون"، وحلم بقيام "الولايات المتحدة العربية" بعد الحرب. وحين قامت "الرابطة القلمية"، وهي الجمعية الأدبية التي أسسها أدباء المهجر في نيويورك بعد الحرب، أراد لها جبران أن تبتعد عن السياسة، وكان الريحاني أقرب إلى تسييس الأدب.
والطريف أن الريحاني، مبتكر شخصية خالد الروحاني الثائر، عاش حياة أقرب إلى حياة شكيب الواقعي العملي. كتب وسخر وحرض، وجاب البلاد، والتقى القادة والملوك، ودخل في شبكات السياسة. أما جبران، وهو الأشبه بخالد في اجتماع النزعتين الصوفية والمتمردة فيه، فبقي ثائرا عن بعد: بالقلم واللوحة والفكرة والطلسم. خرج الريحاني من أمريكا، وامتطى الإبل، ودخل اللجان، وفاوض الملوك، واشتبك مع السياسات البريطانية والفرنسية؛ ثم مات في الفريكة، مسقط رأسه، بينما مات جبران في مانهاتن.
وفي العاطفة يقوم شيء من هذا الفارق أيضا. اكتفى جبران بوصاله العذري مع مي زيادة، وهو وصال عبر القارات لم يلتقيا فيه قط. أما الريحاني فآثر لقاءها وجها لوجه. وحين أُدخلت مي، بعد وفاة جبران، مستشفى العصفورية للأمراض العقلية في لبنان، قاد الريحاني حملة صحفية شرسة لإخراجها منه.
لم ينل الريحاني الانتشار العالمي الذي ناله جبران، ولم يحظ بالتبني الذي منحته الدولة اللبنانية لاحقا لجبران. فجبران، على ما لقيه في حياته من نقمة بعض الإكليروس، صار بعد موته "آمنا سياسيا" في عين الدولة الطائفية. استُرد إرثه الروحي كنسيا، وأمكن قبل كل شيء "أيقنته"، كما جرى إلى حد ما مع ميخائيل نعيمة، بدل أن يُقرأ الاثنان في سياق جيل محدد من أجيال النهضة والاستنارة الأدبية العربية.
أما الريحاني، الماروني التقدمي والعلماني الذي تعاطف في لحظة ما مع الشيوعية البلشفية، فلم يكن تكييفه على هذا النحو سهلا؛ وكذلك كان الأمر مع رئيف خوري ومارون عبود.
ولعل هذا التواطؤ الغريب والطريف معا في كتابته، بين الواقعي والرومانسي، وبين الأدب والفكر السياسي، وبين الرحلة والمقالة والتأمل الفلسفي، هو ما يجعل مقارنته بأي واحد من مجايليه أمرا عسيرا.
هو، من بعض الوجوه، أقرب إلى أحمد فارس الشدياق في مرحلة أسبق من "النهضة": في السخرية الناقدة، واجتراء العبارة، واعتبار الكتابة نفسها ضربا من المشاكسة الاجتماعية. لكن لغة الشدياق قاموسية، تتلذذ بقدرتها على استحضار المهجور وتوليد الألفاظ وكسر الألفة. وليست للريحاني هذه الغرابة المعجمية. لا يستعرض عضلات القاموس، ولا يثق كثيرا بزخارف السجع. يؤثر الجملة التي تحمل الفكرة كالوميض. وهو، ثنائي اللغة حتى النخاع، يستمد من الإنجليزية، كما يستمد من العربية الجديدة التي صنعتها الصحافة والترجمة، طاقة لكتابة فصحى ذات إيقاع داخلي يقترب كثيرا من المشافهة.
أديب التهجين الساخرإذا كانت ثيمة "اللقاء بين الشرق والغرب" من الهواجس الكبرى لدى جبران وميخائيل نعيمة، فإن الريحاني يرتاد أفقا آخر. يتعقب الفكرة حين تخرج من بعدها الروحي والتأملي وتحتك باضطرابات الواقع ومفاصله اليومية: حين يمتزج الحرير الشامي بالقطن الأمريكي، وحين تنزل الثنائيات الكبرى من سماء التأمل إلى الشارع والميناء والبرلمان، وإلى قوانين الضرائب وأسوار الحدود والجمارك.
لهذا كان الريحاني بحق أديب التهجين الساخر. يمزج روح الصوفي بواقعية ابن اللحظة، ويضع جنبا إلى جنب أشياء لا يُفترض أن تجتمع، ثم ينتظر ما تسفر عنه المصادمة.
إعلان
في كتابه الإنجليزي "تحدر البلشفية" (The Descent of Bolshevism) الصادر عام 1920، مثلا، ينقب عن أنساب للينين والبلاشفة عند مزدك والقرامطة والحشاشين. لا يقبل أن تُحبس الظواهر المعاصرة داخل حدودها الزمنية والاسمية الضيقة. والمقارنة عنده، لكي تكون خلاقة ونافذة، ينبغي أن تفلت قليلا من صرامة المناهج وانضباطها، وأن تكتسب شيئا من "التوحش" الفكري الذي يعيد رسم الخرائط ويربط الأشتات.
ومن هنا أيضا تبدو المقارنة بينه وبين الأمير شكيب أرسلان أخصب، في جانب منها، من مقارنته بأي أديب مهجري آخر.
فالرجلان من جبل لبنان، ومن جيل واحد تقريبا، عربيان كثيرا الترحال بين المشرق وأوروبا، صحفيان وناشطان شديدا الانشغال بالمسألة الاستعمارية وبمصير العرب والمسلمين بعد انهيار السلطنة العثمانية. أقام كلاهما شبكة علاقات واسعة مع الحكام والسياسيين، ورأى كلاهما في الكتابة نشاطا سياسيا عابرا للحدود. ولم تكن الصلة بينهما مشابهة نستنبطها بأثر رجعي؛ ففي رسالة بعث بها أرسلان إلى الريحاني عام 1931، يخبره أنه قرأ كتابيه "ملوك العرب" و"تاريخ نجد"، ويناقشه في معنى الوطنية، وفي إمكان الوحدة بين العراق وسوريا، وفي السياسة البريطانية والفرنسية.
لكن التقاطع لا يلغي التباين. يفكر أرسلان من داخل فضاء إسلامي واسع يراه رازحا تحت التجزئة الاستعمارية. أما الريحاني فيقرن الالتزام العروبي بالعلمانية، من دون أن تمحو علمانيته ذاكرته المسيحية، مثلما لم تلغ عودته إلى المشرق "أمريكيته".
يفترق الريحاني والأمير شكيب أيديولوجيا، لكنهما يعبران، كل في اتجاه، عن هواجس المرحلة المتأخرة من النهضة الثقافية والأدبية العربية، ويجسدان صورتين مختلفتين من كوزموبوليتانية روادها.
حين قصد أرسلان الملك عبد العزيز عام 1926، ذهب داعية لجامعة إسلامية "ما بعد عثمانية" يمكن أن تصبح حاضنة للتحديث، ولم يذهب رحالة يوثق تجواله إثنوغرافيا وسياسيا. أما الريحاني فكانت الرحلة عنده إثنوغرافية وسياسية بامتياز، وكانت بالقدر نفسه تنقيبا عن ذاته: اللبناني الماروني الذي يكتب بلغتين، ويحمل الجنسية الأمريكية، ويطوف بجغرافيا عربية لا تطابق تماما أيا من الهويات التي يحملها.
وعلاقتهما بالاستشراق تقدم بدورها نموذجين متقابلين، من داخله وخارجه في آن. استعمل الريحاني، في "كتاب خالد" كما في "ملوك العرب"، تصنيفات موروثة من الاستشراق، لكنه كان يستهلكها حتى نهاياتها ويفسد انتظامها. تأثر بسيرة النبي محمد كما أعاد توماس كارلايل صوغها في "الأبطال وعبادة البطل"، في حين تأثر أرسلان برينهارت دوزي، صاحب "تاريخ مسلمي إسبانيا". لم يكن أي منهما خارج شبكة المعرفة الأوروبية عن "الشرق"، لكن كلا منهما كان يعيد تدويرها من موقع مختلف.
مارون والحسن والحسين وداروينيمثل "ملوك العرب" (1924) و"قلب لبنان"، الذي نُشر بعد وفاة صاحبه، لحظتين فاصلتين في مسيرة الريحاني. في "ملوك العرب" يخرج من ثنائية مسقط الرأس والمهجر إلى فضاء عربي أوسع، ويراقب التحولات الجارية في شبه الجزيرة العربية من موقعه المركب: مارونيا، وابنا لجبل لبنان، وسوريا، وأمريكيا. أما "قلب لبنان" فيكشف، على حضور العروبة فيه، وطنية لبنانية كيانية أشد التصاقا بجغرافية البلد وأهله.
وفي مقدمة "ملوك العرب" يعيد الريحاني بناء المسافة الذهنية التي قطعها قبل أن يقطع طرق الجزيرة. يتذكر الصبي اللبناني الذي كانت أمه تخيفه بـ"البدوي"، ويعترف بأنه خرج من بيئة تحمل تصورات جاهزة عن البدو قبل أن يعيد اكتشاف تاريخ العرب. وكان لفصل كارلايل عن النبي محمد أثر في هذا التحول.
ثم تأتي واحدة من أجمل لقطات الكتاب، وأقدرها على تلخيص شخصية الريحاني، حين يدخل اليمن عام 1922.
يصل بثياب إفرنجية وعقال، ويحمل جوازا أمريكيا، ويرافقه قسطنطين يني. يسمع في عدن تحذيرات من دخول اليمن لأنه مسيحي، ويسمع من شوافع لحج تخويفا من الزيود. ثم يحمل إلى أمير جيش الإمام في تعز رسالة تعريف سُبق فيها اسمه بلقب "السيد"، فيظنه الأمير من الأشراف، ويسأله: أحسني أنت أم حسيني؟
في تلك الثواني يصور الريحاني ذهنه متنقلا من الحسن إلى مارون، ومن مارون إلى الحسين، ومن الحسين إلى داروين. ثم يخرج من المأزق بالجواب: "أنا عربي".
إعلان
وجمال المشهد أنه لا يقدم لنا مارونيا "تجاوز" مارونيته حتى استقر في هوية عربية صافية. مارون ما زال هناك. وداروين هناك. والحسن والحسين دخلا الغرفة لأن سؤال الأمير أدخلهما. وأمريكا موجودة في الجواز.
وحين يصل إلى صنعاء، يعرّفه الإمام يحيى إلى زواره، هو وقسطنطين، بأنهما مسيحيان من لبنان. ثم يسوءه في موضع لاحق كلام للإمام عن اشتقاق اسم المسيح. وفي موضع آخر نجده يحتج بعروبته، وينسب نفسه، بخفة لا تخلو من المبالغة، إلى قحطان.
وهذه المفارقات من صميم الريحاني.
يستطرف استعمال اليمنيين صيغة "الزيود" بدلا من "الزيديين"، ويتخيل زيدا متجسدا في كل واحد منهم. ثم يشطح إلى تشبيه بعضهم بالبروتستانت، بل يشبه الإمام بقسيس بروتستانتي من الطراز القديم، يحمل كتابه ومعه وهم هداية البشر.
ابن الأسرة المارونية لا يضع هنا كتلة اسمها "المسيحية" قبالة كتلة اسمها "الإسلام". فهو يستحضر انقسامات العالم المسيحي ليفكر في انقسامات عالم إسلامي لا يقل عنه تعددا. وقد تكون المقارنة خاطئة من حيث المطابقة، لكنها تتيح له أن يرى شيئا صحيحا: أن "المسيحية" و"الإسلام" وحدتان متماسكتان في اللغة أكثر منهما في الاجتماع والتاريخ حين ننظر إليهما عن قرب.
حين زار الريحاني اليمن كان يقف أمام آخر طور كبير من أطوار الإمامة الزيدية. كان الإمام يحيى بن محمد حميد الدين قد ورث عن أبيه قيادة الصراع مع العثمانيين، ثم بسط حكمه بعد انسحابهم عام 1918. وبهذا العهد بدأ الفصل الأخير من الإمامة الزيدية، وهو الفصل الذي ستنهيه ثورة 1962.
لكن كلمة "الإمامة" نفسها قد تحجب الفهم بقدر ما تفسر. فدولة يحيى تجسيد متأخر لنظرية سياسية عمرها ألف عام، وهي أيضا دولة خرجت من تماس طويل وشديد مع الإدارة العثمانية، وتعمل في عالم جديد من الحدود والقناصل والأسلحة والاتصالات والصحافة. وهذا تحديدا مما تلتقطه عين الريحاني.
فما إن ينتهي من الحديث في المذهب حتى يعود إلى الجند والضرائب والسلاح. فالإمام الذي قاتل العثمانيين يستفيد، في الوقت نفسه، من بعض ما تركوه: الخبرات العسكرية، والضباط، وأدوات الدولة. ويصف الريحاني "جرجي" النمساوي الذي يدير صناعة الخرطوش في قصر غمدان، ويسجل، بإعجاب طفيف تمازجه السخرية، مقدار الإنتاج اليومي.
ومن هنا يصل إلى مسألة أعقد: العلاقة بين المرتفعات الزيدية والمناطق الشافعية.
لا يعرض علينا يمن "التعايش الأبدي" الذي جاءت السياسة الحديثة فأفسدته، ولا يمن "الحرب المذهبية منذ الأزل". يرى سلطة زيدية تحاول توسيع مجالها السياسي ليشمل سكانا ليسوا جميعا داخل بنيتها المذهبية، ويسجل شكاوى من الضرائب والجباية وأساليب الحكم.
ومن ذلك حكمه اللافت: لو حكم الإمام "حكما عربيا يمانيا"، بدل حكم يوصف بأنه زيدي، لكان أقدر على توسيع سلطانه.
في العبارة شيء من قومية الريحاني المرنة، ومن إيمانه بأن الهوية العربية اليمنية قادرة على حل تناقضات السلطة. لكن وراء الصياغة مسألة سياسية حقيقية: كيف تتحول شرعية تأسست داخل مجال اجتماعي ومذهبي مخصوص إلى دولة إقليمية تحكم جماعات لا تستمد الشرعية بالطريقة نفسها؟
وهذه ليست مشكلة يمنية قديمة فحسب؛ إنها من مسائل الانتقال الكبرى من الإمبراطوريات والإمامات والسلطنات إلى الدولة الحديثة.
وقد وضع المؤرخ اليمني حسين عبد الله العمري عهد آل حميد الدين داخل هذا الانتقال الطويل بين الصراع مع الدولة العثمانية وبناء سلطة الإمام الحديثة. أما عبد الله البردوني، في "اليمن الجمهوري"، فيقرأ الدولة المتوكلية من نهايتها: من داخل المخاض الذي سيجعل 1962 انقلابا على بنية سياسية واجتماعية، لا مجرد استبدال حاكم بحاكم.
العالم والطبيب و"قوة التشوير"
يرسم الريحاني للإمام يحيى صورة تضيق عنها كلمة "مستبد".
فالريحاني معجب بعلمه، ويراه متقدما على عدد من الحكام العرب الذين قابلهم في معرفته بالدين والفقه واللغة والشعر، ويرصد فضوله تجاه السياسة الدولية. والإمام يسأل ضيفه عن سعد زغلول ومصطفى كمال، وعن أيرلندا ولويد جورج والرئاسة الأمريكية، ويتابع الصحافة المصرية أو يطلب من يلخصها له.
لكن المفارقة لا تفوت الريحاني: رجل يحب العلم في بلد يكاد يغيب فيه التعليم العام. الإمام عالم، لكن المعرفة لا تتحول إلى مؤسسة. قارئ للصحف، والصحافة المحلية شبه معدومة. يقضي بين الناس، ويطبب بعضهم، حتى تكاد الدولة كلها تنضغط في شخصه.
وهنا يقل شبه المشهد بصورة "الاستبداد الشرقي" التي أحب بعض الرحالة الأوروبيين إسقاطها على المنطقة، ويزداد وزنه السياسي: نحن أمام مركزية شخصية شديدة في دولة شديدة الهزال المؤسسي.
ثم يأتي "الطبيب الأكبر" و"قوة التشوير".
يسمع الريحاني حكايات عن علاج الإمام بالآيات والصلوات، وعن قدرته على إصابة الخصم أو التنبؤ بمصيره. ويشرح "التشوير"، كما فهمه من اليمنيين، بأنه شيء قريب من قدرة العين والإرادة على إصابة المقصود.
واللافت أنه لا يتقمص فجأة هيئة "الرجل الحديث" ليعلن أن ذلك كله خرافة. يترك الرواية تؤدي وظيفتها الاجتماعية. هنا يمتزج الحس الأنثروبولوجي بالحرفة الأدبية حتى يصعب الفصل بينهما. لا يصدق الحكاية ببساطة، ولا يقتلها بالتفسير. ينقلها جزءا من العالم الاجتماعي الذي يريد أن يراه.
ومن المسائل التي تشغل الإمام يحيى في كتاب الريحاني مسألة الحديدة. خرج العثمانيون من اليمن، فاحتلت بريطانيا المدينة مدة ثم سلمتها إلى الإدريسي، فيما كان الإمام يراها منفذه الطبيعي إلى البحر، وجزءا من المجال الذي ورثه سياسيا عن الولاية العثمانية.
بعد الحرب العالمية الأولى، كان جنوب الجزيرة العربية وساحل البحر الأحمر كله يمران بعملية واسعة لإعادة تركيب السيادات والحدود على أنقاض السلطنة العثمانية، في ظل نفوذ بريطاني متصاعد. وكانت الإمامة الزيدية تحاول أن تحول انتصارها في المرتفعات إلى سيطرة على الساحل.
لهذا تصبح الحديدة في "ملوك العرب" أكثر من ميناء. إنها ملتقى إمامة صنعاء، والإدريسي في عسير، وشوافع تهامة، وبريطانيا في عدن والبحر الأحمر. يسخر الريحاني من المأزق البريطاني ومن أوهام تقسيم الشيء بين المتخاصمين، لكنه، بعد انتقاله إلى عسير وجيزان، يعدل بعض آرائه.
وتخرج الحديدة من النص في النهاية، بعبارته الجميلة، قادرة على أن تكون "باب النزاع" و"باب السلم" في آن واحد.
ولا يغفل الريحاني في أثناء ذلك منظومة التمييز الاجتماعي والقانوني المفروضة على يهود اليمن: علامات في الهيئة واللباس، وقيود على التنقل والبناء والملكية، والجزية، وإهانات في الفضاء العام. لا يكتب بلغة حقوق الإنسان المعاصرة، ولا يتحرر تماما من أفكار زمنه عن "الطوائف" و"الأجناس"، لكنه يترك وثيقة اجتماعية لا يجوز إسقاطها من صورة اليمن في مطلع القرن العشرين.
هل الحوثيون عودة الإمامة؟من أكثر الاختصارات شيوعا في الحديث عن جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) اعتبارهم عودة مباشرة إلى الإمامة الزيدية التي أسقطتها ثورة 1962.
وللاختصار ما يسوّغه. فقيادة الحركة تنتمي إلى أسرة هاشمية زيدية، وخطابها يستمد ذخيرته الدينية والسياسية من التراث الزيدي، وتظهر في مناطق سيطرتها تراتبيات ورموز وممارسات تتيح لخصومها، ولبعض الباحثين أيضا، أن يطرحوا سؤال استعادة عناصر من النظام الإمامي.
لكن الانتقال من هذه القرائن إلى معادلة تقول إن "الحوثية إحياء للإمامة" يمحو أكثر من نصف قرن من التاريخ يفصل بين الاثنين.
فثورة 1962 لم تترك المجتمع الزيدي على حاله. الحرب بين الملكيين والجمهوريين، وتبدل بنى القبيلة والجيش والتعليم، ثم دولة الجمهورية العربية اليمنية، فالوحدة مع الجنوب عام 1990، وحرب 1994، وأكثر من ثلاثة عقود من حكم علي عبد الله صالح؛ كل ذلك أعاد تشكيل شمال اليمن.
ولا يمكن فصل صعود الحوثيين عن هذه التحولات الجمهورية نفسها من تراجع بعض النخب التقليدية، وسياسات الاستتباع والزبائنية، والتفاوت التنموي، ثم انتشار السلفية داخل المجال الزيدي وما استدعاه من حركة إحياء زيدية مضادة. من هذه البيئة خرج حسين بدر الدين الحوثي، وخرجت حركة بدأت إحياء دينيا وثقافيا، ثم صارت منافسا سياسيا، ثم تمردا مسلحا.
بهذا المعنى، فالحوثية ابنة الجمهورية بقدر ما هي وريثة الإمامة.
وبالمثل، فإن اختزال "أنصار الله" في وكيل إيراني يحول تاريخ صعدة وحروبها وطبقات المجتمع الزيدي إلى خلفية زخرفية. ولا يعني ذلك إنكار الوزن الحاسم الذي اكتسبه الدعم الإيراني في تطور الحركة وقدراتها؛ يعني أن الخارج لا يدخل إلى فراغ. وربما كان هذا من أهم ما يمكن تعلمه، بعد أكثر من قرن، من طريقة الريحاني في النظر.
في عشرينيات القرن الماضي كانت بريطانيا حاضرة بقوة في عدن والحديدة وعسير. لكنها لم تخترع الإمام، ولا الإدريسي، ولا الزيود، ولا الشوافع، ولا التنافس بين المرتفعات والساحل. دخلت حقلا قائما وغيرت موازينه.
وهو درس لا يفقد قيمته لمجرد أن أسماء القوى الخارجية تبدلت.
ومع ذلك، فالفارق بين الحقبتين هائل.
وقف الريحاني في صنعاء أمام معمل خرطوش يديره نمساوي، ورأى في إنتاج بضعة آلاف من الطلقات يوميا علامة لافتة على نمو القدرة العسكرية اليمنية.
أما يمن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين فصار مسرحا للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية والحرب الإلكترونية، ودخل باب المندب والبحر الأحمر مباشرة في شبكة الصراع الإقليمي والتجارة الدولية. والحركة التي خرجت من جبال صعدة صار أثرها يتجاوز حدود اليمن بكثير.
لكن وجها آخر من الاستمرار يبقى أشد قسوة: تتضخم تقنية الحرب، وتظل قدرة المجتمع على حماية حياة سكانه هشة إلى حد كارثي. فالمسافة بين معمل الخرطوش الذي استوقف الريحاني والترسانة المعاصرة ليست، بهذا المعنى، قصة "تحديث" فحسب. ارتفاع قدرة الحرب التقنية لا يعني بالضرورة ارتفاع قدرة الدولة أو المجتمع على إنتاج الأمن والمعرفة والصحة والحياة.
ولو عاد الريحاني إلى اليمن اليوم، لما أدهشته الطائرات المسيرة وحدها. لعل ما كان سيستوقفه أكثر هو هذا الاختلال نفسه بين القدرة على إصابة البعيد والعجز عن تأمين القريب.
"الانتداب اللبناني على اليمن"وللريحاني في "قلب لبنان" فصل بعنوان بالغ الطرافة: "الانتداب اللبناني على اليمن".
يقول فيه إن اللبنانيين يذكّرونه، "في غير واحدة من أحوالهم، وفي الكثير من سحناتهم وأشكالهم، بأهل اليمن". ثم يأخذه ولعه القديم بالأنساب والمقارنات الإثنوغرافية إلى تعداد "الجمجمة الطويلة، وعظم الخد العالي، والأنف الطويل، والوجه المخروط، والفم المستفيض"، قبل أن يرد الجميع إلى عرب حمير.
ولا يكتفي بذلك. ينتقل من تشبيه الجبال بالجبال والوجوه بالوجوه إلى جمع الموارنة والزيود في قرابة جبلية متخيلة:
"وما يدريك أن الزيود اليوم -هم يزينون رؤوسهم بأغصان من الحبق- والموارنة الذين يزرعون الحبق في مصاطب بيوتهم الجبلية هم أبناء عم، من سلالة جبلية واحدة".
ثم تأتي "النهفة" الريحانية كاملة: "أفلا يحق للبنانيين بعد هذا أن يدعوا ملكية اليمن، وأن يبسطوا حمايتهم على تلك البلاد السعيدة، فما قول غبطة البطريرك بانتداب لبناني في صنعاء؟"
يمكن أن نضحك من أنساب الريحاني ومن أنثروبولوجيته الفيزيائية الساذجة بمقاييسنا، وأن نبتسم أمام انتقاله الخاطف من الحبق إلى حمير، ومن شكل الأنف إلى تاريخ الشعوب.
لكنه كان يرى العالم بالمقارنة. ولم تكن مقارناته صائبة دائما، لكنه لم يكن يستطيع أن يفكر في شيء معزولا عن غيره. الزيدي يذكّره بالبروتستانتي، والإمام بالقسيس، والموارنة بالزيود، والبلاشفة بالقرامطة، واليمني باللبناني، وقحطان بأمريكا، ومارون بالحسين، والحسين بداروين.
قد تكون هذه المقارنات نافرة أحيانا، وعصية على الدفاع العلمي أحيانا أخرى. لكنها تكشف شيئا أعمق في الريحاني: رفضه أن يقيم كل مجتمع وراء جدار حضاري مغلق.
لهذا ربما كان السؤال الذي طرحه عليه أمير تعز عام 1922، "أحسني أنت أم حسيني؟"، سؤالا ريحانيا بامتياز، وإن لم يكن الأمير يعرف ذلك.
في خمس لحظات، كما كتب، انتقل الرجل من الحسن إلى مارون، ومن مارون إلى الحسين، ومن الحسين إلى داروين.
ثم قال: "أنا عربي".
لم تكن الإجابة حلا للتناقضات بقدر ما كانت اسما مؤقتا للمكان الذي استطاع أن يجمعها فيه.
وهنا تكمن فرادة أمين الريحاني. نهضوي لم يبدد وقته في حل كل تناقض، ولم يتوهم أن مهمة الفكر أن يرد التعدد إلى صيغة نهائية مطمئنة؛ وصف التناقضات وجاورها، وأقام من شتاتها نسقا يُبقي التوتر منتجا ولا يسعى إلى إزالته. لم يدخل صنعاء حاملا يقينا جاهزا عن "الشرق" أو "الإسلام" أو "التخلف"، دخلها ومعه مخزون كامل من المقارنات والذكريات والالتباسات. لهذا بقي عصيا على الأيقنة.
لقد أقام، من دون أن يسميه كذلك، فكرا في الحدود: في ما يعبرها، وما يعلق بينها، وما يتغير حين ينتقل المرء من لغة إلى لغة، ومن عقيدة إلى أخرى، ومن جبل لبنان إلى نيويورك، ومن نيويورك إلى صنعاء.
إقرأ المزيد


